مقالات وآراء

الحضارم .. عندما يخلعون حِكمتَهم !

الحضارم .. عندما يخلعون حِكمتَهم !

الأحقاف نيوز كلمة الاسبوع

 

[ خلل قِيَمي ] هو الوصف المطابق لظاهرة جموع الناس الذين قاموا بحملة السلب والنهب الجماعي في أعقاب انسحاب مظاهر حضور [ قوات الدولة ] من كافة مواقعها في مدينة سيئون يوم 3 من ديسمبر الجاري جراء دخول [ القوات الجنوبية ] إلى المدينة ، فتنطلق جموع [ الهوّاشة ] من كل حدبٍ وصوب لممارسة الحرام المعتاد عقب كل [ سقطات الدولة ] التي تعددت في الآونة الأخيرة ، ليصبحَ _ حسب العادة _ أن تتأهب هذه الجموع مطلع كل محكٍ أزموي يحطم تماسك الجهات الموكل إليها حفظ النظام والأمن ويشتت حضورها في الإشارة البديهية التي تنتظرها تلك العصابات لممارسة دورَها في تحطيم مظاهر النظام وإعلان سقوط القوانين ومظاهرها في الحياة وبدء مرحلة السقوط الأخلاقي عن أوصال المجتمع وإطلاق رجالات [ اللادولة ] من أوكارهم لممارسة عبثياتهم في الإمكانات والقدرات التي تكرس حضور الدولة وأجهزتها في المجتمع المحلي.

لقد تكررت هذه الأجندة بشكل متتابع منذ تسعينات القرن الماضي حينما توالى تساقط الدولة [ الهشة ] مراراً ليعقبها في كل مرة موجات نهب فظيعة تعيد التراكم التنموي المحقق في نواحي الحياة المختلفة إلى [ الصفر ] ، بل وتمنح للتراكم الفتنوي لأن يتغلغل في أوساط المجتمع بواسطة فتح خزائن السلاح على مصاريعها ويصبح السلاح بأنواعه الخفيف والثقيل في متناول الصغار والطائشين والخارجين عن القانون على حد سواء ، لتبدأ معها مرحلة إعادة بناء للمنهوب إلى نهب جديد يستجد في العادة بعد بضعة سنوات حينَ أزمات وحروب وتساقط مرير للدولة مجدداً.

 

حدثت أولى أعمال النهب العام عشية سقوط المحافظات الشرقية من اليمن في قبضة قوات ما سميت بـ[ الشرعية ] في خاتمة الحرب الظالمة على محافظات [ الجنوب ] من قبل سلطة [ عفّاش ] بصنعاء وذلك في 7 يوليو 1994 م ، وقد أسقطت تلك الأعمال الحقيرة حواجز [ العيب ] في الذهنية المجتمعية لتبدأ مرحلة قوننة [ الفساد ] في أوساط المجتمع تمهيداً لممارسة هذا [ الخرق القِيَمي ] مرة أخرى صبيحة 20 ديسمبر 2013 م في خضم الاحتجاجات [ الهبَّة ] التي انطلقت في حضرموت بعد قتل القوات الحكومية [ آنذاك ] أحد الزعماء القبليين الكبار في إحدى النقاط العسكرية التي أقيمت في شارع رئيسي من شوارع مدينة سيئون ، وتعتبر أعمال النهب الأخيرة التي اجتاحت سيئون _ محافظة حضرموت هي [ الثالثة ] التي توجه صفعة حادة للمنطق الأخلاقي الذي طالما تباهت به حضرموت في انسانها وعرفت به دواماً بين سائر القوم.

 

فما الذي حدث في القوم الذين ورثوا مكوَّناً أخلاقياً مجيداً بين الناس طالما كان الأجداد يحافظون على صرامته في مجتمعهم وبين أبنائهم كعلامة مميَّزة للشخصية [ الحضرمية ] التي لا تقبل [ المالَ الحرام ] ولا ترضى أن تمارس فوضويات رعناء في رحابها الطاهرة ؟ ..

 

لقد أكدت [ الواقعة الثالثة ] حقيقة أن هناك تغيُّراً أخلاقياً جسيماً تعرض له المجتمع المحلي في حضرموت تصبح معه التأثيراتُ السيئة المنقولة إليه من الأقوام المجاورة مجرد معايشات [ وطنية ] لواقع جديد تم تكريسه على المجتمع بواسطة السلطات الدخيلة التي رأت في القِيَم التي تمتع بها [ الحضارم ] قد تشكل تهديداً يربك [ الوفاق الوطني ] ويهدد سلام الدولة الرخوة من أن تتفاعل معها فتنضبط بها [ الشخصية ] الوطنية اليمنية عن إتيان سياساتها المجنونة في الحكم حيث الإنسان اقل من أن يعيش السلام وأقدر على معايشة الحروب صبحةً ومساء بكل أريحية.

 

الأعمال الخارجة التي حدثت صبيحة الثالث من ديسمبر الجاري هي وصمة عار في وجه المجتمع الحضرمي قاطبة ، وإن كانت حملة [ استرداد المسروقات ] محاولة لتخفيف العبء الأخلاقي على العاتق الحضرمي ، إلا أنه لن يمسح اللطخة المؤثرة في صورة الحضرمي الذي قَبِل [ ذات يوم ] أن يعتاش سارقاً ، وأن يؤكد مقولة الحاقدين عليه [ أن الحضارم يمتنعون عن إتيان المال الحرام خوفاً من السلطان وليس وازعاً دينياً وأخلاقياً متأصلاً فيهم ].

 

حضرموت اليومَ في قلبِ الاستهداف وقد ظهر أن كل تفاصيل السيناريو [ التحالفي ] من خلافات وانشقاقات واستقطابات داخل هذه المحافظة الموصوفة دائماً بالهدوء والاستقرار في عز الأزمات العديدة التي شهدها الوطن في السابق ، إنما كانت لتكريس المشروع [ العربي ] في تعميم الأزمة على كل ربوع الوطن اليمني ، وقد نجحوا في هذا الاستهداف أيَّما نجاح بعد أن انساقت الزعامات الاجتماعية في حضرموت بدون تحفظ وراء هذه الترتيبات ، لينهار آخر حصون الدولة المدنية في اليمن وتصبح للفتنة وجاهات وشيوخ وقبائل وزعامات صورية ومواقف كسيحة تدار من قبل [ السعودية والإمارات ] بتشفِّي مبالَغ فيه ، ويسقط [ بهم ] السلمُ المجتمعي في حاضرة السلام في اليمن في الخضم الأزموي الحقير.

لم يدر في خُلد قيادات [ القرار ] في حضرموت أن الدفع إلى تعديد الكيانات العسكرية في الجسم الحضرمي والسخاء العربي في تمويل تسليح المجتمع المتَّسِم دائماً بالسكينة والوداعة ؛ إنما جزءٌ من استراتيجية لتدمير [ اللحمة ٍ] المتينة للسلام في حضرموت ، وقد كان إفقارُ المجتمع والجوع إلى تدمير الخدمات في المحافظة وتوطيد آثر [ الحصار ] اقتصاديا في أوصال مجتمع الحضارم تفصيلاً واضحاً للمنهج [ الاستعماري ] الذي مارسه [ التحالف ] لتدمير بنية السلام في حضرموت.

 

لقد إنساق شباب حضرموت إلى الانخراط في التكوينات العسكرية المستحدثة في حضرموت بدافع النجاة من البطالة والعوز التي تم تكريسهما على المجتمع في حضرموت ، وقد كان للزعامات القبلية دورٌ كبير في تسهيل تنفيذ هذا المخطط بتكريس الدعايات الفتنوية في جسم المجتمع وقياداته ، فينشأ بالمحصلة واقعٌ متشظٍّ في حضرموت مهيَّأٌ للانقسام والإحتراب ومتماهٍ مع أفاعيل [ العرب ] فيه ..

 

لقد فعلت السياساتُ التمهيدية للخراب في حضرموت فعلَها في حالة السلام الاجتماعي المتميِّز بها الحضارم في اليمن [ دون غيرهم ] فتأتي الأحداثُ الأخيرة لتكون المسمارَ الأخير في نعش الوحدة في مجتمع حضرموت ، وهو أمر مبررٌ [ جداً ] لحدة الاستهداف وفراغ الواقع الحضرمي من الزعامات القادرة على إعادة اللحمة إلى سابق عهدها و [ تعدُّد ] المشاريع السياسية المطروحة في الساحة التي لبَّت أهوية أقطاب التحالف الأثرياء على غطاء كثيف من تأزيم الواقع وتعزيز إفقاره وتفتيت العلائق الاقتصادية التي كانت ضامنة لحضرموت في وجه مؤامرات انهيارها المتواصلة من الجوار وكذا من مركز الدولة في صنعاء ، ليسقط الثورُ المسكين طريحاً تحت رحمة سكاكين الأعداء ويُذبَح [ يومَ أن ذُبحَ الثورُ الأبيض ].

 

هل تم احتساب حجم استهداف حضرموت من عديد الجيوش السارحة فيها ، بغرابة العدد والعُدَّة وتنوُّع التمويل والخطط والطرائق ومشروعية التواجد وكثرة قادتها وزعاماتها الذين لا يمتلكون مشاريع حقيقية للأرض والهوية والوطنية ، بل هي وجاهات تقف أمام الأرتال لتأكيد الموت والسقوط في البراثن المجنونة .. وبعدها تكون حضرموت متماسكة بأقل من إرثها المجيد الذي تراوح بها قوتُه في موقعها تجاهد التزحزح في مواجهة التحالف العربي والاستهداف المكاني والمجتمع المنخور بأزماته .. وما كان المكانُ إلا بعضاً من انتصار يرفع رايات كاشحة لا تشي رقعاتُها البالية عن هويةٍ أو وطنٍ قادم

 

عن موقع الأحقاف نيوز

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى