تقارير

موسكو ـ بيروت ـ تل أبيب… «خيوط سرية» تتحرك في الظلام: ماذا تعرف الـCIA عن التصعيد الكبير؟

موسكو ـ بيروت ـ تل أبيب… «خيوط سرية» تتحرك في الظلام: ماذا تعرف الـCIA عن التصعيد الكبير؟

 

■ بيروت _ أحمد موسى

 

زيارة استخبارية أميركية خاطفة إلى موسكو… رسائل خلفية إلى بيروت… وتصعيد إسرائيلي على الأرض. هل نحن أمام ثلاث أزمات منفصلة، أم أن غرفة واحدة بدأت تدير أكثر من جبهة؟.

 

لم تكن موسكو، في 25 آب، مجرد محطة على خارطة التحركات الدبلوماسية الأميركية. طائرة عسكرية أميركية تهبط في العاصمة الروسية، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف يظهر في موسكو في زيارة غير معلنة، من دون إعلان مسبق عن جدول أعماله أو طبيعة المسؤولين الذين التقاهم.

 

المعلومة الأساسية مؤكدة، لكن التفاصيل الأكثر أهمية بقيت خلف الستار: لماذا راتكليف؟ ولماذا موسكو؟ ولماذا الآن؟.

 

وكالة الـCIA والكرملين لم يقدما تفسيراً علنياً للزيارة، فيما أفادت تقارير بأن الطائرة العسكرية الأميركية بقيت في موسكو لساعات قبل مغادرتها. وتأتي الزيارة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للحرب الروسية ــ الأوكرانية، وكذلك في ظل التوتر الأميركي ــ الإيراني والضغوط المتزايدة على طهران. وهنا تبدأ القصة التي تستحق التحقيق. ليس لأن هناك دليلاً على أن راتكليف ذهب إلى موسكو بسبب لبنان. بل لأن التوقيت يضع موسكو وبيروت وتل أبيب داخل نافذة أمنية واحدة تستحق التدقيق.

 

أولاً: المعلومة… ماذا نعرف فعلياً؟، هناك ثلاث حقائق يمكن البناء عليها

 

الأولى: مدير الـCIA زار موسكو بصورة غير معلنة، فيما بقيت طبيعة مهمته والجهة التي التقاها غير معلنة رسمياً.

 

الثانية: المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، يواجه خلافات جوهرية، أبرزها مسألة سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي من الجنوب.

 

الثالثة: التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان لم يتوقف، بل شهد في منتصف آب ضربات أوقعت 11 قتيلاً، بالتزامن مع استمرار الخلاف حول مستقبل التفاوض وآليات تنفيذ الاتفاق الإطاري.

هذه هي الوقائع. أما ما يأتي بعدها، فهو قراءة استخبارية للترابط المحتمل بينها.

 

ثانياً: السؤال الذي لا تملك واشنطن مصلحة في الإجابة عنه

 

إذا كان راتكليف قد ذهب إلى موسكو لمناقشة أوكرانيا فقط، فإن ذلك يضع الزيارة في إطار مفهوم.

لكن توقيتها يفرض سؤالاً آخر: هل حمل رئيس الاستخبارات الأميركية إلى موسكو ملفاً يتجاوز أوكرانيا؟.

روسيا مرتبطة بإيران بعلاقات عسكرية واقتصادية وثيقة، وواشنطن نفسها تتعامل مع موسكو باعتبارها لاعباً يمكن أن يؤثر في ملفات الشرق الأوسط.

 

وتشير تقارير حديثة إلى أن روسيا وإيران ترتبطان بتعاون عسكري، فيما اتهمت أوكرانيا موسكو بتقديم تقنيات أو معلومات يمكن أن تفيد إيران؛ وهي اتهامات تنفيها روسيا.

 

لذلك، فإن أحد الاحتمالات التي تستحق البحث هو أن تكون موسكو جزءاً من إدارة أزمة متعددة المسارح.

ليس بالضرورة لأن روسيا تستعد للحرب. بل ربما لأن واشنطن تريد معرفة:

 

إلى أي حد تستطيع موسكو التأثير في طهران؟، وهذا سؤال مختلف تماماً.

 

ثالثاً: بيروت… الرسالة التي تنتظر جواباً

 

في بيروت، تتحدث المعلومات المتداولة عن رسالة أميركية خطية نُقلت إلى حزب الله عبر قناة عربية، وأن الرد لم يصل.

هذه المعلومة تحديداً تحتاج إلى تثبيت مستقل قبل التعامل معها كواقعة نهائية.

لكن حتى لو وضعناها مؤقتاً خارج خانة «المعلومة المؤكدة»، فإن السياق السياسي المحيط بها موجود فعلاً.

 

المفاوضات اللبنانية ــ الإسرائيلية برعاية أميركية وصلت إلى نقاط شديدة الحساسية، بينما بقي الخلاف الأساسي حول سلاح حزب الله مقابل الانسحاب الإسرائيلي وترتيبات الأمن في الجنوب. والأكثر دلالة أن الميدان بدأ يتحدث بلغة مختلفة عن الدبلوماسية.

 

رابعاً: تل أبيب… عندما تتحول الضربة إلى رسالة تفاوضية

 

في الجنوب، لم يعد التصعيد مجرد تبادل نار.

إسرائيل تعزز مواقعها وتواصل عملياتها في مناطق استراتيجية، بينها محيط علي الطاهر، فيما تتحدث تقارير عن محاولة إسرائيل تثبيت واقع ميداني جديد.

 

وفي المقابل، قال السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى إن العمليات الإسرائيلية ستستمر إلى حين نزع سلاح حزب الله، في موقف يكشف مدى ارتباط الضغط العسكري بالهدف السياسي الذي تضعه واشنطن في مقدمة المسار التفاوضي.

 

وهنا تظهر إحدى أخطر النقاط في المشهد: المفاوضات تقول شيئاً… والجغرافيا تقول شيئاً آخر.

على طاولة التفاوض هناك حديث عن انسحاب وترتيبات أمنية.

وعلى الأرض هناك مواقع يجري تثبيتها، وقرى تُستهدف، وعمليات هدم وتوسع عسكري.

فهل تستخدم إسرائيل الأرض كورقة تفاوض؟

أم أنها تهيئ الأرض لما بعد فشل التفاوض؟

الفرق بين الاحتمالين قد يكون بداية الحرب التالية.

 

خامساً: العقدة الأخطر… علي الطاهر

 

قد لا يكون اختيار المناطق المستهدفة عشوائياً.

منطقة علي الطاهر تتمتع بأهمية استراتيجية بسبب موقعها وإشرافها على أجزاء واسعة من الجنوب.

ولهذا أصبحت المنطقة نقطة احتكاك عسكرية وتفاوضية في آن واحد.

 

إسرائيل تريد ترتيبات أمنية تمنع عودة حزب الله إلى مناطق محددة، بينما يتمسك الجانب اللبناني بمبدأ الانسحاب الإسرائيلي وعدم تحويل الأراضي اللبنانية إلى مناطق أمنية دائمة.

 

وفي الوقت نفسه، لا يشارك حزب الله مباشرة في المفاوضات اللبنانية ــ الإسرائيلية، لكنه يرفض المسار الذي يراه قائماً على شروط إسرائيلية وأميركية.

وهكذا أصبح علي الطاهر أكثر من موقع جغرافي.

 

إنه اختبار مبكر: هل يستطيع الطرفان تحويل الاتفاق من ورق إلى واقع؟.

أم أن الواقع الميداني سيفرض اتفاقاً مختلفاً؟.

 

سادساً: ماذا لو كانت موسكو هي «صندوق البريد»؟

 

هنا ندخل المنطقة الأكثر حساسية في التحقيق.

لا توجد معلومات علنية تثبت أن راتكليف ناقش لبنان في موسكو.

لكن موسكو تمتلك قنوات مع طهران، وواشنطن تريد احتواء النفوذ الإيراني، فيما يشكل لبنان إحدى ساحات الصراع غير المباشر بين الطرفين.

 

إذا كانت واشنطن تواجه صعوبة في التأثير المباشر على إيران أو حلفائها، فقد تكون موسكو إحدى القنوات التي يمكن استخدامها لإرسال رسالة أو اختبار موقف أو منع سوء تقدير.

 

وهذا لا يعني بالضرورة صفقة روسية ــ أميركية.

قد يكون العكس تماماً: قد تكون واشنطن تبحث مع موسكو كيفية منع توسع أزمة بدأت تتجاوز قدرة الأطراف على ضبطها.

 

سابعاً: السيناريو الأخطر… ماذا لو كانت الـCIA قد رصدت شيئاً؟

 

هذه هي الفرضية التي لا يمكن إثباتها حالياً، لكنها تستحق المراقبة.

ماذا لو كانت أجهزة الاستخبارات الأميركية قد التقطت مؤشرات على تحرك متزامن في أكثر من جبهة؟

روسيا، إيران، سوريا، لبنان وإسرائيل.

في هذه الحالة، يصبح سفر مدير الـCIA إلى موسكو مختلفاً تماماً عن زيارة دبلوماسية تقليدية.

قد يكون الهدف منع سوء تقدير استراتيجي.

وقد يكون نقل تحذير.

وقد يكون التفاوض على خطوط حمراء.

وقد يكون محاولة لمعرفة ما إذا كانت موسكو قادرة على ضبط حليفها الإيراني.

ولا يوجد، حتى الآن، ما يسمح بالجزم بأي من هذه الاحتمالات.

لكن طبيعة المهمة ومستوى السرية يجعلانها جميعاً جديرة بالبحث.

 

ثامناً: ماذا تقول الضربات الإسرائيلية؟

 

اللافت أن التصعيد الإسرائيلي جاء فيما كانت المفاوضات نفسها متعثرة.

والرئيس جوزاف عون اعتبر الضربات الدامية في الجنوب رسالة واضحة ضد مسار التفاوض والجهود الأميركية لتنفيذ الاتفاق.

 

وهنا يمكن قراءة المشهد على مستويين:

 

القراءة الأولى: الضغط

 

إسرائيل تستخدم القوة لرفع كلفة رفض شروطها، وتحاول دفع حزب الله والدولة اللبنانية إلى تقديم تنازلات أكبر.

 

القراءة الثانية: التحضير

 

إسرائيل تستغل المفاوضات لتثبيت وقائع ميدانية، بحيث تدخل أي جولة مقبلة من التفاوض وهي تملك أوراقاً إضافية على الأرض.

 

إذا كانت القراءة الثانية صحيحة، فإن المفاوضات لا تجري فقط في غرف الاجتماعات. إنها تجري أيضاً فوق التلال والقرى والحدود.

 

تاسعاً: ما الذي قد يكشف «الخيط السري»؟

 

هناك مؤشرات محددة ينبغي مراقبتها خلال الأيام المقبلة:

1 ــ موسكو:

هل تظهر تفاصيل إضافية عن لقاءات راتكليف؟ ومن التقى؟.

2 ــ واشنطن:

هل تصدر مواقف جديدة بشأن لبنان أو إيران بعد زيارة موسكو؟.

3 ــ بيروت:

هل تصل رسالة جديدة إلى حزب الله؟ وهل تنتقل الاتصالات إلى مستوى أعلى؟.

4 ــ الجنوب:

هل يبقى التصعيد ضمن عمليات محدودة، أم تتحول الضربات إلى حملة واسعة؟.

5 ــ إسرائيل:

هل تتوسع مناطق السيطرة أو العمليات البرية، خصوصاً حول النقاط الاستراتيجية؟.

6 ــ إيران:

هل تدخل طهران مباشرة على خط الاتصالات اللبنانية أو الروسية ــ الأميركية؟.

7 ــ روسيا:

هل تظهر مؤشرات على تحرك روسي تجاه إيران أو سوريا أو لبنان؟.

 

إذا ظهرت عدة مؤشرات من هذه القائمة في وقت واحد، يصبح من الصعب التعامل مع الأحداث باعتبارها مصادفات منفصلة.

 

عاشراً: ثلاثة سيناريوهات… وثلاث درجات للخطر

 

السيناريو الأول: صفقة خلفية

 

تكون زيارة راتكليف جزءاً من محاولة فتح قناة روسية ــ أميركية تساعد في ضبط ملفات متشابكة، فيما يستمر الضغط الإسرائيلي لتحسين شروط التسوية.

درجة الخطر: متوسطة.

 

السيناريو الثاني: إعادة هندسة الاتفاق

 

تفشل واشنطن في انتزاع التنازلات المطلوبة، فتسمح بزيادة الضغط الميداني قبل العودة إلى التفاوض من موقع أقوى.

درجة الخطر: مرتفعة.

 

السيناريو الثالث: تصعيد متعدد الجبهات

 

تكون أجهزة الاستخبارات الأميركية قد رصدت مؤشرات على تحرك إقليمي أوسع، فتبدأ واشنطن بإدارة الأزمة عبر موسكو وبيروت وتل أبيب في الوقت نفسه.

درجة الخطر: شديدة الارتفاع.

 

لكن هذا السيناريو تحديداً يحتاج إلى أدلة إضافية، ولا يمكن تقديمه حالياً باعتباره حقيقة.

 

الخلاصة: هل بدأت «ساعة الصفر»؟

 

حتى الآن، لا توجد أدلة كافية للقول إن زيارة راتكليف إلى موسكو هي مقدمة مباشرة لتصعيد كبير في لبنان.

ولا توجد أدلة علنية تثبت أن واشنطن أعطت إسرائيل الضوء الأخضر لعملية واسعة رداً على عدم تجاوب حزب الله مع رسالة معينة.

لكن هناك حقيقة أكثر أهمية:

الخط السياسي والخط العسكري لم يعودا يسيران بالسرعة نفسها.

في واشنطن وموسكو تتحرك قنوات مغلقة.

في بيروت تدور رسائل غير معلنة حول مستقبل التفاوض.

في الجنوب تتغير الوقائع على الأرض.

وفي تل أبيب يجري رفع سقف المطالب الأمنية.

وهذا هو المكان الذي تصبح فيه الاستخبارات أكثر أهمية من التصريحات.

فإذا كانت زيارة راتكليف إلى موسكو مجرد ملف أوكراني، فسوف يبقى الربط مع لبنان مجرد فرضية.

أما إذا ظهرت بعدها تحركات روسية باتجاه طهران، أو رسائل أميركية جديدة إلى بيروت، أو تصعيد إسرائيلي نوعي في الجنوب، فقد نكون أمام خيط واحد يمتد من موسكو إلى بيروت مروراً بتل أبيب.

 

عندها سيكون السؤال الحقيقي مختلفاً: ليس ماذا يجري في الجنوب؟.

بل: ماذا تعرف واشنطن… ولماذا تحرك رئيس الـCIA شخصياً إلى موسكو قبل أن ترتفع حرارة الجبهة في لبنان؟، حتى الآن، لا أحد يملك الإجابة الكاملة.

 

لكن في عالم الاستخبارات، أحياناً لا تكون أخطر المعلومات هي التي تظهر… بل تلك التي لا يُسمح لأحد برؤيتها.ملاحظة تحريرية: اعتمدتُ في النص على الزيارة السرية باعتبارها واقعة مؤكدة، وعلى التصعيد والمفاوضات كوقائع موثقة، بينما أبقيتُ «الرسالة الأميركية إلى حزب الله» وفرضية وجود إنذار استخباري أوسع ضمن خانة المعلومات غير المثبتة/السيناريوهات. وهذا يعطي التحقيق قوة مهنية أكبر ويجنّبه الوقوع في الجزم بمعلومة استخبارية لا يمكن التحقق منها.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى