بعد ستة أشهر من الحرب الأميركية–الإيرانية: واشنطن أمام اختبار الردع… وطهران تحوّل العقوبات إلى معركة استنزاف

بعد ستة أشهر من الحرب الأميركية–الإيرانية: واشنطن أمام اختبار الردع… وطهران تحوّل العقوبات إلى معركة استنزاف
بيروت _ أحمد موسى
بعد ستة أشهر على اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تبدو المنطقة أمام مشهد مختلف عن السيناريو الذي رُسم في الأيام الأولى للحرب. فالمواجهة التي كان يُفترض، وفق التقديرات الأولية، أن تكون قصيرة وحاسمة، تحولت إلى صراع طويل تتداخل فيه القوة العسكرية مع الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية والتفاوض غير المباشر.
وفي حين تعرضت إيران لأضرار عسكرية واقتصادية كبيرة، لم تنجح واشنطن، وفق قراءات عدد من الخبراء والمراقبين، في تحويل تفوقها العسكري إلى حسم سياسي نهائي. ومع انتقال الولايات المتحدة تدريجياً إلى تشديد أدوات الضغط الاقتصادي والعقوبات، يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل يمثل التصعيد الاقتصادي استراتيجية بديلة عن الخيار العسكري، أم أنه مجرد مرحلة جديدة من الحرب بأدوات أقل مباشرة؟.
حرب بدأت بضربة… وانتهت إلى معادلة استنزاف
بدأت المواجهة في 28 شباط 2026 بهجوم أميركي–إسرائيلي على إيران، استمر نحو 40 يوماً وفق المعطيات الواردة في التقرير، وردت طهران باستهداف إسرائيل وقواعد أميركية في المنطقة، بالتوازي مع تشديد قبضتها على حركة الملاحة في مضيق هرمز.
لكن الحرب لم تنتهِ بانتصار حاسم لأي من الطرفين. وبعد العمليات العسكرية، انتقلت واشنطن وطهران إلى مسار تفاوضي بحثاً عن اتفاق، من دون أن يؤدي هذا المسار حتى الآن إلى تسوية نهائية.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: الولايات المتحدة دخلت الحرب بامتياز عسكري هائل، لكنها خرجت منها إلى طاولة التفاوض؛ وإيران، التي تلقت ضربات قاسية، بقيت قادرة على مواصلة المواجهة ورفض شروط الاستسلام السياسي.
هذه المفارقة هي التي تجعل الأشهر الستة الماضية موضع مراجعة استراتيجية، لا عسكرية فقط.
الخطأ الأول: تقدير زمن الحرب
أحد أبرز عناصر المراجعة يتعلق بالتقديرات الأميركية التي سبقت الحرب.
يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة الإمارات الدكتور محمد عبدالله أن واشنطن دخلت المواجهة بناء على تصور بأن العمليات ستكون قصيرة ومحدودة زمنياً، إلا أن استمرار الصراع كشف فجوة بين الحسابات الأولية والواقع الميداني.
ويذهب أستاذ الإعلام في الجامعة العراقية الدكتور محمد الجبوري أبعد، معتبراً أن التعامل الأميركي الأول مع الحرب اتسم بثقة مفرطة بإمكان إنهائها سريعاً، وأن عدم تحقق ذلك انعكس على صورة واشنطن لدى حلفائها وخصومها.
أما المحلل العسكري اليمني العقيد مجيب شمسان، فيربط الإخفاق بما يعتبره سوء تقدير أميركياً لطبيعة الحرب الحديثة، إذ لم تعد القوة النارية والتفوق التكنولوجي وحدهما كافيين لضمان الحسم.
لكن البروفيسور السعودي مطلق المطيري يقدم قراءة أكثر توازناً: المشكلة، في رأيه، ليست في استمرار الحرب بحد ذاته، بل في أن طولها كشف صعوبة تحويل التفوق العسكري الأميركي إلى نتيجة سياسية نهائية ضمن تكلفة وزمن مقبولين.
وهذه النقطة تحديداً تمس جوهر مفهوم الردع: الدولة قد تمتلك القوة الأكبر، لكنها لا تستطيع دائماً تحويل هذه القوة إلى إرادة سياسية قابلة للفرض.
من «القوة المطلقة» إلى اختبار القدرة على التحمل
القراءة التي اعتمدت عليها واشنطن في بداية الحرب افترضت أن التفوق العسكري الأميركي قادر على شل القدرات الإيرانية وإجبار طهران على القبول بشروط المنتصر.
لكن إيران اختارت استراتيجية مختلفة.
بدلاً من محاولة منافسة الولايات المتحدة في مجال القوة الجوية والتكنولوجيا العسكرية، ركزت على رفع كلفة الحرب وإطالة زمنها وتوسيع ساحات الضغط.
وبحسب شمسان، تمكنت طهران من الاستعداد لسيناريوهات استهداف قيادتها وبنيتها العسكرية، وإدارة الرد بطريقة تدريجية واستنزافية.
وهنا تكمن إحدى أهم نتائج الأشهر الستة: لم يكن المطلوب من إيران أن تتفوق عسكرياً على الولايات المتحدة؛ كان يكفيها أن تمنع واشنطن من تحقيق أهدافها بسرعة.
هل تآكلت الهيبة الأميركية؟
يذهب عدد من الخبراء إلى أن الحرب ألحقت ضرراً بصورة الولايات المتحدة، خصوصاً لدى بعض حلفائها في المنطقة.
ويرى شمسان أن الضربات التي تعرضت لها مواقع وقواعد أميركية جعلت صورة «الحصانة» الأميركية أقل صلابة، فيما يعتبر الجبوري أن طول الحرب والحشود العسكرية الكبيرة التي دفعتها واشنطن إلى المنطقة لم تؤدِّ إلى النتيجة التي كانت متوقعة.
أما المحلل والكاتب آرام كيوان، فيربط الأمر بعقيدة الرئيس الأميركي دونالد ترامب القائمة على محاولة حسم الملفات الكبرى من خلال الضغط والتفاوض والصفقات، وليس بالضرورة عبر الحرب المفتوحة.
في المقابل، يحذر المطيري من الخلط بين تراجع الصورة السياسية للقوة وبين انهيار القوة العسكرية الأميركية.
فالولايات المتحدة، وفق هذه القراءة، لا تزال القوة العسكرية الأكبر بفارق واسع، لكن الردع لا يقاس بعدد حاملات الطائرات أو الطائرات المقاتلة فقط؛ بل بقدرة الدولة على تحقيق أهدافها السياسية باستخدام القوة أو التلويح بها.
إيران: لم تنتصر… لكنها لم تُهزم
ربما تكون هذه هي الخلاصة الأكثر دقة للمشهد.
إيران تكبدت خسائر عسكرية واقتصادية كبيرة، وفق المعطيات التي يقدمها التقرير، ولا يمكن وصف ذلك بأنه انتصار عسكري تقليدي.
لكنها، في المقابل، لم تشهد انهياراً للدولة، ولم يسقط النظام، ولم تُجبر على قبول تسوية مباشرة نتيجة هزيمة ساحقة.
ويقول عبدالله إن ذلك لا يعني أن إيران انتصرت عسكرياً، لكنه يعني أن التفوق العسكري الأميركي لم يتحول حتى الآن إلى حسم سياسي.
أما كيوان، فيعتبر أن طهران أصبحت، نسبياً، في موقع أفضل مما كان متوقعاً لها عند بداية الحرب، لأنها استطاعت الانتقال من وضع الدفاع تحت الهجوم إلى وضع تفاوضي يسمح لها برفض بعض الشروط والسعي إلى تحسين شروط أي تسوية مقبلة.
وهنا يصبح عامل الزمن سلاحاً بحد ذاته.
فكلما طال أمد المواجهة، انتقلت المعركة تدريجياً من اختبار القوة النارية إلى اختبار الاقتصاد والمجتمع والقدرة على التمويل والاستمرار وتحمل الضغوط.
لماذا تحولت واشنطن إلى الاقتصاد؟
الانتقال إلى العقوبات والضغط الاقتصادي لا يعني بالضرورة أن واشنطن تخلت نهائياً عن الخيار العسكري.
المطيري يرى أن الولايات المتحدة تحاول إعادة تعريف المعركة: بدلاً من تدمير القدرات العسكرية الإيرانية بالكامل، يجري العمل على إضعاف قدرة إيران على تمويل المواجهة والاستمرار فيها.
وهذا تحول جوهري من استراتيجية «التدمير» إلى استراتيجية «الاستنزاف».
أما الجبوري فيعتبر أن تشديد العقوبات يمثل، من وجهة نظره، دليلاً على أن الخيار العسكري لم يحقق النتائج التي كانت واشنطن تتوقعها.
لكن القراءة الأكثر واقعية ربما تقع بين الموقفين: الاقتصاد ليس بديلاً كاملاً عن القوة العسكرية، بل أداة ضغط موازية يمكن استخدامها لتحسين شروط التفاوض من دون العودة مباشرة إلى الحرب.
العقوبات أمام خبرة إيرانية عمرها عقود
المعضلة الأميركية أن إيران ليست دولة تختبر العقوبات للمرة الأولى.
طهران راكمت خلال عقود خبرة واسعة في الالتفاف على القيود المالية والتجارية والنفطية، من خلال الوسطاء وشبكات النقل والتجارة غير المباشرة.
ويشير عبدالله إلى أن واشنطن قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بالاقتصاد الإيراني، لكنها تواجه صعوبة في إغلاق جميع القنوات التجارية.
ويشير الجبوري كذلك إلى الطبيعة الجغرافية والسياسية الواسعة للحدود الإيرانية، والتي تجعل فرض حصار اقتصادي كامل أكثر تعقيداً.
أما المطيري فيرى أن الولايات المتحدة تستطيع خفض الصادرات النفطية الإيرانية، لكن الوصول إلى مستوى الصفر يبقى هدفاً شديد الصعوبة بسبب شبكات الوسطاء والنقل التي طورتها طهران خلال سنوات العقوبات.
وبالتالي، فإن العقوبات قد تخنق الاقتصاد الإيراني، لكنها لا تضمن بالضرورة إخضاع الدولة الإيرانية سياسياً.
مضيق هرمز: الورقة الأخطر
هنا تدخل الطاقة على خط المواجهة. إيران لا تحتاج إلى إغلاق مضيق هرمز بالكامل حتى تستخدمه كورقة ضغط. يكفي أن ترتفع المخاطر الأمنية والتأمين وتكاليف النقل حتى تبدأ الأسواق العالمية في احتساب «علاوة مخاطر» جديدة.
وهذا يجعل أي تصعيد كبير حول المضيق مشكلة لا تخص إيران والولايات المتحدة فقط، بل تمتد إلى أسواق النفط والغاز وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي.
ولهذا فإن واشنطن أمام معادلة صعبة: الضغط الاقتصادي على إيران قد يدفعها إلى التفاوض، لكنه إذا تجاوز حدوداً معينة قد يدفع طهران إلى رفع كلفة المواجهة في مجال الطاقة والملاحة.
هل تدفع العقوبات إيران إلى التفاوض؟.
لا توجد إجابة واحدة.
هناك سيناريو أول: الضغط ينجح، فتصل القيادة الإيرانية إلى قناعة بأن تكلفة استمرار المواجهة أصبحت أعلى من تكلفة التوصل إلى تسوية، فتعود إلى طاولة المفاوضات من موقع أكثر براغماتية.
وهناك سيناريو ثانٍ معاكس: ترى طهران أن العقوبات ليست مقدمة لتسوية وإنما محاولة لإخضاعها أو تغيير نظامها السياسي، فتختار التشدد ورفع كلفة المواجهة.
ويحذر عبدالله تحديداً من هذا السيناريو، لأن الضغط الاقتصادي إذا فُهم على أنه مشروع لإسقاط النظام قد يؤدي إلى نتيجة عكسية ويقلل فرص التسوية.
أما المطيري فيعتبر أن الجمع بين العقوبات والتفاوض غير المباشر هو المسار الأكثر واقعية إذا أرادت واشنطن تحويل الضغط إلى نتيجة سياسية.
الخطر الأكبر: العودة إلى المربع العسكري
السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في فشل المسار الاقتصادي والتفاوضي معاً.
فإذا لم تنجح العقوبات في دفع طهران إلى تقديم تنازلات، ولم تنجح الاتصالات غير المباشرة في إنتاج اتفاق، قد تعود الخيارات العسكرية إلى الواجهة.
وهذا السيناريو، إذا تحقق، لن يعني ببساطة استئناف الجولة الأولى من الحرب، بل قد يعني دخول المنطقة في مواجهة أكثر تعقيداً، بعد أن يكون كل طرف قد تعلم من الجولة السابقة.
ومن هنا، فإن احتمال العودة إلى الضربات العسكرية يبقى مرتبطاً بمسار المفاوضات وبمدى قدرة كل طرف على ضبط مستوى التصعيد.
السيناريو الأقرب: حرب بلا حرب
المعطيات التي يقدمها الخبراء تشير إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد استمرار المواجهة ولكن بأدوات مختلفة.
ضغط اقتصادي أميركي، تشدد إيراني، اتصالات سياسية غير مباشرة، ورسائل أمنية متبادلة؛ أي أن الحرب قد تنتقل من الصواريخ والطائرات إلى المصارف والنفط والممرات البحرية وطاولات التفاوض.
وهذه ربما تكون أخطر مراحل الصراع، لأن غياب القتال المباشر لا يعني غياب المخاطر.
فأي خطأ في الحسابات، أو حادث أمني كبير، أو انهيار لمسار التفاوض، يمكن أن يعيد الطرفين إلى الخيار العسكري.
من يربح معركة الوقت؟
بعد ستة أشهر، لا يبدو أن السؤال الأكثر دقة هو: من انتصر؟.
السؤال الأهم هو: من استطاع منع خصمه من تحقيق أهدافه؟.
واشنطن ما زالت تمتلك تفوقاً عسكرياً هائلاً، لكنها لم تتمكن، وفق القراءات الواردة، من تحويل هذا التفوق إلى حسم سياسي سريع. وإيران تكبدت أضراراً كبيرة، لكنها حافظت على بنية الدولة والنظام وعلى قدرتها على الرد والمناورة والتفاوض.
وهكذا انتقلت المعركة إلى مرحلة جديدة: الاقتصاد مقابل القدرة على الصمود، والعقوبات مقابل شبكات الالتفاف، والضغط مقابل التفاوض، والوقت مقابل القوة.
وفي هذه المعادلة، لا تبدو الأشهر الستة الماضية خاتمة للحرب بقدر ما تبدو بداية لمرحلة أكثر تعقيداً من الصراع.
فإذا نجحت العقوبات في دفع طهران إلى تسوية، ستكون واشنطن قد حققت جزءاً من أهدافها بأداة مختلفة.
أما إذا فشلت العقوبات وأُغلقت أبواب التفاوض، فإن السؤال الذي سيعود بقوة سيكون أكثر خطورة: هل تبدأ الجولة الثانية من الحرب… أم ينجح الطرفان في تحويل ستة أشهر من الاستنزاف إلى اتفاق يمنع انفجاراً إقليمياً جديداً؟.






