لماذا رفضنا (الانتقالي)؟

لماذا رفضنا (الانتقالي)؟
كتب / عدنان باوزير
لم يكن خلافنا مع ما كان يُسمّى بالمجلس الانتقالي خلافًا سياسيًا عابرًا، يُحلّ ببيان أو يُدار على طاولة تفاوض. هو خلاف أعمق من السياسة، وأخطر من الشعارات؛ خلافٌ مع منظومة كاملة من التفكير، ومع سلوكٍ عام يختلط فيه الفشل بالادّعاء، والتبعية بالوقاحة.
نرفضه لأنه لا يحمل مشروعًا، بل حقيبة تعليمات. كيانٌ بلا رؤية، يعيش على الإعارة، ويتغذّى على الأجندة، ويعمل بوظيفة “المقاول المحلي” لمصالح خارجية ترى في الجنوب ساحة لا وطنًا، وفي عدن ظلامًا استراتيجيًا لا ميناءً تاريخيًا. فبقاء الصراع مشتعلاً، والخدمات غائبة، والميناء مُعطّل—كلها ليست مصادفات، بل نتائج متوقعة لوكيلٍ يُتقن الهدم أكثر مما يفهم البناء.
ونرفضه لأن تجربته الوحيدة—عدن—جاءت كدليل إدانة لا يحتاج إلى لجنة تحقيق. ثماني سنوات من السيطرة كانت كافية لتحويل مدينة مكتملة المقومات إلى نشرة أعطال يومية: كهرباء كضيفٍ موسمي، أمنٌ انتقائي، وإدارة تُدار بعقلية العصابة لا بعلم الدولة. مدينة تُحكم بالبلطجة، لا بالقانون، وبالسلاح لا بالمؤسسة.
ونرفضه لأنه صادر القضية الجنوبية واحتكرها، وخنق أي صوت جنوبي لا يسبّح بحمده، ثم خرج يطالب بالتعددية! ولأنه توسّع لا بالحجة بل بالقوة، ولا بالإقناع بل بالفرض، وكأن الجنوب إرثٌ عائلي لا جغرافيا وطنية متعددة.
ونرفضه لعنصريته الفجة، ولغته السوقية، وعدائه المرضي لكل ما هو “شمالي”، مع أن النضال—إن كان نضالًا—لا يحتاج إلى شتائم، ولا تُبنى القضايا العادلة على قبح الخطاب. الانفصال—إن أراده—له أدوات سياسية، لا قاموس سباب.
ونرفضه لأن قياداته، المحصورة في جغرافيا ضيقة وعقلٍ أضيق، تحكمها المناطقية وشهوة السلطة، لا الكفاءة ولا التنوع. ولأنها قفزت على ثوابت الأمة وقفزت معها إلى التطبيع، لا عن قناعة، بل لأن الراعي فعل.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو البُعد المخيف: نخبة مرتهنة للخارج، فقيرة في الفكر، عاجزة حتى عن إدارة خطاب، تقود قاعدة جرى شحنها بالغضب وتفريغها من الوعي. توليفةٌ إن كُتب لها الحكم، فلن تقود إلا إلى الهاوية.
لهذا نرفض الانتقالي. لا لسببٍ واحد، بل لأن كل الأسباب اجتمعت. ولأن نجاح كيانٍ كهذا—لا قدّر الله—لن يكون انتصارًا سياسيًا، بل كارثة حضارية، وجريمة ثقافية وأخلاقية لن يغفرها التاريخ.
والحمد لله أننا تخلّصنا منه، لا بعبقريتنا ولا بقوة فعلنا،
بل لأن الوكلاء يسقطون حين تختلف حسابات الأسياد،
وكان ما جرى مجرد اصطدام مصالح بين طرفي العدوان… لا أكثر.
نقلا عن موقع الاحقاف نيوز






