ماذا تُخفي خطة «الخط الرمادي»؟ إسرائيل ترسم خريطة جديدة للجنوب قبل روما
من تدمير أنفاق علي الطاهر إلى 20 موقعاً عسكرياً ومنع عودة السكان

من تدمير أنفاق علي الطاهر إلى 20 موقعاً عسكرياً ومنع عودة السكان
ماذا تُخفي خطة «الخط الرمادي»؟ إسرائيل ترسم خريطة جديدة للجنوب قبل روما
■ بيروت _ أحمد موسى
قبل أن تبدأ مفاوضات روما، تبدو إسرائيل وكأنها بدأت برسم نتائجها على الأرض. أنفاق تُستهدف، مواقع عسكرية يجري التحضير لتثبيتها، «خط رمادي» يمتد داخل الأراضي اللبنانية، وسكان يُقال لهم إن العودة مؤجلة إلى حين انتهاء التفاوض. وبينما تتحرك الدبلوماسية الأميركية بحثاً عن اختراق، تتحرك الطائرات والآليات الإسرائيلية لرسم حدود جديدة للمنطقة الأمنية.
فهل نحن أمام انسحاب إسرائيلي فعلي، أم إعادة انتشار تؤسس لاحتلال أمني طويل الأمد؟ وهل تتحول روما من طاولة تفاوض إلى منصة لمناقشة وقائع فرضتها إسرائيل بالنار؟.
«الخط الرمادي»… الاسم الجديد للمنطقة العازلة؟
المعلومة الأكثر إثارة للقلق في التطورات الأخيرة لا تتعلق بالغارات وحدها، بل بما بات يُتداول عن خطة إسرائيلية لإعادة الانتشار جنوباً.
فوفق المعطيات المنقولة عن هيئة البث الإسرائيلية، تستعد إسرائيل بعد تدمير الأنفاق في منطقة علي الطاهر للانسحاب من «الخط الأصفر» والتمركز عند ما تسميه «الخط الرمادي»، على مسافة تتراوح بين كيلومترين وأربعة كيلومترات من الحدود، مع إنشاء نحو 20 موقعاً عسكرياً دائماً.
وإذا ما تحولت هذه الخطة إلى واقع، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بمكان انتشار القوات الإسرائيلية فقط، بل بشكل السيطرة على الأرض بعد الانسحاب المعلن.
فالسيطرة، وفق المعلومات نفسها، لن تختفي، بل ستنتقل من الانتشار البري المباشر إلى منظومة تعتمد على المراقبة الجوية والاستطلاع والضربات ضد أي مجموعات مسلحة يتم رصدها.
أي أن الانسحاب قد لا يعني بالضرورة نهاية السيطرة العسكرية.
وهنا تكمن المفارقة.
هل تغادر إسرائيل الأرض لتبقى مسيطرة عليها من الجو؟.
علي الطاهر… شرارة المرحلة المقبلة؟
في قلب هذا المشهد، يقف مرتفع علي الطاهر.
هيئة البث الإسرائيلية تحدثت عن استعداد الجيش لتفجير أنفاق في المنطقة خلال أيام، فيما نقل مراسل «i24» أن الجيش ينتظر موافقة المستوى السياسي لتنفيذ العملية، وسط تقديرات بأن تدمير الأنفاق قد يرفع مستوى التوتر ويستدعي رداً أوسع.
وبذلك يتحول علي الطاهر من موقع عسكري إلى اختبار سياسي–أمني حقيقي.
فالعملية، إذا نُفذت، لن تكون مجرد ضربة ضد أنفاق، بل قد تصبح اختباراً للمعادلة التي ستدخل بها الأطراف إلى مفاوضات روما.
إسرائيل تقول: الأنفاق هدف عسكري.
الطرف الآخر قد يقرأها كخطوة تتجاوز الترتيبات القائمة.
والولايات المتحدة تجد نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية: كيف تمنع الانفجار بينما تستمر إسرائيل في توسيع هامش عملياتها؟.
المفارقة الأخطر: الانسحاب مع منع العودة
الأكثر حساسية في الخطة الإسرائيلية المتداولة هو ما يتعلق بالسكان.
فبحسب هيئة البث، أبلغت إسرائيل الحكومة اللبنانية، عبر الولايات المتحدة، أنها لن تسمح في المرحلة الحالية بعودة السكان إلى المناطق التي ستنسحب منها القوات، على أن تُبحث مسألة العودة في المفاوضات المباشرة المرتقبة في روما.
وهنا تنتقل القضية من بعدها العسكري إلى بعدها السيادي والإنساني.
فالانسحاب من الأرض يفترض، منطقياً، أن يفتح الطريق أمام عودة أهلها.
أما أن تنسحب القوات ويُمنع السكان من العودة، فهذا يعني أن الفراغ الناتج عن الانسحاب قد يتحول إلى منطقة معلّقة سياسياً وأمنياً.
وهذا تحديداً ما يستحق التدقيق في أي تفاوض مقبل: من يملك قرار العودة؟ ومن يحدد حدود المنطقة؟ ومن يضمن ألا يتحول «الخط الرمادي» إلى أمر واقع دائم؟.
النار تصل إلى مؤسسات الدولة
في المقابل، لا تجري هذه التطورات في فراغ. فمن النبطية وكفررمان وعربصاليم إلى مناطق أخرى في الجنوب، تتسع دائرة الاستهدافات والأضرار، فيما طاولت الغارات مباني ومرافق مدنية وصحية.
وهذا التصعيد دفع الرؤساء الثلاثة إلى رفع مستوى المواقف السياسية.
الرئيس جوزاف عون حذّر من تحول الاعتداءات إلى تصعيد خطير يطال مؤسسات الدولة ومرافقها ومراكزها الصحية، مطالباً الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بالتحرك.
ورئيس الحكومة نواف سلام أكد أن الاعتداءات لن تثني الحكومة عن دعم أبناء المناطق الجنوبية وتأمين استمرار عمل المرافق العامة.
أما رئيس مجلس النواب نبيه بري فرفع السقف السياسي، واصفاً ما يجري بأنه جرائم ترقى إلى إرهاب الدولة، ومؤكداً أن إسرائيل لم تلتزم بصيغ وقف إطلاق النار والتفاهمات القائمة.
ثلاثة مواقف رسمية، لكن السؤال واحد:
كيف يمكن للبنان أن يدخل مفاوضات سياسية فيما تتغير قواعد اللعبة على أرضه بالقصف؟.
ميشال عيسى في سباق مع الوقت
في الجانب الدبلوماسي، تقول مصادر دبلوماسية لـ«ميديا برس ليبانون» إن السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى يحاول في هذه المرحلة تحقيق تقدم أو مكسب في المفاوضات مع إسرائيل قبل الدخول في الأيام الفاصلة المرتبطة بالانتخابات.
المعطى هنا بالغ الأهمية.
فواشنطن لا تريد، وفق هذه القراءة، أن تدخل مفاوضات روما في ظل جبهة مفتوحة على احتمالات التصعيد، فيما إسرائيل تتحرك ميدانياً، ولبنان يطالب بوقف الاعتداءات والانسحاب، والوقت السياسي يضيق.
لذلك يبدو أن السفير الأميركي أمام مهمة شديدة التعقيد:
انتزاع اختراق دبلوماسي قبل أن يصبح الميدان أقوى من قدرة الوسطاء على ضبطه.
لكن السؤال: هل يستطيع؟.
اتفاق الإطار تحت الاختبار
منذ بدء الحديث عن «اتفاق الإطار»، كان الرهان أن يوفر مساراً سياسياً يمنع تحول الخروقات إلى حرب مفتوحة.
أما اليوم، فتبدو الصورة أكثر تعقيداً.
إسرائيل تضرب.
لبنان يحتج.
واشنطن تحاول الوساطة.
والتفاوض ينتظر.
وفي الوسط، تتشكل وقائع جديدة تتعلق بالأنفاق، والانتشار، والمواقع العسكرية، وعودة السكان.
وهذا يضع «اتفاق الإطار» أمام السؤال الأصعب:
هل لا يزال إطاراً تفاوضياً، أم أصبح مجرد عنوان يجري التفاوض على ما تبقى منه؟.
روما… هل تصلها الخريطة قبل الوفود؟
المفارقة الكبرى أن المفاوضات المقبلة يفترض أن تبحث ترتيبات أمنية وسياسية، لكن جزءاً من هذه الترتيبات قد يكون قد تحدد مسبقاً على الأرض.
إذا تم تدمير أنفاق علي الطاهر، وإذا ثبتت المواقع العسكرية، وإذا بقي السكان خارج مناطقهم، وإذا تحولت المراقبة الجوية إلى أداة دائمة للسيطرة العملياتية، فإن مفاوضات ■ روما لن تنطلق من واقع ما قبل التصعيد.
■ ستبدأ من واقع صنعه التصعيد.
■ وهنا تحديداً تكمن المعركة الحقيقية.
■ ليست المعركة فقط على الانسحاب.
■ وليست فقط على وقف الغارات.
■بل على من يملك حق رسم الخريطة الأمنية للجنوب؟.
لبنان يريد أن تكون الحدود والانتشار والعودة جزءاً من قرار الدولة اللبنانية.
إسرائيل تسعى، وفق المعطيات المتداولة، إلى ضمان قدرة عسكرية وأمنية مستمرة حتى بعد إعادة الانتشار.
والولايات المتحدة تحاول الإمساك بخيط رفيع بين الطرفين.
هل «الخط الرمادي» انسحاب أم احتلال بصيغة جديدة؟
كل المؤشرات تقود إلى أن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد تنفيذ تقني لاتفاق وقف الأعمال العدائية.
هناك محاولة لإعادة تعريف الجنوب أمنياً.
وعلي الطاهر قد يكون نقطة البداية.
والخط الرمادي قد يكون الأداة.
والمواقع العسكرية قد تكون الضمانة.
ومنْع العودة قد يكون ورقة التفاوض.
أما روما، فقد تكون المكان الذي يُطلب فيه من لبنان التعامل مع هذه الوقائع الجديدة.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً حتى موعد المفاوضات: هل تنسحب إسرائيل من الجنوب فعلاً… أم تعيد انتشارها لتبقى ممسكة بمفاتيح المنطقة من خارجها؟.
وفي انتظار الإجابة، يستمر التفاوض بالنار: إسرائيل ترسم الوقائع بالقصف، ولبنان يحاول تثبيت حقوقه على طاولة التفاوض، وواشنطن تسابق الوقت لمنع انهيار المسار قبل أن تتحول المنطقة الرمادية إلى واقع أسود طويل الأمد.






