عليّ الطاهر” بين الحرب والتسوية: لبنان أمام مفترق إقليمي خطير

“عليّ الطاهر” بين الحرب والتسوية: لبنان أمام مفترق إقليمي خطير
■ بيروت _ أحمد موسى
ليس مرتفع علي الطاهر اليوم مجرد نقطة على خريطة الجنوب، بل أصبح عنواناً لاختبار أوسع بكثير من حدود الجغرافيا اللبنانية. فحول هذا المرتفع تتقاطع الحسابات الإسرائيلية والأميركية والإيرانية، وتتصل بها ملفات سوريا واليمن والبحر الأحمر ومضيق هرمز، فيما يقف لبنان في منتصف دائرة النار، محاولاً منع تحويل أراضيه إلى ساحة جديدة لتصفية الحسابات الإقليمية.
المشهد، في ظاهره، عسكري. لكن جوهره سياسي بامتياز. فإسرائيل لا تقرأ الجنوب بمعزل عن حساباتها الداخلية ومسارها السياسي، ولا يبدو قرار التصعيد منفصلاً عن موقع حكومة بنيامين نتنياهو واستحقاقاتها المقبلة. وفي المقابل، لا تنظر إيران إلى لبنان كجبهة منفردة، بل كجزء من منظومة ردع تمتد من الجنوب اللبناني إلى الخليج والبحر الأحمر.
وهنا تحديداً تكمن خطورة علي الطاهر. فالمعركة عليه، إذا وقعت، لن تكون بالضرورة معركة للسيطرة على مرتفع، بل محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك قبل أي تسوية مقبلة.
إسرائيل ترفع منسوب التهديد، والحديث عن إمكان توسيع الضربات إلى العمق اللبناني، بما فيه بيروت، لم يعد مجرد خطاب للاستهلاك السياسي. وفي الوقت نفسه، تواصل قواتها عمليات القصف والتفجير في الجنوب، فيما تستهدف الغارات مناطق مرتبطة بعلي الطاهر ومحيطه.
لكن إسرائيل تعرف أيضاً أن الحرب الواسعة ليست قراراً عسكرياً صافياً. فثمنها لا يقتصر على الجبهة اللبنانية، بل يمكن أن يمتد إلى سوريا واليمن والبحر الأحمر والخليج، ويضع الولايات المتحدة أمام استحقاق لا يبدو أنها ترغب في فتحه بلا سقف أو نهاية واضحة.
ومن هنا يأتي الدور الأميركي. واشنطن قد لا تكون في وارد منع إسرائيل من كل عمل عسكري، لكنها تبدو أكثر اهتماماً بمنع تحوله إلى حرب إقليمية مفتوحة. وهذه المنطقة الرمادية هي التي تجعل المرحلة المقبلة شديدة الحساسية: عملية إسرائيلية محدودة قد تبقى تحت السيطرة، أما عملية حسم في علي الطاهر فقد تفتح سلسلة من الردود يصعب وقفها.
في المقابل، تملك إيران أوراقاً لا تنحصر في لبنان. ومهما اختلفت التقديرات حول إمكان الربط بين علي الطاهر ومضيق هرمز، فإن الرسالة الأهم هي أن أي حرب لن تكون محصورة في الجبهة الجنوبية. فباب المندب، والبحر الأحمر، وسوريا، وممرات الطاقة، كلها قابلة لأن تتحول إلى ساحات رد إذا خرجت المواجهة عن قواعدها الحالية.
وهنا يظهر العامل اليمني بوصفه أحد أخطر عناصر المعادلة. فتسخين الجبهة اليمنية لا يعني فقط تهديد الملاحة في باب المندب، بل يمكن أن يضع منشآت الطاقة وخطوط التجارة في الخليج تحت ضغط إضافي، ويحوّل أي مواجهة عسكرية إلى أزمة اقتصادية تتجاوز المنطقة.
أما لبنان، فيبدو الحلقة الأضعف في هذه السلسلة. فاقتصاد هش، ومعابر تجارية حساسة، وحدود برية تشكل شرياناً أساسياً لحركة الصادرات، كلها عوامل تجعل الضغط الاقتصادي جزءاً من المعركة السياسية.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أهمية معبر المصنع. فالمعبر ليس مجرد نقطة حدودية، بل منفذ حيوي للتجارة اللبنانية باتجاه سوريا والأسواق العربية. ولذلك فإن استقرار حركة العبور والتصدير يتحول، في زمن الأزمات، إلى مسألة سيادية واقتصادية لا تقل أهمية عن الملفات الأمنية.
لكن وسط هذا المشهد القاتم، ثمة مسار آخر يتحرك بعيداً عن الضجيج العسكري.
المعلومات المتقاطعة من مصادر دبلوماسية تشير إلى إمكان تحرك قطري على خط الأزمة اللبنانية ـ الإسرائيلية، في محاولة لإبعاد شبح الحرب ودفع اتفاق الإطار نحو التنفيذ. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن أهمية التحرك لا تكمن فقط في الوساطة القطرية، بل في طبيعة التسوية التي يجري تداولها.
الورقة المطروحة، وفق المعلومات المتداولة، تقوم على معادلة شديدة التعقيد: سحب السلاح الثقيل لـ”حزب الله” من لبنان، وإخلاء جنوب الليطاني من السلاح وتسليم المنطقة للجيش اللبناني، مع معالجة ملف السلاح المتوسط والخفيف شمال الليطاني عبر تفاهم لبناني بين الحزب والجيش.
وفي المقابل، يُبحث في انسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة، وترسيم الحدود، وضمانات دولية لوقف الاعتداءات، والإفراج عن الأسرى، وإعادة الإعمار، إلى جانب غطاء عربي ودولي لخروج مقاتلي الحزب من جنوب الليطاني.
أما البعد الأكثر حساسية في هذه الصيغة، فيتعلق بالشق السياسي الداخلي، مع حديث عن ضمانات ومكاسب سياسية للحزب في مؤسسات الدولة.
هنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل يمكن فعلاً تحويل الملف الأمني إلى صفقة سياسية شاملة؟.
الجواب لن يكون في بيروت وحدها.
إسرائيل تريد ضمانات أمنية، وإيران تريد حماية أوراقها، والولايات المتحدة تريد منع حرب واسعة، والسعودية وتركيا تنظران إلى استقرار لبنان من زاوية إقليمية، فيما يحتاج لبنان قبل كل شيء إلى وقف الاعتداءات وإعادة بناء مؤسساته واقتصاده.
ولذلك فإن أي ورقة قطرية لن تولد ما لم تحصل على توافق إقليمي ودولي، والأهم على آلية تنفيذ وضمانات واضحة. فالتجارب السابقة أثبتت أن المشكلة ليست في توقيع الاتفاقات، بل في القدرة على إلزام الأطراف بتنفيذها.
وهنا تبرز مسؤولية الدولة اللبنانية.
فالتمسك بالمسار الدبلوماسي لا يعني التنازل عن السيادة، كما أن حماية السيادة لا تعني حكماً الذهاب إلى الحرب. المطلوب هو بناء معادلة تجعل الدولة المرجعية الوحيدة في قرار الحرب والسلم، والجيش صاحب الدور الأساسي في الجنوب، والحدود اللبنانية محمية بضمانات دولية جدية لا بوعود سياسية قابلة للانهيار.
وفي هذا الإطار، تكتسب تحركات رئيس الجمهورية جوزاف عون واتصالاته الدولية أهمية خاصة، وكذلك البحث في مستقبل “اليونيفيل” والدور الذي يمكن أن تضطلع به القوى الدولية في المرحلة المقبلة.
لكن كل ذلك يبقى رهناً بسؤال واحد: هل تسبق الدبلوماسية الحرب، أم تسبق الحرب الدبلوماسية؟.
علي الطاهر هو المؤشر الأوضح.
إذا بقي التصعيد مضبوطاً، فقد تكون هناك فرصة لإعادة تشغيل المسار التفاوضي والوصول إلى ترتيبات جديدة في الجنوب.
أما إذا قررت إسرائيل خوض معركة حسم هناك، فإن لبنان لن يكون وحده أمام استحقاق الحرب، لأن المعركة قد تستدعي بقية الساحات، من سوريا إلى اليمن، ومن البحر الأحمر إلى الخليج.
ولهذا، فإن اللحظة الراهنة ليست لحظة انتظار ولا لحظة مراهنة على الوقت.
إنها لحظة اختبار حقيقي للدبلوماسية، ولقدرة القوى الدولية والإقليمية على منع لبنان من دفع ثمن صراع لا يملك وحده قرار بدايته ولا نهايته.
علي الطاهر قد يكون مرتفعاً صغيراً على الخريطة، لكنه اليوم يقف على خط فاصل بين مسارين: مسار تسوية تعيد الجنوب إلى الدولة، ومسار حرب قد تعيد المنطقة كلها إلى المجهول.






