مقالات وآراء

هدنة أم إعادة ترتيب أولويات

هدنة أم إعادة ترتيب أولويات

 

كتب / عدنان باوزير

 

اتفاق غير معلن لخفض التصعيد بين الأنصار والسعودية:

ذكرت صحيفة «الأخبار» اللبنانية أن هناك اتفاقًا غير معلن على خفض التصعيد بين الأنصار والسعودية، تم مؤخرًا بوساطة عُمانية، أثناء زيارة السلطان العُماني هيثم الأخيرة إلى السعودية، وذلك من أجل إعطاء فرصة أخيرة ومحددة زمنيًا لجهود التسوية.

 

أعلم أن هذا لن يوافق هوانا نحن «المتفرجين»، ولكن ما لا تستطيع تحقيقه كله وفي دفعة واحدة، يمكنك تجزئته وتحقيقه على مراحل، وهذه في تقديري خطوة سياسية حكيمة وذكية.

فليس من الحكمة أن تحارب على عشرات الجبهات، طالما يمكنك أن تهدئ بعضها أو تحيّد البعض الآخر.

ونعلم مسبقًا أن هذه الفرصة أيضًا لن تقتنصها السعودية، وأنها ليست أكثر من تقطيع للوقت، ولن تفضي، كسابقاتها، إلى أي نتيجة.

ولكن، وفي ظل اشتعال الجبهات الداخلية مع مرتزقة السعودية في الداخل، وعلى اختلاف فصائلهم، فإن خفض التصعيد، على الأقل، سيحيّد السعودية، ليس كليًا بالطبع، ولكن بما يكفي لتقليص مشاركتها المباشرة.

ويجب استغلال هذا الظرف والتعامل مع بعض فصائل المرتزقة، والأولوية حاليًا هي لجبهة المخا.

ليست الأمور سهلة، بطبيعة الحال، ولكن أصبحت السيطرة الفعلية، وليس النارية فحسب، على باب المندب ضرورة استراتيجية، خصوصًا ونحن نشهد حرب المضائق، فيما يتركز الصراع على تأمين طرق الملاحة الدولية.

وسوف تمنح هذه الخطوة، إن تمت، الأنصار أفضلية استراتيجية، وتمنحهم ورقة قوة وضغط. وأكبر شاهد على ذلك ما نشهده اليوم في مضيق هرمز، وكيف تستثمر إيران هذه الورقة بنجاح حتى الآن.

إذن، المخا هي الأولوية الاستراتيجية الآن، ناهيك عن فوائد أخرى، أهمها توسيع السيطرة على الشريط الساحلي الغربي، وما سيمثله ذلك من كسر جزئي للحصار، وبالتالي توسيع هامش المناورة.

وهنا يجب أن نؤكد أن السعودية لن ترضخ لشروط ومتطلبات السلام، ما دامت لا تزال تمتلك ثقلًا عسكريًا مؤثرًا في الداخل اليمني. فما الذي يدفعها إلى ذلك وهي ما تزال تمتلك أوراقًا مهمة تستطيع أن تلعب بها؟

لن تستجيب لمقتضيات السلام إلا بعد أن يتم تجريدها من هذه الأوراق، وكسر مخالبها وتقليص مناطق نفوذها.

هذا أولًا.

أما المحطة الثانية، والضرورية جدًا، وما تمثله من أهمية استراتيجية أخرى، فتتمثل في حسم موضوع مأرب.

وأيضًا، ليس الطريق سالكًا إلى ذلك؛ وسوف تقاتل جحافل المرتزقة المحتشدة هناك، خصوصًا في حال سقوط المخا، باعتبار مأرب قلعتهم الأخيرة، وهي بالفعل كذلك.

وسوف تكون، بكل الاعتبارات، آخر المعارك الكبرى، وتكمن أهميتها فيما ستضيفه من موارد اقتصادية مطلوبة بشدة، وخصوصًا تأمين إمدادات الكهرباء والوقود والغاز للمناطق المحررة.

كما ستكون بمثابة زلزلة للمشروع السعودي في اليمن وأتباعه، وتشكل نصرًا عسكريًا مدويًا.

بعد ذلك، وهي آخر مراحل الصراع التي يفرضها واقع الميدان كضرورة ملحّة لحسم الحرب، تأتي القفزة الثالثة والأخيرة.

لن تحتاج صنعاء بعدها إلى خوض معارك على جبهات متعددة، لا شرقًا ولا غربًا؛ فيكفيها فقط أن تفتح شريطًا جغرافيًا متواضع العرض، يمتد من مأرب عبر شبوة إلى ساحل البحر العربي، فتقسم الجنوب بذلك إلى جزأين، وتقصم ظهر مشروع العدوان وتجهضه نهائيًا.

ولا تنسَ أن الجنوب سيكون، لحظتها، مهيأً تمامًا عسكريًا وسياسيًا ونفسيًا لهذا التحول، نتيجة ما سببته الصراعات البينية التي لا بد أن تكون قد نشبت بين مختلف فصائل وقوى العدوان المتراجعة من المخا ومأرب وغيرهما إلى الجنوب، وحينها تكون الظروف الموضوعية قد نضجت وأصبحت جاهزة للقطاف.

وفي أثناء ذلك، وربما قبله بكثير، ستكون مشاريع التسويات السياسية الواقعية قد طُرحت بقوة على الطاولة، وسيتوافد الوسطاء لترجمة ذلك إلى اتفاق سلام.

عندها فقط، أو في أثناء هذا الزخم، ستجلس السعودية إلى الطاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن ليس قبل ذلك بأي حال من الأحوال!

ومن نافلة القول التنبيه إلى أن اتفاق خفض التصعيد الذي بدأنا به هذا المنشور لابد أن يكون محددًا زمنيًا، ولفترة غير طويلة، وألا يتحول إلى هدنة مفتوحة كسابقاتها.

ففي السياسة، كما في الحرب، ليست كل هدنة نهايةً للصراع؛ أحيانًا تكون الهدنة مجرد إعادة ترتيب للأوراق قبل الجولة التالية.

 

نقلا عن موقع الاحقاف نيوز

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى