مقالات وآراء

العدوان وتحولاته: استمرارية الصراع من الحرب المباشرة إلى الحصار والتشابك الإقليمي

العدوان وتحولاته: استمرارية الصراع من الحرب المباشرة إلى الحصار والتشابك الإقليمي

بقلم/ محمد الصالحي

 

بعد أحد عشر عامًا من العدوان على اليمن، لم يعد بالإمكان قراءة هذا الحدث بوصفه حربًا معزولة أو نزاعًا إقليميًا محدودًا، بل باعتباره جزءًا من بنية صراع أوسع يتجاوز الجغرافيا اليمنية ليعكس طبيعة النظام الإقليمي ووظيفته ضمن الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية. فطوال هذه السنوات، ظلّ الصبر اليمني عاملًا حاسمًا في كشف التناقضات البنيوية لهذا النظام، وفي تعرية الدور الوظيفي الذي تضطلع به بعض الأنظمة العربية، التي لم تعد تُخفي تموضعها كخط دفاع أول عن المصالح الأمريكية والإسرائيلية، أكثر من كونها فاعلًا مستقلًا يعبر عن مصالحه الوطنية.

 

لقد تأسس هذا العدوان، في جوهره، على منطق “حروب الوكالة”، حيث أُوكلت مهمة المواجهة المباشرة إلى أطراف إقليمية، تتولى تنفيذ الأجندة الاستراتيجية للقوى الكبرى، مقابل ضمانات أمنية وسياسية. وفي هذا السياق، شكّل العدوان السعودي الإماراتي على اليمن أحد أبرز تجليات هذا النمط من الحروب، حيث تداخلت فيه الأهداف المحلية مع الحسابات الدولية، ليصبح اليمن ساحة اختبار لإرادة الهيمنة وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.

 

غير أن هذا النمط من إدارة الصراع بدأ يفقد فاعليته تدريجيًا، إلى أن جاء السابع من أكتوبر 2023م ليشكّل لحظة مفصلية أعادت تعريف قواعد الاشتباك. فقد دشّنت عملية طوفان الأقصى مرحلة جديدة، لم تعد فيها أدوات الوكالة قادرة على تحقيق الأهداف الاستراتيجية، بعد أن فشلت في احتواء محور الجهاد والمقاومة أو حرف بوصلته عن عدوه المركزي. هذا الفشل البنيوي دفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الانتقال نحو نمط أكثر مباشرة في إدارة الصراع، لتجد نفسها في مواجهة مفتوحة مع قوى كانت، حتى وقت قريب، تُحاصر عبر وسطاء وأدوات.

 

ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الصراع محكومًا بمنطق الجبهات المنفصلة، بل دخل في طور “التشابك الجغرافي”، حيث تداخلت الساحات وتكاملت الأدوار، من غزة إلى لبنان، مرورًا بالعراق واليمن، وصولًا إلى إيران. هذا التحول لم يكن مجرد اتساع في رقعة المواجهة، بل تعبيرًا عن تشكّل نمط جديد من التفاعلات الاستراتيجية، يقوم على وحدة الساحات وتكامل الضغوط، بما يحوّل أي تصعيد في جبهة إلى عامل تأثير مباشر في بقية الجبهات.

 

في المقابل، حاولت الولايات المتحدة وإسرائيل استعادة زمام المبادرة عبر تبنّي استراتيجية “الضربة الأولى”، انطلاقًا من فرضية أن المبادأة بالهجوم كفيلة بإرباك الخصم وشلّ قدراته قبل أن تتبلور استجابته. كما سعتا إلى تفكيك هذا التشابك عبر استهداف كل ساحة على حدة، أملاً في منع تشكّل جبهة موحدة قادرة على فرض معادلات ردع جديدة. غير أن هذا التصور اصطدم بواقع مغاير، حيث أظهرت تطورات الميدان أن تعدد الجبهات لم يعد نقطة ضعف، بل تحوّل إلى مصدر قوة، يفرض على الخصم حالة من الاستنزاف والتشتيت المستمر.

 

وفي خضم هذا المشهد، برزت محاولة إعادة تشكيل ميزان القوى عبر استهداف حلقات رئيسية في محور المقاومة، سواء من خلال الضربات المباشرة أو عبر توظيف أدوات غير مباشرة. وقد ساد اعتقاد لدى صانع القرار في واشنطن وتل أبيب بأن سلسلة من النجاحات التكتيكية—سواء في الساحة السورية، أو في إلحاق خسائر بحزب الله، أو في حجم الدمار الذي لحق بقطاع غزة—يمكن أن تمهّد الطريق لفرض معادلة جديدة، تمتد لاحقًا إلى استهداف إيران وتقويض قدراتها الاستراتيجية، تمهيدًا لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي برمّته.

 

إلا أن هذا الرهان، في جوهره، يعكس قراءة جزئية لطبيعة الصراع، تتجاهل أن ما يجري ليس مجرد مواجهات منفصلة، بل صراع مركّب تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والاقتصادية والسياسية، وتُعاد فيه صياغة مفاهيم الردع والتوازن. فبدل أن تؤدي هذه الضغوط إلى تفكيك محور المقاومة، أسهمت في تعزيز ترابطه، وفي دفعه نحو تطوير أنماط جديدة من التنسيق والتكامل.

 

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل استمرار العدوان على اليمن عن هذا الإطار الأوسع. فرغم تراجع حدة العمليات العسكرية المباشرة، إلا أن العدوان لم يتوقف، بل أعاد إنتاج نفسه في أشكال أكثر تعقيدًا، تتجاوز الأدوات العسكرية التقليدية. فقد تحوّل الحصار الاقتصادي إلى أداة مركزية لإخضاع اليمن، عبر استهداف موارده وتجفيف مصادر قوته، بالتوازي مع استمرار نهب الثروات وتدمير البنية الاقتصادية، بما يفاقم الأوضاع الإنسانية ويُبقي البلاد في حالة إنهاك دائم.

 

كما يتجلى هذا الاستمرار في إدارة الأزمة السياسية، من خلال تعطيل مسارات الحل الشامل، والمماطلة في تنفيذ الاتفاقيات، وافتعال الأزمات بما يضمن بقاء حالة اللااستقرار. ولا يقل خطورة عن ذلك النشاط الاستخباراتي المكثف، الذي تقوم به قوى إقليمية بالتنسيق مع أطراف دولية، بهدف جمع المعلومات وإعادة توجيه مسارات الصراع بما يخدم الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة وإسرائيل.

 

إلى جانب ذلك، تمثل محاولات اختراق الجبهة الداخلية أحد أخطر أوجه هذا العدوان، حيث يجري الاستثمار في الانقسامات، وشراء الولاءات، والعمل على تفكيك النسيج الاجتماعي والسياسي، باعتبار ذلك مدخلًا لتحقيق ما عجزت عنه العمليات العسكرية المباشرة.

 

في المحصلة، يكشف مسار الأحداث خلال السنوات الماضية، وخصوصًا منذ السابع من أكتوبر، أن المنطقة بصدد انتقال تاريخي في طبيعة الصراع، من نمط تُدار فيه الحروب عبر الوكلاء، إلى نمط تتقدم فيه المواجهة المباشرة والمتشابكة. وفي قلب هذا التحول، يبرز اليمن ليس كجبهة هامشية، بل كأحد المفاصل الحيوية في معادلة إقليمية آخذة في التشكل، حيث يتقاطع المحلي بالإقليمي، وتتداخل الجغرافيا بالاستراتيجية، في مشهد يعيد رسم ملامح النظام الإقليمي ويطرح تساؤلات مفتوحة حول مستقبله.

 

نقلا عن صحيفة ٢٦ سبتمبر العدد 2450 الصادر اليوم الإثنين 30 مارس 2026م

 

 

https://26sep.net/index.php/newspaper/26reports/125066-2026-03-29-20-31-19

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى