العدّ التنازلي… أم مسرحية ما قبل العاصفة؟

العدّ التنازلي… أم مسرحية ما قبل العاصفة؟
كتب/ عدنان باوزير
حين يخرج ساكن البيت الأبيض (دونالد ترمب)، ليمنح دولة بحجم إيران مهلة أسبوعين «للإذعان»، فإن المشهد لا يبدو بيانًا دبلوماسيًا بقدر ما يشبه صافرة إنذار في حلبة مصارعة. أسبوعان فقط، وإلا ضربة قاصمة.
المفارقة الساخرة أن جولة المفاوضات التالية محددة بعد خمسة عشر يومًا؛ وكأن الرسالة المضمَرة تقول: تفاوضوا إن شئتم، فالمدافع ستسبق الطاولات. تذكيرٌ مبطّن بما حدث في حرب الأيام الاثني عشر في يونيو الماضي، حين كانت البيانات تُكتب بالحبر بينما الوقائع تُخطّ بالنار.
لكن السؤال الجوهري: ما هو «الإذعان» المطلوب تحديدًا؟
هل يكفي تصفير البرنامج النووي؟
هل يكفي تحطيم الصواريخ الباليستية؟
هل يكفي قطع الأذرع الإقليمية وتقليم النفوذ حتى العظم؟
المؤشرات تقول إن كل ذلك — على استحالته — لم يعد كافيًا. فالسقف ارتفع، بل كُسر. وبات الحديث صريحًا عن رأس النظام لا عن مخالبه. ترى إسرائيل، بقيادة (بنيامين نتنياهو) أن بقاء نظامٍ معادٍ يحكم دولةً بثقل إيران الديمغرافي والجغرافي والعسكري خطرٌ وجودي، لا يمكن التعايش معه طويلًا.
لم يعد الهدف احتواء طهران أو إنهاكها، ولا حتى إخضاعها؛ بل إعادة تشكيلها. المطلوب — إن صحّ التعبير — نسخة مطواعة، منزوعـة المخالب والروح، على شاكلة ما جرى في سوريا بعد سنوات الاستنزاف. نسخة بلا أنياب، بلا قرار مستقل، بلا طموح يتجاوز حدود المسموح.
في العهد الترامبي — ومع صعود يمينٍ توراتيٍّ صريح في تل أبيب — لم تعد تكفي أنظمة موالية أو حلفاء من الدرجة الثانية. المطلوب أدوات كاملة الانقياد، لا تملك من السيادة إلا الاسم، ومن القرار إلا الصدى.
أما فصول التفاوض الماضية، فقد بدت — في ضوء هذا التصعيد — أقرب إلى استراحة محارب لا إلى سعيٍ جاد للسلام. كانت مهلة لترتيب القطع على رقعة الشطرنج: حشود بحرية تملأ مياه الإقليم، قطع بحرية كل يومٍ لبقائها يكلف ملايين الدولارات. وهذه الفواتير لا تُدفع لأجل الاستعراض المسرحي، بل حين يكون القرار قد اتُّخذ، وينتظر ساعة الصفر.
غير أن إيران — شئنا أم أبينا — ليست لقمة سائغة. هي تدرك أن المعركة، إن اندلعت، لن تكون جولة ضغطٍ عابرة بل صراعًا وجوديًا. وحين تُستشعر المعارك الوجودية، تتسع هوامش الرد وتُكسَر الخطوط الحمراء. أوراق كثيرة ما تزال في اليد، وحلفاء كُثر يعتبرون المعركة معركتهم أيضًا. هكذا تُصوَّر المسألة: «نكون أو لا نكون».
فهل ينجح ترامب في انتزاع الركوع، وربما أبعد من ذلك، في إعادة رسم خرائط الداخل الإيراني؟
وهل يطوي نتنياهو الصفحة الأخيرة من خصومته المزمنة مع طهران، فاتحًا الطريق أمام هيمنةٍ شبه مطلقة في الإقليم؟
أم أن الطاولة ستنقلب، فتتبعثر الحسابات، وتتكشف هشاشة القوة حين تُختبر فعليًا؟
الأيام القليلة القادمة وحدها ستمنح الإجابة.
أما الآن، فالعالم كله يراقب عقارب الساعة… وهي تمشي فوق برميل بارود.
نقلا عن موقع الأحقاف نيوز






