تقارير

بعد تفجير المرتفع الاستراتيجي… العين الإسرائيلية على «خط القمم» من الجنوب إلى تخوم البقاع الغربي

من علي الطاهر إلى البقاع: هل يرسم العدو الإسرائيلي حزامة الأمني بالنار؟

من علي الطاهر إلى البقاع: هل يرسم العدو الإسرائيلي حزامة الأمني بالنار؟

 

بعد تفجير المرتفع الاستراتيجي… العين الإسرائيلية على «خط القمم» من الجنوب إلى تخوم البقاع الغربي

 

 

 

■ بيروت _ أحمد موسى

 

لم يعد تفجير مرتفعات علي الطاهر مجرد حدث ميداني في الجنوب اللبناني. فالموقع الذي صمد أسابيع قبل أن تحوّله آلة التدمير الإسرائيلية إلى كتلة من الصخور المتصدعة، بات عنواناً لمعركة أكبر على الجغرافيا والأمن والتفاوض.

 

فبينما واصل العدو الإسرائيلي تثبيت مواقعة وضرباتة في الجنوب، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستبقى ضمن حدود الضغط العسكري والناري، أم ستشهد انتقالاً إلى محاولة توسيع نطاق السيطرة نحو سلسلة من المرتفعات التي تشكل، في الحسابات العسكرية، مفاتيح الجنوب وممراته باتجاه الداخل.

وفي الخلفية، لا يتحرك لبنان وحده.

فالجولان السوري، والعراق، وباب المندب، والبحر الأحمر، وصولاً إلى طهران وواشنطن، تشكل حلقات متصلة في مشهد إقليمي واحد تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع ملفات الطاقة والممرات التجارية والمفاوضات السياسية.

وهنا يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: هل كانت علي الطاهر هدفاً بحد ذاته، أم حلقة أولى في محاولة إسرائيلية لإعادة رسم الحزام الأمني شمال حدودها؟.

 

علي الطاهر… عندما تتحول التلة إلى ورقة تفاوض

 

أعطت إسرائيل لتفجير علي الطاهر حجماً سياسياً وعسكرياً كبيراً، في محاولة لإظهار أن العملية ليست مجرد ضربة موضعية، بل جزء من استراتيجية تستهدف البنية العسكرية لحزب الله ومنع إعادة ترميم قدراته في الجنوب.

 

وتقول إسرائيل إنها دمّرت منشأة تحت الأرض في المنطقة، فيما ترافق ذلك مع عمليات قصف وهدم وتدمير واسعة في عدد من البلدات والقرى الجنوبية.

لكن القيمة الحقيقية لعلي الطاهر لا تختصر في ما كان موجوداً تحت الأرض.

القيمة في ما يوجد فوقها.

 

فالمرتفعات تمنح من يسيطر عليها قدرة أكبر على المراقبة والتحكم بالنيران، وتفتح مجالاً لإعادة تشكيل الانتشار العسكري على الأرض.

 

ولهذا فإن تثبيت الوجود في مثل هذه النقاط يمكن أن يتحول، إذا طال أمده، من إجراء عسكري مؤقت إلى ورقة تفاوضية دائمة.

 

من «التلة» إلى «خط القمم»

 

هنا تبرز واحدة من أكثر الفرضيات حساسية في المشهد الجنوبي.

تقديرات عسكرية تتحدث عن احتمال اتجاه إسرائيل إلى تعزيز سيطرتها على عدد من المرتفعات الممتدة في اتجاه الريحان وسجد وإقليم التفاح وتومات نيحا، في ما يمكن تسميته عملياً «خط القمم».

 

لكن هذه القراءة تبقى في إطار التقدير العسكري، ولا تعني وجود قرار إسرائيلي معلن باحتلال هذه المناطق.

أهمية السيناريو تكمن في موقع هذه المرتفعات ضمن شبكة التحكم الجغرافي بين الجنوب والبقاع الغربي.

 

فإذا تمكنت إسرائيل من فرض وجود متصل على عدد من القمم، فإنها لا تكون قد وسعت منطقة انتشارها فحسب، بل تكون قد حصلت على:

– عمق مراقبة ونيران إضافي.

– قدرة أكبر على التحكم بالممرات.

– ضغط عسكري إضافي على حزب الله.

– ورقة أقوى على طاولة التفاوض.

– وإمكان فصل أو تهديد خطوط الحركة بين الجنوب والبقاع الغربي.

 

ومن هنا تبدأ أهمية الحديث عن جزين وكفرحونة وتومات نيحا.

ليس لأنها أهداف إسرائيلية معلنة، بل لأن أي توسع باتجاه سلسلة المرتفعات يضعها، جغرافياً، داخل دائرة الاحتمالات.

 

جزين والبقاع الغربي… الخط الأحمر التالي؟

 

إذا تحولت المعركة من السيطرة على نقاط حدودية إلى التحكم بسلسلة المرتفعات، فإن طبيعة المخاطر تتغير.

جزين ليست الجنوب.

والبقاع الغربي ليس منطقة تماس تقليدية.

وأي عملية عسكرية تصل إلى هذه الجغرافيا ستكون، في حال حدوثها، انتقالاً نوعياً في مستوى المواجهة.

 

لذلك لا يمكن التعامل مع الحديث عن التوغل نحو هذه المناطق باعتباره خبراً مؤكداً، بل باعتباره سيناريو شديد الخطورة يستحق المتابعة والرقابة الميدانية والسياسية.

فالقاعدة العسكرية تقول إن السيطرة على المرتفعات تمنح صاحبها أفضلية في المراقبة والنيران.

والقاعدة السياسية تقول إن السيطرة الميدانية قد تتحول إلى مطلب تفاوضي.

وهنا تحديداً تكمن المخاوف اللبنانية.

 

بري: «الوضع خطير»… ماذا يعني سقوط «اتفاق الإطار»؟

 

في لحظة تتصاعد فيها العمليات العسكرية، جاءت مواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري لتكشف حجم القلق السياسي اللبناني.

بري وصف الوضع بأنه «خطير»، وقال إن الحلول بعيدة، وإن «اتفاق الإطار طار»، مضيفاً أن إسرائيل، إذا أرادت الاحتلال، تستطيع ذلك. كلام بري لا يمكن فصله عن الميدان.

 

فالخلاف لم يعد محصوراً في وقف إطلاق النار أو آليات التحقق، بل بات يدور حول سؤال أكثر تعقيداً: من يرسم الوقائع على الأرض قبل الوصول إلى طاولة التفاوض؟.

وفي هذا السياق، تكتسب المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية أهمية استثنائية.

فكل متر إضافي على الأرض يمكن أن يتحول إلى ورقة سياسية، وكل موقع عسكري جديد يمكن أن يصبح جزءاً من معادلة التفاوض.

 

روما بين الدبلوماسية والميدان

 

المفارقة أن الحديث عن جولة جديدة من المفاوضات يأتي فيما يستمر التصعيد الميداني.

وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، يجري التحضير لجولة تفاوضية جديدة في روما، مع بحث ترتيبات أمنية وآليات للتحقق من خلو مناطق محددة من وجود حزب الله.

 

وهنا يظهر التناقض الأساسي: المفاوضات تبحث في ترتيبات الانسحاب، بينما الميدان قد ينتج ترتيبات جديدة قبل الانسحاب.

وهذا ما يجعل أي تقدم دبلوماسي مرتبطاً بصورة مباشرة بما يجري على الأرض.

فإذا وصلت إسرائيل إلى المفاوضات وهي تحتفظ بمواقع جديدة، فإن شروط النقاش لن تكون كما كانت قبل تثبيت تلك المواقع.

 

لماذا لا يمكن فصل لبنان عن الجولان؟

 

المشهد لا يتوقف عند الحدود اللبنانية. فالجنوب السوري والجولان يشكلان جزءاً أساسياً من الحسابات الأمنية الإسرائيلية في الشمال.

إسرائيل تنظر إلى الجبهة الشمالية باعتبارها مسرحاً واحداً متصلاً: لبنان، سوريا، الجولان، والطرق التي يمكن أن تستخدمها القوى المسلحة لنقل الأفراد والأسلحة.

 

ومن هنا فإن أي إعادة انتشار إسرائيلي في جنوب لبنان لا يمكن قراءتها منفصلة عن طبيعة الانتشار الإسرائيلي في الجولان ومحيطه.

المعادلة الإسرائيلية تقوم على منع تشكل جبهة شمالية متعددة الاتجاهات.

لكن تنفيذ هذه المعادلة بالقوة يهدد، في المقابل، بتحويل الحدود الشمالية إلى مساحة صراع مفتوحة.

 

العراق… السلاح الآخر على طاولة الحرب

 

في العراق، يبرز ملف مختلف لكنه مرتبط بالمعادلة نفسها: من يملك قرار الحرب والسلم؟.

الحكومة العراقية تواجه ضغوطاً متزايدة لحصر السلاح بيد الدولة، فيما ترفض فصائل مسلحة مدعومة من إيران التخلي بسهولة عن ترسانتها.

 

وهنا يتكرر السؤال اللبناني بصيغة عراقية: هل تستطيع الدولة أن تكون صاحبة القرار الأمني الوحيد في ظل وجود قوى مسلحة خارج المؤسسة الرسمية؟.

 

لكن الفارق أن العراق، بحكم موقعه وثقله، بات أيضاً جزءاً من الحسابات الأميركية والإسرائيلية والإيرانية الأوسع.

أي ضربة في العراق لا تبقى عراقية بالضرورة.

وأي رد أميركي أو إسرائيلي قد يتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة التصعيد الإقليمي.

 

باب المندب… الحرب تصل إلى الاقتصاد العالمي

 

ومن العراق إلى اليمن، تتسع الخريطة.

باب المندب لم يعد مجرد ممر بحري.

إنه ورقة استراتيجية في الصراع الإقليمي.

 

وأي تهديد لحركة السفن عبر البحر الأحمر ينعكس على التجارة والطاقة والتأمين والنقل، وبالتالي على الاقتصادات العالمية.

 

وهنا تظهر واحدة من أهم خصائص الحرب الحالية:

لم تعد الجبهات تُقاس بالحدود السياسية فقط، بل بالممرات التي تتحكم بحركة الطاقة والتجارة والجيوش.

لبنان يملك الجغرافيا الحساسة للمتوسط والشرق.

سوريا تملك موقع الجسر بين المشرق والبحر المتوسط.

العراق يقع في قلب الممرات البرية والطاقة.

اليمن يتحكم بمدخل البحر الأحمر.

وإيران تقف خلف مضائق وممرات بحرية ذات أهمية عالمية.

 

طهران ـ واشنطن: مركز القرار غير المباشر

 

وفي قلب كل ذلك، تقف المواجهة بين طهران وواشنطن. فكلما ارتفع مستوى الضغط الأميركي على إيران، ارتفعت أهمية شبكة الحلفاء والقوى المرتبطة بها في المنطقة.

وكلما اتسعت رقعة العمليات الإسرائيلية، أصبحت الجبهات المحيطة بإسرائيل أكثر قابلية للاشتعال.

لهذا فإن ما يجري في لبنان قد يتأثر بقرار يُتخذ في واشنطن أو طهران، حتى لو لم يكن لبنان طرفاً مباشراً في القرار.

وهنا تكمن المشكلة اللبنانية الكبرى: القرار العسكري قد يكون محلياً في الشكل، لكنه إقليمي في النتائج.

 

ثلاثة مسارات… وثلاثة مستويات من الخطر

 

1 ـ احتواء التصعيد

 

تتوقف إسرائيل عند حدود العمليات الحالية، وتستخدم وجودها العسكري كورقة ضغط في المفاوضات.

وهذا السيناريو يبقي المعركة تحت سقف يمكن احتواؤه سياسياً.

 

2 ـ توسيع السيطرة على المرتفعات

 

تنتقل إسرائيل إلى تثبيت مواقع إضافية على سلسلة القمم الاستراتيجية.

وهذا السيناريو يغيّر الجغرافيا العسكرية ويجعل المفاوضات أكثر تعقيداً.

 

3 ـ الانزلاق نحو العمق

 

في حال انهيار المسار السياسي واتساع الحرب الإقليمية، قد يصبح احتمال التوغل الأعمق أكثر حضوراً.

 

وهنا تدخل مناطق مثل جزين والبقاع الغربي في دائرة القلق، لا باعتبارها أهدافاً مؤكدة، بل باعتبار أن توسع رقعة العمليات يمكن أن يفتح مسارات جديدة لم تكن مطروحة سابقاً.

 

الدولة اللبنانية أمام امتحان مزدوج

 

في الداخل، لا تواجه الدولة اللبنانية تحدياً عسكرياً فقط.

هناك أزمة اقتصادية، وضغط اجتماعي، وملفات مالية، وموازنة، وضرائب ورسوم، ومؤسسات رسمية تحاول العمل وسط بيئة سياسية شديدة التعقيد.

 

لكن الملف الأخطر يبقى أمنياً: كيف تحمي الدولة سيادتها من الاحتلال الإسرائيلي، وتثبت في الوقت نفسه قرارها الأمني والعسكري، من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية حول السلاح؟.

 

وهنا تبرز أهمية الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة التي يفترض أن تشكل العمود الفقري للدولة في أي تسوية مستقبلية.

لكن الجيش وحده لا يستطيع معالجة أزمة تتجاوز قدراته العسكرية إلى صراع إقليمي واسع.

المطلوب إذاً ليس فقط خطة عسكرية. المطلوب قرار سياسي ودبلوماسي لبناني موحد.

 

هل بدأت معركة «الخريطة»؟

 

تفجير علي الطاهر قد ينتهي كعملية عسكرية محدودة. وقد يتحول إلى بداية لمرحلة جديدة.

والفارق بين الاحتمالين لن تحدده التصريحات وحدها، بل ما سيحدث على الأرض خلال الأسابيع المقبلة:

هل تتوقف إسرائيل عند المواقع التي سيطرت عليها؟.

هل توسع انتشارها على خط المرتفعات؟.

هل تبقى المفاوضات في روما قادرة على إنتاج انسحاب؟.

أم أن كل جولة تفاوضية ستبدأ من خريطة ميدانية جديدة؟.

في هذه اللحظة، لا توجد إجابة قاطعة.

 

لكن المؤكد أن لبنان يقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، لأن المعركة لم تعد تدور فقط حول السلاح أو الحدود، بل حول من يملك حق رسم الخريطة الأمنية للمنطقة.

 

من علي الطاهر إلى الجولان، ومن العراق إلى باب المندب، ومن طهران إلى واشنطن، تبدو المنطقة وكأنها تتحرك فوق خطوط تماس متداخلة.

 

والسؤال اللبناني الذي يختصر كل هذه المشهدية يبقى: إذا كانت إسرائيل قد بدأت بتغيير معالم التلة… فهل تكون الخطوة التالية محاولة تغيير معالم الحدود؟.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى