تقارير

عيسى يفتح النار على «حزب الله» وجنبلاط يردّ: هل سقط «الإطار الثلاثي» قبل أن يولد؟

عيسى يفتح النار على «حزب الله» وجنبلاط يردّ: هل سقط «الإطار الثلاثي» قبل أن يولد؟

 

■ بيروت _ أحمد موسى

 

دخل ملف سلاح «حزب الله» و«الإطار الثلاثي» مرحلة أكثر حساسية، بعدما انتقل السجال من الغرف السياسية إلى العلن، وباتت مواقف واشنطن وحلفائها اللبنانيين تتقاطع مع ردود مباشرة من القوى المعنية. وفي أحدث فصول هذا الاشتباك السياسي، وجّه السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى رسائل واضحة في أكثر من اتجاه، منتقداً أداء «حزب الله» وموقف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط من الإطار المطروح، قبل أن يأتي ردّ جنبلاط ليعيد طرح اتفاق الطائف واتفاقية الهدنة كبديل لما وصفه بـ«الإطار الثلاثي».

 

عيسى: البعض متفقون على تسليم السلاح

 

عقب لقائه شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى، تناول السفير الأميركي التطورات السياسية والأمنية في لبنان، مركزاً على ملف سلاح «حزب الله»، الذي يبدو أنه يحتل موقعاً متقدماً في جدول امريكا

 

وقال عيسى إن بعض اللبنانيين متفقون على ضرورة تسليم «حزب الله» سلاحه، مشيراً في الوقت نفسه إلى وجود تواصل بين رئيس الجمهورية جوزاف عون والحزب، سواء بصورة مباشرة أو عبر قنوات غير مباشرة.

 

هذه الإشارة تحمل في طياتها دلالة سياسية لافتة، إذ توحي بأن قنوات التواصل لم تُغلق، رغم ارتفاع سقف الضغوط السياسية والأمنية المرتبطة بملف السلاح، وأن الرئاسة اللبنانية لا تزال تتحرك ضمن مساحة تفاوضية تهدف إلى إدارة الملف بدلاً من تحويله إلى مواجهة داخلية مفتوحة.

 

«إسرائيل تضرب»… وواشنطن تقول إنها تطلب التخفيف

 

وفي الملف الأمني، قال عيسى إن الولايات المتحدة تطلب باستمرار من إسرائيل وقف ضرباتها أو تخفيفها، لكنه وضع في المقابل مسؤولية الخطوة المضادة على «حزب الله»، معتبراً أن الحزب «لا يقدم أي خطوة».

 

وهنا تبرز إحدى أكثر النقاط حساسية في الموقف الأميركي: الربط بين استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وبين مسار ملف السلاح، بما يجعل لبنان أمام معادلة سياسية وأمنية شديدة التعقيد؛ فمن جهة، تطالب واشنطن إسرائيل بخفض التصعيد، ومن جهة أخرى ترفع مستوى الضغط على «حزب الله» لتقديم تنازلات في ملف السلاح.

 

وتطرح هذه المقاربة سؤالاً مركزياً: هل المطلوب الوصول إلى تسوية متوازنة بين وقف الاعتداءات الإسرائيلية وترتيبات السلاح، أم أن ملف السلاح أصبح شرطاً مسبقاً لأي مسار أمني وسياسي جديد؟.

 

جنبلاط يدخل على خط المواجهة

 

لكن المفاجأة السياسية جاءت من بوابة وليد جنبلاط.

 

فعندما سُئل السفير الأميركي عن موقف جنبلاط من «اتفاق الإطار»، اختصر موقفه بعبارة أثارت جدلاً واسعاً: «جنبلاط يوم بدو ويوم ما بدو»، مضيفاً أن هناك تواصلاً مرتقباً معه في وقت قريب.

 

العبارة الأميركية لم تمر مرور الكرام، إذ ردّ جنبلاط سريعاً، واضعاً السجال في إطار مختلف تماماً.

 

وكتب عبر منصة «إكس»: «يبدو أن السفير عيسى، وسط انشغالاته الثقافية والسياسية المتعددة، لم يتمكن من قراءة تعليقاتي على الوثيقة المسماة “الإطار الثلاثي” التي أرفضها».

 

لكن الأهم في رد جنبلاط لم يكن اللهجة الساخرة، بل البديل الذي طرحه: استبدال الإطار الثلاثي باتفاقية الهدنة، مستنداً إلى اتفاق الطائف واتفاقية عام 1701.

 

من «الإطار الثلاثي» إلى الطائف والهدنة… ماذا يريد جنبلاط؟

 

رد جنبلاط يكشف أن الخلاف ليس على التفاصيل التقنية للوثيقة فحسب، بل على المرجعية السياسية التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة.

 

فجنبلاط لا يكتفي برفض «الإطار الثلاثي»، بل يعيد توجيه النقاش نحو اتفاق الطائف واتفاقية الهدنة، بما يعني عملياً الدفع باتجاه إطار قانوني وسياسي أكثر رسوخاً في البنية اللبنانية، بدلاً من صيغة جديدة يرى أنها قد تعيد رسم قواعد اللعبة من خارج الأطر التي يعتبرها مرجعية وطنية.

 

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً: هل الخلاف بين واشنطن وجنبلاط هو خلاف على مضمون الاتفاق، أم على الجهة التي تملك حق صياغة المرحلة السياسية المقبلة في لبنان؟.

 

السلاح بين الضغط الأميركي والحسابات اللبنانية

 

ملف سلاح «حزب الله» لم يعد ملفاً داخلياً لبنانياً صرفاً، بل تحول إلى نقطة تقاطع بين الضغوط الأميركية، والاعتداءات الإسرائيلية، وموقف الدولة اللبنانية، والحسابات الداخلية للقوى السياسية.

 

واللافت أن الخطاب الأميركي يبدو أكثر مباشرة في مطالبة الحزب بخطوات ملموسة، فيما تحاول الرئاسة اللبنانية إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، بينما تتجه قوى سياسية أخرى إلى إعادة تعريف الإطار الذي يجب أن تُبحث ضمنه مسألة السلاح والعلاقة مع إسرائيل.

 

في المقابل، فإن استمرار الضربات الإسرائيلية يجعل أي تسوية داخلية أكثر صعوبة، لأن القوى الرافضة لتسليم السلاح تستطيع الاستناد إلى استمرار الاعتداءات للقول إن البحث في السلاح لا يمكن فصله عن ضمانات أمنية وسياسية واضحة.

 

هل نحن أمام معركة على «شكل التسوية»؟

 

المشهد الحالي يوحي بأن الصراع لم يعد محصوراً في سؤال: هل يُسلَّم السلاح أم لا؟.

 

بل بات يمتد إلى سؤال أكبر: بأي شروط، وتحت أي ضمانات، وضمن أي اتفاق، ومن يملك حق تحديد قواعد المرحلة المقبلة؟.

 

فواشنطن تضغط باتجاه خطوات من «حزب الله»، وإسرائيل تواصل عملياتها، والرئاسة اللبنانية تتحرك عبر قنوات التواصل، بينما يرفض جنبلاط الإطار المطروح ويتمسك بمرجعيات يعتبرها أكثر ثباتاً.

 

وبذلك، قد يكون الخلاف حول «الإطار الثلاثي» مجرد عنوان لمعركة سياسية أوسع حول مستقبل التوازنات اللبنانية، وشكل العلاقة بين الدولة والسلاح، وطبيعة الترتيبات الأمنية على الحدود، ودور الأطراف الدولية في صياغة المرحلة المقبلة.

 

لبنان في عمق المرحلة الدقيقة

 

ما قاله السفير الأميركي ميشال عيسى، وما أعقبه من رد وليد جنبلاط، يكشفان أن لبنان دخل مرحلة دقيقة تتداخل فيها الملفات الأمنية بالسياسية، والداخلية بالخارجية. وبين ضغط واشنطن، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وموقف «حزب الله»، ومحاولة الرئاسة إدارة الاتصالات، ورفض جنبلاط للإطار المطروح، تبدو التسوية المنتظرة أبعد من مجرد اتفاق على السلاح.

 

فالمعركة الحقيقية قد تكون على الوثيقة التي ستحدد قواعد اللعبة المقبلة في لبنان: هل تكون «إطاراً ثلاثياً» جديداً، أم عودة إلى الطائف والهدنة، أم صيغة أخرى لم تظهر تفاصيلها بعد؟.

 

وفي انتظار اتضاح المسار، يبقى الثابت أن السجال العلني بين عيسى وجنبلاط ليس تفصيلاً عابراً، بل مؤشر إلى اتساع دائرة الخلاف حول شكل التسوية اللبنانية المقبلة، ومن سيكتب بنودها النهائية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى