دولي

30 مليون دولار لإغلاق «الثغرة»… فماذا تخسر الخزينة في الـ12 كيلومتراً؟

30 مليون دولار لإغلاق «الثغرة»… فماذا تخسر الخزينة في الـ12 كيلومتراً؟

 

■ بيروت _ أحمد موسى

 

ثلاثون مليون دولار تدخل إلى معادلة المصنع، لكن القضية أكبر من مركز حدودي جديد. فبين نقطتي الجمارك اللبنانية والسورية تمتد نحو 12 كيلومتراً طالما شكّلت تحدياً أمام إحكام الرقابة على حركة الأشخاص والبضائع، فيما بقي الاقتصاد غير الشرعي أحد أبرز المستفيدين من أي فجوة على الحدود. اليوم، ومع التفاهم على نقل المركز وإنشاء منشأة حدودية نموذجية مجهّزة بأحدث تقنيات التفتيش والتتبع، تنتقل القضية من سؤال أمني إلى اختبار مالي للدولة: كم تستطيع الخزينة أن تستعيد من إيرادات ضائعة إذا أُغلقت منافذ التهريب؟ وهل تتحول الـ30 مليون دولار من هبة لإنشاء مبنى جديد إلى استثمار يسترد كلفته من خلال حماية الجمارك والضرائب والاقتصاد الشرعي؟.

 

30 مليون دولار أمام اختبار الحسابات: متى تسترد الدولة كلفة المشروع؟.

هنا تبدأ القصة المالية للمشروع.

 

فالـ30 مليون دولار التي يُفترض أن تُضخ في إنشاء وتجهيز المركز الحدودي الجديد لا ينبغي النظر إليها فقط كتمويل لبنية تحتية أمنية، بل كاستثمار يُفترض أن تكون له عوائد غير مباشرة على الخزينة والاقتصاد النظامي.

 

وبحسب بيانات الجمارك اللبنانية، بلغت قيمة الاستيراد الخاص في عام 2025 نحو 21.08 مليار دولار. لكن لا توجد، في المقابل، بيانات رسمية منشورة تسمح بتحديد نسبة التهريب المنسوبة تحديداً إلى معبر المصنع أو إلى الشريط الحدودي البالغ نحو 12 كيلومتراً. لذلك، فإن أي رقم للخسائر يجب أن يبقى في إطار السيناريو التقديري لا الإحصاء الفعلي.

 

ولفهم حجم المسألة، يمكن بناء نموذج حسابي محافظ: إذا افترضنا، لأغراض القياس فقط، أن بضائع بقيمة 1% من إجمالي الاستيراد السنوي تمر خارج القنوات الرسمية، فنحن نتحدث عن نحو 211 مليون دولار من النشاط التجاري غير المصرّح عنه.

 

وإذا افترضنا أن متوسط ما يمكن أن تستوفيه الدولة من رسوم وضرائب مباشرة وغير مباشرة على هذه البضائع يعادل 10% فقط، فإن الإيرادات المحتملة المهدورة تصل إلى نحو 21 مليون دولار سنوياً.

 

أما إذا ارتفعت نسبة البضائع غير النظامية إلى 2%، فإن القيمة غير المصرّح عنها تصبح نحو 422 مليون دولار، والخسارة المالية الافتراضية عند معدل 10% تقارب 42 مليون دولار سنوياً.

 

وفي سيناريو أعلى يبلغ 3%، يرتفع حجم النشاط غير المصرّح عنه إلى نحو 632 مليون دولار، وتصل الإيرادات المحتملة المهدورة إلى نحو 63 مليون دولار سنوياً.

 

بمعنى آخر، ووفق هذه الفرضيات الافتراضية، يمكن أن تتراوح الكلفة المالية المحتملة للتهريب على الخزينة بين 21 و63 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم التجارة التي تفلت من الرقابة ونسبة الرسوم والضرائب التي كان يمكن تحصيلها.

ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى هبة الـ30 مليون دولار؟.

الحساب الأكثر دلالة هو فترة استرداد الاستثمار.

 

فإذا نجح المركز الجديد، بالتوازي مع تشديد الرقابة على كامل المنطقة الحدودية، في استعادة إيرادات إضافية قدرها:

 

– 10 ملايين دولار سنوياً → تحتاج الدولة نظرياً إلى نحو 3 سنوات لمعادلة قيمة المشروع.

– 21 مليون دولار سنوياً → نحو 17 شهراً.

– 30 مليون دولار سنوياً → نحو سنة واحدة.

– 42 مليون دولار سنوياً → أقل من 9 أشهر.

– 63 مليون دولار سنوياً → نحو 6 أشهر.

 

لكن هذه ليست أرباحاً محققة ولا توقعات مالية رسمية؛ إنها حسابات حساسية توضح فقط كيف يمكن أن تتغير جدوى الاستثمار إذا نجحت الدولة في استعادة جزء من الإيرادات التي تضيع بسبب الاقتصاد غير الشرعي.

 

والأهم أن العائد المحتمل لا يقتصر على الرسوم الجمركية. فإدخال البضائع إلى الدورة الاقتصادية الرسمية يعني أيضاً تحصيل ضرائب مرتبطة بالاستيراد والبيع والاستهلاك، فضلاً عن حماية المؤسسات التجارية والصناعية والزراعية التي تعمل بصورة قانونية من منافسة بضائع تدخل السوق بكلفة أقل لأنها لا تتحمل الأعباء نفسها.

 

وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية في ظل كون الرسوم الجمركية والضرائب على التجارة الدولية مورداً أساسياً للخزينة؛ فقد بلغت إيرادات الضرائب على التجارة الدولية في 2025 نحو 66.6 تريليون ليرة، منها نحو 33 تريليون ليرة من الجمارك، وفق بيانات المالية العامة المنشورة.

المعادلة الحقيقية: ليس كم كلف المركز… بل كم سيستعيد؟.

من هنا، فإن السؤال المالي الأكثر دقة لا ينبغي أن يكون: كم تبلغ كلفة بناء مركز المصنع الجديد؟.

 

بل: كم مليون دولار تستطيع الدولة استعادتها سنوياً بعد إغلاق الثغرات الحدودية؟

 

فإذا بقيت الرقابة محصورة داخل مبنى حديث، من دون مراقبة فعالة للمساحات المحيطة به، فقد لا تتحقق الفائدة الاقتصادية المتوقعة.

 

أما إذا اقترن المركز الجديد بأنظمة تتبع إلكترونية، وتدقيق قائم على المخاطر، وربط معلوماتي بين الجمارك والأمن العام والجيش، ومراقبة فعلية للشريط الحدودي، فإن الـ30 مليون دولار قد تتحول من مجرد هبة لإنشاء منشأة إلى استثمار في تقليص الاقتصاد الموازي واستعادة جزء من الإيرادات العامة.

 

وهنا تحديداً يصبح مشروع المصنع اختباراً مالياً للدولة، لا اختباراً أمنياً فقط.

 

فكل دولار يُستعاد من تجارة كانت تمر خارج النظام الرسمي، وكل شحنة تدخل عبر القنوات القانونية، وكل رسم جمركي وضريبة يتم تحصيلهما، يعنيان عملياً تضييق مساحة الاقتصاد غير الشرعي وزيادة قدرة الخزينة على تمويل خدماتها.

 

وفي نهاية المطاف، قد لا تكون قيمة المشروع الحقيقية في الـ30 مليون دولار التي ستُصرف عليه، بل في عشرات الملايين التي يمكن أن يمنع ضياعها سنوياً إذا أُحكمت السيطرة على الحدود.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى