تصريح لافت منسوب لوزير الخارجية السعودي

تصريح لافت منسوب لوزير الخارجية السعودي
بقلم عدنان باوزير
صرّح وزير خارجية وزارة الخارجية السعودية لقناة فرانس 24 بأن «كل الخيارات مفتوحة» في اليمن، وأن من بينها خيار الانسحاب وترك اليمنيين «يحلّون مشاكلهم بأنفسهم»؛ بل إنه – ويا للمفارقة – «الأفضل لنا ولهم»!
يا لها من حكمة متأخرة عشر سنوات.
فهذا السيناريو لم يهبط من السماء فجأة، بل كان يُرى بالعين المجردة منذ زمن. فبعد أن اكتمل تلغيم المشهد السياسي، وزُرعت في تربته بؤر صراع لا تُحصى، وأُشبعت أرضه قنابل موقوتة ومليشيات وتشكيلات، ورُتّبت خرائط الولاء كما تُرتّب قطع الشطرنج على رقعة مثقلة بالدم—لم يعد الوجود المباشر ضرورة ملحّة.
الانسحاب، في هذه اللحظة، يشبه مغادرة مهندسٍ لمبنى بعد أن أتمّ تمديد الأسلاك… وترك الشرارة الصغيرة تتكفّل بالباقي.
لا ضير – من حيث المبدأ – في الانسحاب. بل كان ينبغي أن يحدث قبل أعوام، حين كان في الإمكان إنقاذ ما يمكن إنقاذه. أما اليوم، فيأتي بعد أن تمزّق النسيج الاجتماعي، وتكسّرت مؤسسات الدولة، وتحوّل البلد إلى أرخبيل من الولاءات المتناحرة.
يبدو المشهد وكأن المهمة قد أُنجزت: هناك وكلاء محليون يتكفّلون بتنفيذ الأجندات، وهناك ما يكفي من الألغام السياسية لإشغال اليمنيين بعقودٍ من الخصام.
فما الحاجة إلى حضور مباشر، ما دام الصراع يعمل تلقائياً؟
الأمر – كما يُراد له أن يبدو – في غاية البساطة:
ننسحب، نجلس بعيداً، نراقب من الشرفة، ونترك اليمنيين يتقاتلون… ثم نقول: لقد حاولنا، وها هم لم يفلحوا في إدارة شؤونهم!
لا يا صاحب السمو… لم تُصب.
إن كان الانسحاب صادقاً، فهو خطوة مرحّب بها، بل مطلوبة. لكن صدقه لا يُقاس ببيانٍ دبلوماسي، بل بقطع كل خيط تدخل، ووقف كل تمويل، ورفع كل وصاية، والكفّ عن إدارة المشهد من وراء ستار.
وقبل ذلك كلّه، هناك استحقاقٌ أخلاقي وسياسي لا يسقط بالتقادم:
تحمّل تبعات حربٍ طويلة، ودفع أثمان سياساتٍ مرتجلة، وجبر أضرارٍ لحقت بالبشر والحجر، وتعويضٌ عادلٌ لا يُرمّم الجدران فقط، بل يُداوي ما تصدّع في النفوس.
عندئذٍ فقط، يمكن للانسحاب أن يُسمّى انسحاباً…
لا إعادة تموضع.
وعندئذٍ لكلّ حادثٍ حديث.
نقلا عن موقع الاحقاف نيوز






