كاريزما حيدر

كاريزما حيدر
كتب / عدنان باوزير
ثمة رجالٌ يمرّون في التاريخ كما تمرّ الغيوم: تُظلّل لحظةً ثم تمضي. وثمة رجالٌ يشبهون الجبال: يغيّرون شكل الأفق نفسه.
وفي الطليعة من هؤلاء يقف الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام — الرجل الذي لم يكن مجرد شخصية تاريخية، بل ظاهرة إنسانية كاملة؛ كأن التاريخ حين أراد أن يجمع الشجاعة والرحمة والزهد والعلم والبلاغة في إنسان واحد، قال: ليكن هذا هو علي.
كانوا يقولون إن للرجال حضوراً، أما هو فكان له كاريزما الروح قبل كاريزما الجسد.
إذا وقف في ساحة القتال بدا كأن الريح تتعلّم منه الاندفاع، وإذا جلس بين الفقراء بدا كأن الرحمة نفسها استراحت في قلبه.
ولد الإمام علي في رحاب الكعبة المشرفة، وكأن القدر أراد أن يعلن منذ البداية أن هذا الطفل لن يكون عابراً في قصة البشر. تربّى في بيت النبوءة، بيت ابن عمّه وصهره خاتم الأنبياء والمرسلين رسول الله ومبلغ رسالاته وصفوة خلقه سيدنا محمد عليه وعلى آله أفضل الصلوات وأزكى التسليم، فكان أول من آمن به من البشر ، وأقرب الناس إلى روحه، ويعد بحق المؤسس الثاني للدعوة الإسلامية بعد النبي وقبل المؤسسة الثالثة سيدتنا ومولاتنا خديجة عليها السلام.
وكان النبي يراه بعينٍ لا ترى غيره، حتى قال فيه كلمات خالدة وأوصاف حميدة كبرى لم يحظ بها غيره من المسلمين، أحاديث لكثيرة لا يمكن حصرها في فضائل ومناقب هذا الرجل الرباني: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»، وقال أيضاً: «علي مع الحق والحق مع علي» وقال فيه أيضا : لا يحبك الا مؤمن ولا يبغضك الا منافق.
ومنذ تلك اللحظة بدأ التاريخ يكتب فصول رجلٍ يشبه الأساطير، لكنه أكثر واقعية من الحياة نفسها.
وفي ميادين القتال، كان عليٌّ مدرسةً في الشجاعة، ففي غزوة بدر وغزوة أحد وغزوة الخندق، لم يكن مجرد مقاتل؛ كان ظاهرةً تُعيد تعريف الشجاعة.
ولذلك قال النبي فيه يوم الخندق: «برز الإيمان كله إلى الشرك كله».
لكن عظمة علي لم تكن في السيف وحده، فكم من شجاعٍ في التاريخ كان قلبه قاسياً كحدّ سيفه، أما علي فكان سيفه في النهار، وقلبه في الليل نافذة رحمة.
كان إذا أقبل الليل خرج متخفياً يحمل الطعام للفقراء، حتى إن كثيراً منهم لم يعرفوا من صاحب تلك الصدقات إلا بعد استشهاده.
وكان يقول كلمته التي تختصر فلسفته في الحياة: «الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق».
كان زاهداً كأنه ضيف في الدنيا، لا مالٌ يأسره ولا سلطانٌ يفتنه، و حين تولّى أمر المسلمين متأخرا جدا عن موعده المستحق سنوات طويلة، عاش كما يعيش أفقر رعيته، وكان يقول: «أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر؟». أما في العلم والبلاغة، فكان بحراً لا ساحل له، حتى قيل: لو ضاعت العربية لوجدت في كلام علي طريقها.
وفي تراثه الذي جُمع لاحقاً في نهج البلاغة تتجلى حكمة رجلٍ يرى الدنيا بعين العارف، ومن كلماته التي ما زالت تهزّ القلوب: «قيمة كل امرئ ما يحسنه»، و«لو كان الفقر رجلاً لقتلته»، و «الزهد كله بين كلمتين من القرآن: لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم».
كان علي إذا تكلم أدهش البلغاء، وإذا حكم أحرج الفقهاء، وإذا قاتل أذهل الشجعان، وإذا بكى في محرابه أذاب قلوب العارفين.
حتى قال فيه بعض الحكماء:
“اجتمع في علي ما تفرّق في الناس”.
غير أن عظمة الرجال كثيراً ما تدفع ثمنها من الألم، فقد عاش علي سنوات خلافته في دوّامة الفتن والحروب، من معركة الجمل إلى معركة صفين ثم الى النهروان، محاولاً أن يمسك بزمام أمةٍ كانت تتشقق تحت وطأة السياسة والطموح والدم.
ومع ذلك ظل قلبه أكبر من الصراع، كان يقول بحزن الحكيم: «لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه».
ثم جاءت الليلة التي انطفأ فيها قمرٌ من سماء العدالة.
في فجرٍ حزين من رمضان، وبينما كان علي قائماً في محرابه في مسجد الكوفة، هبط السيف المسموم على رأسه بضربة من أشقى الأولين والآخرين عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله، وسقط الرجل الذي كانت الأرض تضيق بظله، وقال كلمته التي تجسد انتصار الروح على الموت: «فزت ورب الكعبة».
هكذا انتهت حياة علي ..لكن الكاريزما التي اسمها حيدر لم تنتهِ، فبعض الرجال يموتون حين تُغلق أعينهم، أما علي فواحدٌ من أولئك الذين كلما ابتعدوا في الزمن… اقتربوا أكثر من قلوب البشر. ويأبى علي ويتمنع الختام، فلا يستطيع أحد مهما بلغت بلاغته انهاء كلام كان قد بدأه عن علي.
دمعة في محراب الكوفة:
في ذلك الركن الهادئ من مسجد الكوفة، حيث تختلط أنفاس الساجدين بصمت الليل، كان يقف رجلٌ لا يشبه سائر الرجال. يقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، كما يقف عاشقٌ على باب محبوبه، خاشعاً، منكسراً، كأن الدنيا كلها قد انكمشت خلف ظهره، ولم يبق في قلبه إلا الله.
كان النهار يعرفه سيفاً لا يلين، ورايةً لا تنكسر، لكن الليل وحده كان يعرف سره الآخر: رجلٌ إذا وقف للصلاة ارتجفت روحه كما ترتجف ورقة في مهبّ النسيم، كان إذا توضأ اصفرّ وجهه، فيقال له: ما هذا الذي يعتريك؟
فيقول: «أتدرون بين يدي من أريد أن أقف؟»
وفي محرابه كان يبكي…لا بكاء الضعفاء، بل بكاء العارفين الذين رأوا من عظمة الله ما جعل الدنيا في أعينهم أصغر من دمعة. كان يناجي ربه بكلمات تشبه نداء الروح للسماء: “إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك.”
وفي ليالي الكوفة الطويلة، كان صوته يتسلل بين جدران المسجد كأنين قيثارة حزينة: يبكي على أمةٍ أنهكتها الفتن، وعلى قلوبٍ أرهقها الصراع، وعلى دنيا رآها بعين الحكيم كظلٍ زائلٍ لا يستحق التعلّق. ذلك الرجل الذي هزم الأبطال في ساحات الحرب، كان في محرابه يهزم نفسه، وذلك هو النصر الأعظم، فما أعجب هذا الإنسان!
سيفٌ في النهار،
ودمعةٌ في الليل.
ولو أن جدران مسجد الكوفة استطاعت الكلام، لقالت إن أعظم ما شهدته لم يكن خطب البلغاء ولا جموع المصلين… بل دمعة علي حين كانت تسقط على سجادة الصلاة.
لحظة استشهاده
في فجرٍ حزين من رمضان:
دخل الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إلى مسجد الكوفة كما كان يفعل كل يوم؛ بقلبٍ مملوءٍ بالسلام، وبروحٍ تعبت من صخب الدنيا. كبر للصلاة فكبرت معه القرون، وما إن انحنى في محرابه، حتى هوى سيف الغدر من يد أشقى الناس عبد الرحمن بن ملجم، ضربةً لم تشق رأس رجلٍ فحسب… بل شقّت صفحةً من أعظم صفحات التاريخ، سال الدم على جبين العدالة وتمايل الجسد الذي طالما حمل همّ الأمة، لكن العجيب أن الرجل الذي ضُرب لم يصرخ ألماً، بل ابتسم ابتسامة العارفين، وهمس بكلمته التي دوّت في ضمير الزمن: «فزت ورب الكعبة.»، يا لغرابة هذه الروح، كأن الموت بالنسبة له هو موعد لقاءٍ طال انتظاره، وهو بالفعل كذلك. وفي تلك اللحظة، لم يسقط مجرد خليفة أو حاكم عادل بل أرتقى رجل لا يشبهه في صفائه أحد.
ومنذ ذلك الفجر… بقي محراب مسجد الكوفة شاهداً حزيناً، كلما مرّ عليه العابدون،
كأن في جدرانه صدى صوتٍ بعيد يقول: هنا… صلى علي.
وهنا… بكى علي. وهنا… عرجت روحه إلى السماء..
صلوات الله وسلامه عليك يا سيدي ومولاي يا أمير المؤمنين
نقلا عن موقع الاحقاف نيوز






