Uncategorized

حين تنتقم الجغرافيا من غطرسة القوة !!

حين تنتقم الجغرافيا من غطرسة القوة !!

 

بقلم د / سامي عطا

على ضوء الحرب العدوانية الأمريكية الإسرائيلية الراهنة ضد إيران، عادت بي الذاكرة إلى كتاب للمفكر الأمريكي روبرت كابلان، كنت قرأته أكثر من مرة منذ أن تم نشره مترجماً ضمن سلسلة “عالم المعرفة” الكويتية الشهرية، تحت عنوان “انتقام الجغرافيا”، عدد فبراير 2015م. وهذا الكتاب في الجغرافيا السياسية، قدم فيه المفكر كابلان رؤية حول أثر الجغرافيا على السياسة، وقدم فيه محاذير لصاحب القرار الأمريكي عند التعامل مع إيران. ويبدو أن من يحكم البيت الأبيض حالياً لم يأخذها بالحسبان، فوقع في أفخاخ الجغرافيا.

 

وإذا أردنا أن نعمل مقاربة لرؤية المفكر كابلان وما تشهده المنطقة اليوم، فإن كابلان، وبعد تقديمه دراسة عن جغرافية إيران ومناطق كثيرة من العالم وأثرها على السياسة، انتهت به هذه الدراسة إلى تقديم عدد من المحاذير لصناع القرار، لكي يأخذوها في حسبانهم عند اتخاذ القرارات، ويمكن تلخيصها فيما يلي:

 

يرى كابلان أن الجغرافيا ليست مجرد خلفية صامتة، بل قوة فاعلة تنتقم ممن يتجاهل قيودها. عند تطبيق هذا على ضوء وقائع العدوان الأمريكي-الإسرائيلي الراهن ضد إيران، يمكن فهم الأمر عبر 4 محاور:

 

1. طغيان المسافة: مأزق إسرائيل الجيوغرافي

المسافة بين إسرائيل وإيران (حوالي 1600 كم) تحول دون شن هجوم خاطف. الطائرات الإسرائيلية تحتاج إلى التزود بالوقود جواً أو عبور أجواء دول أخرى (العراق، الأردن، السعودية)، مما يعقّد المهمة ويزيد احتمالات الفشل. هذا ما يسميه كابلان “استبداد المسافة” الذي يحمي إيران رغم التهديدات.

 

2. فخ “الحرب متوسطة الحجم” (Medium War)

يحذر كابلان من هذا النوع الخطير: حرب ليست خاطفة كحرب الخليج الأولى، ولا شاملة كالحرب العالمية الثانية. الهجوم على إيران سيبدأ بضربات جوية محدودة، لكنه قد يتطور إلى حرب استنزاف طويلة بسبب:

 

· ردود إيران عبر حلفائها (حزب الله في لبنان، أنصار الله في اليمن — لم يكن الحشد الشعبي عند نشر الكتاب قد ظهر بعد).

· إغلاق مضيق هرمز (سلاح إيران الجيواقتصادي).

· استنزاف القوات الأمريكية في قواعدها بالمنطقة.

 

3. إيران كنقطة ارتكاز جيوسياسية

ما المقصود بنقطة الارتكاز الجيوسياسية من منظور كلاسيكي (ماكندر وسبيكمان)؟

نقطة الارتكاز الجيوسياسية (أو المحور) تعني المنطقة التي يُشكّل السيطرة عليها مفتاحاً للسيطرة على نطاق أوسع، سواء كان قارة أو العالم بأَسره. الفكرة شبيهة بموقع قطعة الشطرنج التي تتحكم في مسار اللعبة كلها.

 

من المنظور الكلاسيكي (ماكندر وسبيكمان)، إليك الفرق بين رؤيتهما:

 

· السير هالفورد ماكندر (قلب الأرض – Heartland): المنطقة التي وصفها بـ”قلب الأرض”…

· نيكولاس سبيكمان (الحافة البحرية – Rimland): قال إن المفتاح الحقيقي هو “الحافة البحرية”…

 

تطبيق ذلك على إيران:

 

· من منظور ماكندر: إيران تقع جنوب قلب الأرض، لكنها ليست داخله.

· من منظور سبيكمان (الأقرب للواقع اليوم): إيران جزء حيوي من الحافة البحرية لأنها تطل على الخليج وبحر العرب (طرق الطاقة)، وتجاور قلب الأرض من الجنوب، وتتحكم في مضيق هرمز (شريان النفط العالمي).

 

الخلاصة للمصطلح: يمكن القول إن نقطة الارتكاز الجيوسياسية هي البوابة أو الممر أو الهضبة التي من خلالها يمكن التحكم في توازن القوى بين البحر والبر. إيران، مثلاً، بموقعها على الحافة البحرية وامتلاكها لأحد أهم المضايق، هي نقطة ارتكاز نموذجية في نظرية سبيكمان.

 

من منظور كلاسيكي (ماكندر وسبيكمان)، إيران هي “قلب الأرض” الممتد. موقعها يجعلها:

 

· ممراً برياً بين بحر قزوين والخليج.

· جسراً بين آسيا الوسطى والهلال الخصيب.

ضرب إيران يعني فتح بوابة للفوضى في ثلاث مناطق استراتيجية، وهو ما يصفه كابلان بـ”انتقام الجغرافيا”: كل محاولة لتغيير الواقع بالقوة ستنتج ردود فعل متسلسلة مدمرة.

 

4. دروس التاريخ المرفوضة

في الكتاب، ينتقد كابلان الاستراتيجيين الأمريكيين الذين يتجاهلون خصوصية الجغرافيا المحلية. تكرار سيناريو العراق (تفكيك الجيش، حل المؤسسات) في إيران سيكون كارثة لأن:

 

· إيران أكثر تجانساً جغرافياً وديموغرافياً من العراق.

· وعيها القومي مرتبط بجغرافيتها الطبيعية (الجبال، الهضاب، الممرات المائية).

الهجوم سيخلق فراغاً أمنياً، وليس نظاماً جديداً، وهذا هو الانتقام الحقيقي.

 

الخلاصة:

بحسب كابلان، أي عدوان على إيران سيواجه قوانين الجغرافيا الصارمة: المسافة الطويلة، فخ الحرب متوسطة الحجم، موقع إيران المحوري في نظام الطاقة العالمي، وتاريخ المنطقة المعقد. النتيجة المتوقعة ليست نصراً ساحقاً، بل مستنقعاً طويل الأمد تنتقم فيه الجغرافيا من غطرسة القوة

 

نقلا عن موقع بركان عدن الاخباري

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى