من يحكم سوق المحروقات في لبنان؟ كيف تحولت الحرب والضرائب وضعف الرقابة إلى بيئة خصبة لصناعة الأزمات… ولماذا يدفع المواطن الثمن دائماً؟

من يحكم سوق المحروقات في لبنان؟ كيف تحولت الحرب والضرائب وضعف الرقابة إلى بيئة خصبة لصناعة الأزمات… ولماذا يدفع المواطن الثمن دائماً؟
■ بيروت _ أحمد موسى
لم تعد أزمة المحروقات في لبنان مجرد خبر يتكرر مع صدور جدول الأسعار مرتين أسبوعياً، بل تحولت إلى واحدة من أخطر أدوات الضغط الاقتصادي والاجتماعي على اللبنانيين. ففي كل مرة ترتفع فيها أسعار النفط العالمية، ترتفع الأسعار محلياً خلال ساعات، أما عندما تتراجع الأسواق الدولية، فإن الانخفاض يصل ببطء شديد، أو لا يصل إلا بعد أن تكون الخسائر قد أصابت كل بيت ومؤسسة.
هذه المفارقة لا يمكن تفسيرها فقط بعوامل العرض والطلب أو تقلبات أسعار النفط، بل تفرض إعادة النظر في طريقة إدارة قطاع يعد من أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد اللبناني، نظراً لتأثيره المباشر على النقل والزراعة والصناعة والتجارة والغذاء والكهرباء والقطاع الصحي.
ويحاول هذا التحقيق تتبع مسار الأزمة من البحر إلى مضخة الوقود، ومن الشركات المستوردة إلى المحطات، مروراً بالوزارة والجهات الرقابية، وصولاً إلى المواطن الذي أصبح يمول وحده كلفة كل أزمة.
الفصل الأول: أزمة لا تبدأ عند محطة الوقود
المشهد يتكرر بصورة تكاد تكون ثابتة.
ترتفع الأسعار العالمية… فيرتفع البنزين فوراً.
تندلع توترات إقليمية… فتبدأ التحذيرات من نقص المحروقات.
تتأخر بعض البواخر… فتظهر الطوابير.
تختفي المادة في بعض المناطق… ثم تعود بعد ارتفاع الأسعار.
هذه الوقائع لا تعني تلقائياً وجود احتكار أو تلاعب، لكنها تثير أسئلة مشروعة حول قدرة الدولة على إدارة السوق، وحول مدى فعالية الرقابة على سلسلة الاستيراد والتوزيع.
الفصل الثاني: من يحدد سعر صفيحة البنزين؟
تؤكد وزارة الطاقة أن الأسعار تعتمد على عناصر متعددة، أبرزها أسعار البنزين المكرر في الأسواق العالمية، وكلفة الشحن والتأمين، وسعر صرف الدولار، والضرائب والرسوم، وهوامش الأرباح المحددة.
غير أن خبراء اقتصاديين يرون أن المشكلة لا تكمن فقط في آلية التسعير، بل في غياب الشفافية الكاملة بشأن الكلفة الفعلية للاستيراد، والمخزون المتوافر، وآلية احتساب بعض الأكلاف، ما يجعل الرأي العام عاجزاً عن التحقق من أسباب كل زيادة أو تأخر في الانخفاض.
الفصل الثالث: سوق صغيرة… لكن السيطرة كبيرة
يتميز سوق المحروقات في لبنان بتركيز مرتفع، إذ تستحوذ مجموعة محدودة من الشركات على الجزء الأكبر من عمليات الاستيراد والتوزيع.
اقتصادياً، كلما انخفض عدد اللاعبين في أي سوق، ازدادت الحاجة إلى رقابة صارمة لضمان المنافسة العادلة ومنع أي ممارسات قد تؤثر في الأسعار أو الكميات.
وهنا لا يخلص التحقيق إلى وجود “كارتيل” بالمعنى القانوني، لأن ذلك يحتاج إلى أدلة وأحكام قضائية، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً: هل توفر الدولة رقابة تتناسب مع طبيعة هذا السوق شديد التركّز؟.
الفصل الرابع: البواخر… أين تبدأ الأزمة؟
تكشف مصادر في القطاع عن وجود بواخر تبقى أحياناً أياماً في عرض البحر قبل تفريغ حمولتها.
الأسباب المعلنة متعددة: ازدحام الأرصفة، محدودية القدرة الاستيعابية، تنظيم أدوار التفريغ، أو اعتبارات مالية.
لكن في المقابل، يرى متابعون أن أي تأخير غير مبرر، إذا أدى إلى تقليص الكميات المتاحة في السوق، يستوجب تحقيقاً رقابياً لمعرفة أسبابه الحقيقية، لأن أمن الطاقة لا يحتمل الغموض.
الفصل الخامس: التخزين… بين الإدارة التجارية والاحتكار
يحتاج أي موزع إلى مخزون تشغيلي لضمان استمرارية عمله، وهذه ممارسة طبيعية.
لكن عندما تتكرر الشكاوى حول حجب كميات من المحروقات بالتزامن مع توقعات ارتفاع الأسعار، يصبح السؤال مشروعاً: هل تقوم أجهزة الرقابة بجرد فعلي للمخزون؟ وهل تُنشر نتائجه للرأي العام؟.
فالشفافية وحدها كفيلة بإنهاء الشائعات، أو كشف المخالفات إذا وجدت.
الفصل السادس: تضارب الروايات
في هذا التحقيق، يؤكد نقيب موزعي المحروقات في لبنان فادي أبو شقرا أن الأزمة مرتبطة بارتفاع الكلفة العالمية والضرائب ورسوم التأمين والنقل.
ويشير رئيس نقابة أصحاب المحطات في لبنان الدكتور جورج براكس إلى أن بعض الممارسات الفردية في السوق قد تساهم في خلق البلبلة.
في المقابل، يرى أصحاب محطات المحروقات في البقاع أن الأزمة أعمق من ذلك، ويتحدثون عن غياب الرقابة الفعلية، وتبادل للمسؤوليات بين الشركات والوزارة والنقابات، فيما يبقى المواطن المتضرر الأول.
الفصل السابع: عندما ترتفع المحروقات… ترتفع الدولة كلها.
لا يقتصر تأثير المحروقات على السيارات.
كل ليتر مازوت إضافي يرفع كلفة نقل الخضار.
كل زيادة في البنزين تنعكس على تعرفة النقل.
كل ارتفاع في المازوت يزيد كلفة الإنتاج الزراعي والصناعي.
كل زيادة في الوقود ترفع فاتورة المولدات الكهربائية.
وهكذا تتحول أزمة المحروقات إلى موجة تضخم شاملة تضرب مختلف القطاعات، وتدفع آلاف العائلات إلى تقليص إنفاقها على الغذاء والتعليم والرعاية الصحية لتأمين الحد الأدنى من تكاليف التنقل والعمل.
الفصل الثامن: الدولة الغائبة
رغم حساسية هذا القطاع، لا تزال البيانات المنشورة تقتصر في معظم الأحيان على جدول الأسعار، بينما تغيب معلومات أساسية يحتاجها الرأي العام، مثل:
– حجم المخزون الاستراتيجي.
– الكميات المستوردة أسبوعياً.
– مواعيد وصول البواخر وتفريغها.
– نتائج جولات التفتيش.
– المخالفات المسجلة والإجراءات المتخذة بحق مرتكبيها.
إن غياب هذه المعلومات يفتح الباب أمام الشائعات، ويقوض الثقة بالسوق، ويجعل أي أزمة قابلة للتضخم بسرعة.
الأزمة ليست في السعر فقط… بل في إدارة السوق
لا يخلص هذا التحقيق إلى اتهام أي جهة بارتكاب مخالفات، لأن ذلك يبقى من اختصاص القضاء والأجهزة الرقابية.
لكن الوقائع المتكررة ترسم صورة لسوق يعاني من ضعف الشفافية، وتركيز اقتصادي مرتفع، ورقابة محدودة، وتبادل دائم للمسؤوليات.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا ارتفع سعر البنزين؟، بل أصبح: من يراقب سوقاً تتحكم به عوامل داخلية وخارجية متشابكة؟ ومن يحاسب عندما تتحول كل أزمة إقليمية أو مالية إلى عبء إضافي على اللبنانيين؟.
وفي ظل استمرار الحرب، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع دائرة الفقر، فإن إصلاح قطاع المحروقات لم يعد مجرد ملف اقتصادي، بل أصبح قضية أمن اجتماعي ووطني، تتطلب شفافية كاملة، ورقابة مستقلة، ونشراً دورياً للبيانات، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في أي ممارسات مخالفة للقانون، حمايةً للمستهلك، وصوناً لاقتصاد بات يرزح تحت وطأة أزمات متلاحقة.






