تقارير

لبنان : من قاعة البرلمان إلى قاعة باريس: الثقة للحكومة… والاختبار للدولة

من ثقة بيروت إلى اختبار باريس… من يملك قرار المرحلة المقبلة؟

لبنان : من قاعة البرلمان إلى قاعة باريس: الثقة للحكومة… والاختبار للدولة

■ بيروت _ أحمد موسى

بين بيروت وباريس، يتحرك المشهد اللبناني على مسارين متوازيين، لكنهما يلتقيان عند سؤال واحد: أي دولة يريد لبنان أن يبني في المرحلة المقبلة؟.

 

في مجلس النواب، خرجت حكومة الرئيس نواف سلام من جلسة المساءلة بثقة نيابية جديدة، بعدما نالت 68 صوتاً مقابل 12 لحجب الثقة وامتناع نائبين عن التصويت. رقمٌ يمنح الحكومة هامشاً سياسياً للاستمرار، لكنه في الوقت نفسه يكشف أن المعركة الفعلية لم تكن على بقاء الحكومة بقدر ما كانت على اتجاه المرحلة السياسية والسيادية المقبلة.

 

وفي باريس، كانت الصورة مختلفة في المكان، لكنها متصلة في الجوهر: اجتماع دولي يبحث دعم الجيش والقوى الأمنية اللبنانية، فيما يقف لبنان أمام ملفات تتجاوز حدود المساعدات والعتاد إلى مستقبل الدولة، ودور مؤسساتها، ومستقبل الجنوب، وشكل الترتيبات الأمنية بعد انتهاء ولاية «اليونيفيل».

هكذا، بدت بيروت منشغلة بـالثقة، فيما كانت باريس منشغلة بـالقدرة.

والفارق بين الاثنين هو تحديداً ما سيحسم المرحلة المقبلة.

 

جلسة مساءلة… لكن الأسئلة الكبرى بقيت خارج جدول الأعمال

 

كان يفترض أن تكون جلسة مجلس النواب مناسبة لقياس أداء الحكومة ومحاسبتها على تنفيذ بيانها الوزاري، لكن النقاشات أظهرت مرة جديدة أن السياسة اللبنانية لا تزال أسيرة الملفات الكبرى المتصلة بالسلاح والسيادة والعلاقة مع الخارج.

 

وفي مداخلات النواب، حضرت بقوة الأسئلة المتعلقة بموقع لبنان في الصراع الإقليمي، وبمستقبل السلاح، وبحدود القرار السيادي للدولة، وبالعلاقات الدولية، فيما تراجعت الملفات التي تشكل يومياً العبء المباشر على اللبنانيين إلى مساحة أقل من المتوقع.

 

الكهرباء، المياه، التعليم، الاستشفاء، الرواتب، القدرة الشرائية، فرص العمل، الإصلاح المالي، الإدارة العامة والخدمات الأساسية… كلها ملفات يفترض أن تكون في قلب أي مساءلة لحكومة تدير بلداً يخرج من سنوات متراكمة من الأزمات.

 

لكن السياسة اللبنانية أعادت إنتاج نفسها داخل قاعة البرلمان: الملف السيادي يطغى، والانقسام السياسي يتقدم، والأسئلة المعيشية تنتظر دورها.

 

68 صوتاً… انتصار حكومي أم اختبار مؤجل؟

 

من الناحية الدستورية والسياسية، حصلت الحكومة على جرعة إضافية من الاستقرار.

 

لكن قراءة النتيجة لا تنتهي عند رقم الـ68.

 

فالكتل التي حجبت الثقة لم تتمكن من إسقاط الحكومة، فيما بقيت الأكثرية النيابية قادرة على تأمين استمرارها. وفي المقابل، فإن المعارضة لم تختفِ، بل انتقلت معارضتها إلى مساحة سياسية أوسع ترتبط بالخيارات السيادية والاستراتيجية للحكومة والدولة.

لذلك، فإن السؤال الأكثر دقة ليس: هل نجت الحكومة؟. لقد نجت.

 

السؤال هو: ماذا ستفعل بهذه الثقة؟

 

فالغطاء النيابي لا يتحول تلقائياً إلى إنجاز حكومي. والثقة لا تعني أن الملفات التي دفعت النواب إلى مساءلة الحكومة قد أُغلقت.

 

بل على العكس، يمكن أن تصبح الثقة الجديدة بداية مرحلة أكثر صعوبة، لأن الحكومة باتت أمام مسؤولية تقديم نتائج يمكن قياسها، وليس فقط الدفاع عن بقائها السياسي.

 

الانقسام… أبعد من الحكومة

 

المشهد داخل البرلمان كشف أيضاً أن الانقسام اللبناني لم يعد محصوراً في خلاف حول وزير أو سياسة حكومية أو بند في البيان الوزاري.

 

هناك خلاف أعمق حول مفهوم الدولة نفسه.

 

فجزء من القوى السياسية يدفع باتجاه تثبيت حصرية القرار الأمني والعسكري بالمؤسسات الشرعية، فيما تتمسك قوى أخرى بمقاربة تربط ملف السلاح بمواجهة إسرائيل وبالتوازنات الأمنية الإقليمية.

 

وبين المقاربتين، تقف الحكومة في منطقة شديدة الحساسية: مطالبة بتطبيق منطق الدولة، لكنها تعمل داخل نظام سياسي لا تزال فيه مسألة السلاح ودور المقاومة والتهديد الإسرائيلي جزءاً من أكثر الملفات تعقيداً في الحياة اللبنانية.

 

وهنا تكمن العقدة: المطلوب من الحكومة أن تدير الانقسام، فيما أن جزءاً من هذا الانقسام يتعلق أصلاً بتعريف الدولة ودورها.

 

باريس تدخل على خط المعادلة

 

وبينما كانت بيروت تختبر قدرة الحكومة على عبور البرلمان، كانت باريس تستعد لاستضافة اجتماع دولي يحمل عنواناً مختلفاً: دعم الجيش والقوى المسلحة اللبنانية.

لكن عنوان الاجتماع لا يلخص دلالاته.

 

فالدعم الدولي للجيش لم يعد مجرد مسألة تجهيز عسكري أو مساعدات لوجستية، بل بات مرتبطاً بصورة أوسع بمستقبل المؤسسات اللبنانية وقدرتها على تولي مسؤوليات أمنية وسيادية متزايدة.

 

الرئيس جوزاف عون يشارك في الاجتماع ضمن رؤية تقوم على تعزيز مؤسسات الدولة وقدرتها على حماية اللبنانيين وبسط سلطتها، في وقت تسعى فيه فرنسا إلى الحفاظ على موقعها في الملف اللبناني، وسط حضور أميركي وسعودي ودولي واسع.

 

وهنا تصبح باريس أكثر من مجرد محطة دبلوماسية.

إنها مساحة اختبار دولية لما إذا كان لبنان قادراً على الانتقال من طلب الدعم للدولة إلى بناء دولة قادرة على استخدام هذا الدعم.

 

الجيش في قلب ثلاثة ملفات متشابكة

 

الاجتماع الفرنسي ينعقد في توقيت بالغ الحساسية، لأن الجيش اللبناني بات عند تقاطع ثلاثة ملفات أساسية.

 

الملف الأول: بسط سلطة الدولة.

 

وهو مرتبط بقدرة المؤسسات الشرعية على الانتشار والقيام بمهامها في مختلف المناطق، ولا سيما في الجنوب.

 

الملف الثاني: مستقبل «اليونيفيل».

 

مع اقتراب انتهاء الولاية الحالية للقوة الدولية في نهاية العام، يفتح السؤال حول شكل الحضور الدولي المقبل في الجنوب، وكيفية منع أي فراغ أمني في مرحلة شديدة الحساسية.

 

الملف الثالث: الحدود اللبنانية–الإسرائيلية.

 

وهو الملف الأكثر التصاقاً بالميدان، في ظل استمرار التوتر والاعتداءات والخلاف حول الانسحاب والترتيبات الأمنية والوجود العسكري في المناطق الحدودية.

 

وبذلك يصبح الجيش طرفاً أساسياً في معادلة تتجاوز حاجاته التقليدية إلى سؤال أكبر: هل يمكن أن يصبح الجيش الركيزة التنفيذية الرئيسية لأي ترتيبات أمنية مقبلة في الجنوب؟

 

لماذا تتمسك باريس بدورها؟

 

الحضور الفرنسي في الملف اللبناني ليس جديداً، لكن أهمية باريس اليوم تكمن في محاولتها الجمع بين المسارين السياسي والأمني.

 

ففرنسا تريد الحفاظ على موقعها كطرف قادر على التواصل مع مختلف الأطراف اللبنانية، وفي الوقت نفسه الدفع باتجاه تعزيز المؤسسات الرسمية، ولا سيما الجيش والقوى الأمنية.

 

ومشاركة دول كبرى وإقليمية في اجتماع باريس تعطي الاجتماع بعداً يتجاوز الدعم المالي.

 

فالولايات المتحدة تنظر إلى المؤسسة العسكرية اللبنانية من زاوية الأمن والاستقرار، والسعودية تنظر إلى استعادة الدولة ومؤسساتها ضمن علاقتها الأوسع بلبنان، فيما تحاول فرنسا الحفاظ على مساحة سياسية ودبلوماسية في بلد لطالما اعتبرته جزءاً أساسياً من حضورها في الشرق الأوسط.

 

ولا يعني اجتماع هذه الدول حول طاولة واحدة أن لديها رؤية موحدة لكل تفاصيل الملف اللبناني، لكنه يعكس تقاطعاً حول أهمية استمرار المؤسسات اللبنانية وقدرتها على أداء وظائفها.

من «الثقة» إلى «القدرة»

وهنا تتضح المفارقة التي تحكم المشهد.

في بيروت، حصلت الحكومة على الثقة.

وفي باريس، يجري البحث في كيفية تعزيز قدرة الدولة.

الأولى سياسية.

والثانية مؤسساتية.

لكن الاثنتين لا يمكن أن تنفصلا.

 

فلا يمكن لحكومة أن تنجح في تنفيذ برنامجها إذا بقيت الدولة ضعيفة المؤسسات، كما لا يمكن للجيش أن يضطلع بأدوار متزايدة من دون قرار سياسي واضح وإمكانات مالية ولوجستية وتوافق داخلي على دوره.

 

ومن هنا، فإن اجتماع باريس لا يعفي الحكومة من مسؤولياتها الداخلية، كما أن الثقة النيابية لا تكفي وحدها لإقناع المجتمع الدولي بقدرة لبنان على إدارة المرحلة.

 

السؤال الذي ينتظر الإجابة

 

بعد انتهاء جلسة المساءلة، لم يعد السؤال الحقيقي متعلقاً بما إذا كانت الحكومة ستبقى.

لقد حصلت على الثقة.

والسؤال الآن أكثر صعوبة:

هل تستطيع هذه الحكومة أن تحوّل الثقة النيابية إلى إصلاح، والدعم الدولي إلى قدرة مؤسساتية، والقرار السياسي إلى سياسة دولة؟

 

في الجنوب، ستكون الإجابة مرتبطة بالجيش والحدود والوجود الدولي.

 

وفي الداخل، ستكون مرتبطة بالكهرباء والاقتصاد والإدارة والقضاء والخدمات.

 

وفي السياسة، ستكون مرتبطة بقدرة القوى اللبنانية على الانتقال من منطق الاصطفاف إلى منطق إدارة الخلاف داخل المؤسسات.

 

وهنا تحديداً تتقاطع بيروت مع باريس.

فالدولة لا تُبنى بالثقة وحدها، ولا بالمساعدات وحدها، ولا بالخطابات السيادية وحدها.

 

الدولة تُبنى عندما يصبح القرار السياسي قابلاً للتنفيذ، والمؤسسة قادرة على تنفيذه، والمواطن قادراً على رؤية نتائجه في حياته اليومية.

ومن هذه الزاوية، قد تكون جلسة المساءلة انتهت في البرلمان، لكن المساءلة الحقيقية بدأت للتو.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى