أمٌّ على سجّادة الانتظار

أمٌّ على سجّادة الانتظار
كتب عدنان باوزير
نحن الذين نكتب عن الجبهات من وراء الشاشات، ونتحدث عن التقدّم والتراجع، ونحصي الانتصارات والخسائر، ونتبادل عبارات الحماسة من فوق المتاكي، وفي دفء الغرف الآمنة… هل فكرنا، ولو للحظة، في تلك الأم التي تجلس في ركن بيتها، على سجّادة الصلاة، وقلبها هناك، حيث يقف ابنها في مواجهة الموت؟
نحن نغلق هواتفنا حين نتعب من الأخبار، وننام حين تثقل أعيننا، ونستأنف أحاديثنا في الصباح، أما هي، فليس في وسعها أن تغلق قلبها، ولا أن تمنح قلقها إجازة، ولا أن تطرد من مخيلتها ذلك الاحتمال الموجع الذي قد يطرق بابها في أي لحظة.
كلما رنّ الهاتف، ارتجف شيء في أعماقها. وكلما تأخر الخبر، راحت عيناها تتعلقان بالباب، كأنها تنتظر أن يدخل منه ابنها، لا أن يأتيها صوته من بعيد، ولا أن يصلها اسمه في خبر يختصر عمرًا كاملًا في سطر.
إنها لا تجلس على سجّادة الصلاة لتطلب النصر فحسب، إنها تضع قلبها كله بين يدي الله، وتستودعه فلذة كبدها، ثم تنهض لتواصل يومها، تخفي ارتجافها خلف ابتسامة، وتكتم وجعها كي لا تُثقل به قلوب من حولها.
يا لهيبة هذه الأم!
إنها تخوض حربًا أخرى، لا يسمع أحد أزيز رصاصها، ولا يرى دخانها، ولا تُحصى خسائرها في نشرات الأخبار. حربٌ تدور في صدرها بين الرجاء والخوف، بين اليقين بأن الله أرحم بابنها منها، وبين غريزة الأم التي لا تعرف كيف تتصالح مع احتمال فقد قطعة من روحها.
وحين نقول إن المقاتل يتحمل مشاق الجبهة، فلنتذكر أن وراء كل واحد منهم أمًّا تحمل جبهة أخرى، جبهةً من الدعاء والسهر والانتظار، لا تقلّ قسوة لمجرد أنها بلا خنادق، ولا تقلّ كلفة لمجرد أن جراحها لا تُرى.
ولسنا، نحن الذين نكتب من بعيد، بلا دور أو قيمة، لكن من الإنصاف أن نعرف الفرق بين من يصف المعركة، ومن يعيشها بجسده، ومن يعيشها بقلبه الذي تركه هناك مع ابنه. فالكلمات، مهما علت نبرتها، لا ينبغي أن تجعلنا ننسى أن وراء كل اسم على الجبهة حكاية بيت، ووجه أم، وعمر من الذكريات، ودعوات لا يعلم عددها إلا الله.
لهؤلاء الأمهات، كل الاحترام الذي تضيق عنه الكلمات، وكل المحبة التي تعجز عنها البلاغة. لسنا مطالبين بأن نتخيل وجعهنّ فحسب، بل بأن نتعلم كيف ننظر إليهنّ بعيون أكثر رحمة، وأن ندرك أن الصمود ليس دائمًا صوتًا يهتف في الساحات، فقد يكون امرأةً وحيدةً في جوف الليل، ترفع كفّيها إلى السماء، وتهمس باسم ابنها، ثم تمسح دمعتها وتقول: يا رب، أعده إليّ سالمًا.
سلامٌ على أمّهات المجا هدين، أولئك اللواتي يرسلن أبناءهنّ إلى الحياة، ويقضين أعمارهنّ على عتبة احتمال الفقد.
سلامٌ على الأيدي التي ترفع الدعاء حين تعجز عن احتضان الأبناء، وعلى القلوب التي تتظاهر بالقوة كي لا ينهار من حولها أحد.
وإذا كان للوطن حراسٌ يقفون على تخومه، فإن له في البيوت حارساتٍ لا تنام أرواحهنّ، أمهاتٍ لا يحملن السلاح، لكنهنّ يحملن من الخوف والرجاء ما يكفي لإثقال الجبال.
فلنخفض قليلًا أصواتنا ونحن نتحدث عن التضحيات، ولنرفع قليلًا منسوب امتناننا لمن يدفعون أثمانها، ولمن ينتظرونهم بقلوبٍ مفتوحة على الأمل، وأبوابٍ لا تكف عن الإصغاء إلى وقع الخطى.
فبعض الأمهات لا يقفن على الجبهات، لكن الجبهات كلّها تمرّ عبر قلوبهنّ.
تحية من القلب لأولئك القديسات الفاضلات، ولننحنِ أمامهن إجلالاً وإكبارا، فهن بحق الجنديات المجهولات في هذه الحرب المستعرة.
نقلا عن موقع الأحقاف نيوز





