تقارير

الاتفاق الإطاري فتح الباب سياسيًا… لكن الأمن والدمار وأزمة الإعمار أقفلته أمام عشرات آلاف العائدين

الجنوب بين هدنة الورق وواقع النار... لماذا بقيت عودة النازحين رهينة الميدان؟

الجنوب بين هدنة الورق وواقع النار… لماذا بقيت عودة النازحين رهينة الميدان؟

الاتفاق الإطاري فتح الباب سياسيًا… لكن الأمن والدمار وأزمة الإعمار أقفلته أمام عشرات آلاف العائدين

 

بيروت _ أحمد موسى

 

لم يكن توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل في 26 حزيران/يونيو كافيًا ليعيد الحياة إلى قرى الجنوب أو يبدّد مخاوف عشرات آلاف النازحين. فبينما رأت الأوساط السياسية في الاتفاق فرصة لطي صفحة المواجهة العسكرية، بدا المشهد على الأرض أكثر تعقيدًا، إذ ما زالت الخروقات العسكرية، والدمار الواسع، وغياب التمويل، وضبابية الترتيبات الأمنية تحول دون عودة مستقرة وآمنة للسكان.

 

وتشير قراءة تحليلية أصدرها “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت” بعنوان “النازحون بعد الاتفاق الإطاري: قراءة في تعقيدات النزوح والعودة” إلى أن الأزمة تجاوزت مفهوم النزوح المؤقت، لتتحول إلى ملف استراتيجي يرتبط بمستقبل الجنوب اللبناني وبطبيعة التسوية السياسية والأمنية التي ستفرضها المرحلة المقبلة.

 

هدوء هش… والميدان لا يعترف بالاتفاقات

 

ورغم الإعلان عن وقف الأعمال العدائية، لا يزال الجنوب يعيش على وقع معادلة أمنية شديدة الهشاشة. فالواقع الميداني، وفق التقرير، لا يعكس سلامًا مستدامًا، بل مرحلة يمكن توصيفها بـ”خفض التصعيد”، حيث تستمر الغارات والتوغلات الإسرائيلية في عدد من المناطق الحدودية، فيما تبقى أجزاء من الأراضي اللبنانية خارج السيطرة الكاملة للدولة.

 

ويؤكد التقرير أن استمرار العمليات العسكرية، وآخرها تفجير نفق في بلدة مجدل زون، يرسل رسائل واضحة إلى السكان بأن المخاطر الأمنية لم تنتهِ بعد، وهو ما يفسر إحجام كثير من العائلات عن العودة الدائمة.

 

الدمار… العدو الأول للعودة

 

حتى لو تراجعت العمليات العسكرية، فإن مشهد الدمار يفرض واقعًا مختلفًا. فالتقرير يتحدث عن أكثر من 61 ألف وحدة سكنية بين مدمرة ومتضررة، إلى جانب انهيار واسع في البنى التحتية وشبكات المياه والكهرباء والطرق.

 

كما يحتاج الجنوب إلى إزالة نحو 8.5 ملايين متر مكعب من الأنقاض، وهي عملية تتطلب مئات ملايين الدولارات قبل أن تبدأ مرحلة إعادة البناء، ما يجعل العودة إلى العديد من البلدات شبه مستحيلة في الوقت الراهن.

 

إعمار مؤجل… وتمويل غائب

 

وتبرز الأزمة المالية باعتبارها العقدة الأكثر تعقيدًا، إذ تُقدَّر الخسائر الإجمالية للحرب بما لا يقل عن 20 مليار دولار، في وقت لم تتبلور بعد أي خطة دولية شاملة لتمويل إعادة الإعمار.

 

ويحذر التقرير من أن استمرار التأخير في تأمين التمويل سيؤدي إلى إطالة أمد النزوح، ويهدد بإحداث تحولات اجتماعية واقتصادية قد تمتد آثارها لسنوات.

 

الخوف أقوى من الرغبة بالعودة

 

وراء الأرقام، يقف العامل النفسي كأحد أبرز التحديات. فالعائلات التي اختبرت النزوح أكثر من مرة لم تعد تثق بأن أي تهدئة ستكون دائمة، لذلك تكتفي بزيارات سريعة لتفقد منازلها قبل العودة إلى مراكز الإيواء أو أماكن النزوح.

 

هذا الواقع يجعل “العودة” حتى الآن أقرب إلى حركة مؤقتة منها إلى استقرار حقيقي، ويعكس حجم القلق الذي يسيطر على سكان المناطق الحدودية.

 

الدولة أمام امتحان صعب

 

في المقابل، تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام مسؤوليات تفوق إمكاناتها، فهي مطالبة بتأمين الأمن، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، واستقطاب التمويل الدولي، وتنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاق، وسط أزمة مالية وإدارية خانقة.

 

أما الجيش اللبناني، فيتركز دوره حاليًا على إدارة العودة وضبطها في المناطق الآمنة، أكثر من امتلاكه القدرة على توفير كل مقومات الاستقرار الدائم.

 

الاستقرار… اختبار المرحلة المقبلة

 

تكشف الوقائع أن الاتفاق الإطاري، على أهميته السياسية، لم يتحول بعد إلى استقرار فعلي على الأرض. فالجنوب لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، بل إلى تسوية متكاملة تعيد الثقة للسكان، وتؤمن الضمانات الأمنية، وتطلق عملية إعادة إعمار واسعة تعيد الحياة إلى القرى والبلدات المنكوبة.

 

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح الدولة اللبنانية، بدعم عربي ودولي، في تحويل “العودة المعلّقة” إلى عودة نهائية، أم أن الجنوب سيدخل مرحلة جديدة من الانتظار الطويل، حيث يبقى النازحون أسرى معادلة تجمع بين الدمار، والسياسة، والهواجس الأمنية؟.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى