تقارير

الجنوب اللبناني بين مخلفات الحرب وطبول المواجهة الإقليمية… هل يُدفع لبنان نحو حصار اقتصادي وحرب مفتوحة؟

الجنوب اللبناني بين مخلفات الحرب وطبول المواجهة الإقليمية… هل يُدفع لبنان نحو حصار اقتصادي وحرب مفتوحة؟

 

خاص – بيروت أحمد موسى

 

لم تعد المخاطر التي تواجه لبنان محصورة في الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الجنوب، ولا في الخسائر البشرية التي تخلفها الغارات والتوغلات والتفجيرات ومخلفات الحرب، بل باتت تتقاطع مع مؤشرات تصعيد إقليمي أوسع، وسط تقارير عن استعدادات إسرائيلية لاحتمال تجدد المواجهة مع إيران، وتحذيرات من تداعيات دخول حزب الله على خط أي حرب مقبلة. وبين الميدان الذي ينزف والاقتصاد الذي يواجه أزمات متراكمة، يبرز سؤال بالغ الخطورة: هل يقف لبنان أمام مرحلة جديدة من الضغط العسكري والاقتصادي، أم أن التحذيرات المتداولة تندرج في إطار حرب الأعصاب والردع المتبادل؟

 

الجنوب اللبناني: مخلفات الحرب تواصل حصد الأرواح

 

تتواصل المآسي في الجنوب اللبناني حتى في المناطق التي لا تشهد مواجهات مباشرة، إذ لا تزال مخلفات الحرب الإسرائيلية تشكل تهديداً قاتلاً للمدنيين والعاملين في الأراضي الزراعية. وبعد استشهاد محمد رمضان في فرون، والمؤهل الأول المتقاعد علي عبد الحسن سويدان في ياطر، ارتقى صباح اليوم المؤهل في قوى الأمن الداخلي إدغار جيلو، إثر انفجار جسم من مخلفات الحرب الإسرائيلية أثناء عمله في حقل زراعي عند أطراف عين إبل، في قضاء بنت جبيل.

 

ولا تقتصر خطورة هذه الحوادث على حصيلتها البشرية، بل تمتد إلى الأمن الاجتماعي والاقتصادي في القرى الحدودية، حيث تتحول الأراضي الزراعية، التي تشكل مصدر رزق أساسي للعائلات، إلى مساحات محفوفة بالمخاطر، فيما تتعثر عودة السكان إلى حياتهم الطبيعية بفعل الأضرار والتهديدات الأمنية والذخائر غير المنفجرة.

 

وتعيد هذه الوقائع طرح مسؤولية معالجة مخلفات الحرب، وضرورة إجراء مسح شامل للمناطق المتضررة، وتأمين فرق متخصصة لنزع الذخائر غير المنفجرة، إلى جانب توفير الدعم للبلديات والدفاع المدني والمؤسسات المعنية. فوقف إطلاق النار، إن تحقق، لا يعني بالضرورة انتهاء الخطر، ما دامت الأرض تحتفظ بآثار القتال القادرة على حصد المزيد من الأرواح.

 

وفي موازاة ذلك، تتواصل التقارير عن توغلات إسرائيلية في مناطق جنوبية، من بينها محيط كفرشوبا، ضمن مشهد أمني يعكس هشاشة الاستقرار الحدودي واستمرار المخاوف من اتساع نطاق العمليات.

 

بين القتل والتجريف: إلى أين يتجه المشهد جنوباً؟

 

تتجاوز التداعيات الميدانية الخسائر البشرية المباشرة، لتشمل تدمير المنازل وتجريف الأراضي وتفجير المنشآت، بما ينعكس على فرص التعافي وإعادة الإعمار وعودة الأهالي. وفي ظل هذا الواقع، يواجه الجنوب معادلة شديدة التعقيد: كيف يمكن استعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مناطق لا تزال معرضة للاعتداءات، فيما تتراكم كلفة الأضرار على الدولة والمواطنين؟

 

وتثير التطورات مخاوف من تكريس واقع أمني طويل الأمد يقيّد حركة السكان ويحد من قدرة المؤسسات الرسمية على بسط الاستقرار، خصوصاً إذا استمرت العمليات العسكرية والقيود المفروضة على الحياة في المناطق الحدودية.

 

وتبرز هنا ضرورة التمييز بين الوقائع الميدانية المثبتة والتقديرات السياسية بشأن أهداف إسرائيل المستقبلية؛ فاستمرار الاعتداءات والتدمير يفرض تحديات واضحة، لكنه لا يكفي وحده للجزم بأن نموذجاً أمنياً معيناً سيُعمّم على جنوب لبنان أو جنوب سوريا. غير أن أوجه التشابه التي يراها مراقبون في أنماط الضغط العسكري وإعادة تشكيل الواقع الحدودي تستحق المتابعة والتحليل.

 

«معاريف»: استعدادات لاحتمال مواجهة جديدة مع إيران

 

إقليمياً، تتجه الأنظار إلى إيران، في ظل تقارير إسرائيلية عن استعدادات لاحتمال اندلاع مواجهة عسكرية جديدة. ونقلت صحيفة «معاريف» عن مسؤولين في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تقديرات تفيد بأن أي تصعيد محتمل قد يبدأ بإطلاق صواريخ من الأراضي الإيرانية، بالتزامن مع احتمال مشاركة حلفاء طهران، وفي مقدمتهم حزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن.

 

وبحسب ما أوردته الصحيفة، فإن مسؤولين إسرائيليين يفضلون، في المرحلة الراهنة، تجنب مواجهة جديدة مع إيران أو تأجيلها إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، مع تفضيل خوض أي حرب محتملة ضمن تحالف عسكري تقوده واشنطن.

 

وتعكس هذه المعطيات، إذا صحت التقديرات المنقولة، تداخلاً بين الحسابات العسكرية والاعتبارات السياسية والانتخابية. فقرار الحرب لا يرتبط بالقدرات العسكرية وحدها، بل يتأثر أيضاً بتكلفة المواجهة، ومدى استعداد الجبهة الداخلية، واحتمالات اتساع الصراع إلى ساحات متعددة.

 

لكن الحديث عن الاستعدادات لا يعني أن الحرب باتت حتمية، كما أن التقارير الصحافية لا تشكل، بمفردها، دليلاً قاطعاً على اتخاذ قرار نهائي بالمواجهة. والأرجح أن المنطقة تعيش مرحلة من الردع المتبادل ورفع الجهوزية والضغط السياسي، حيث تتداخل الرسائل العسكرية مع محاولات تحسين شروط التفاوض أو تأجيل الاستحقاقات الأكثر خطورة.

 

حزب الله أمام اختبار جديد: إعادة بناء القدرات أم تجنب الحرب؟

 

في لبنان، تزداد حساسية المشهد مع تداول تقارير تتحدث عن مساعي حزب الله لإعادة بناء قدراته العسكرية، بما في ذلك في مناطق جنوب نهر الليطاني. ويطرح ذلك أسئلة بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية على الحدود، ودور الدولة اللبنانية في تثبيت الاستقرار، ومآلات التفاهمات والالتزامات المرتبطة بوقف الأعمال العدائية.

 

وفي المقابل، تتحدث تقارير عن “تحذير إسرائيلي شديد اللهجة” مفاده “أن انضمام حزب الله إلى أي مواجهة إقليمية جديدة قد يستدعي توسيع نطاق الضربات وفرض إجراءات حصار على لبنان، بما يهدد ما تبقى من قدراته الاقتصادية والتجارية”.

ومع غياب تفاصيل مستقلة كافية لتحديد طبيعة هذا التحذير ومصدره المباشر، ينبغي التعامل معه باعتباره معطى متداولاً يحتاج إلى التحقق، لا قراراً معلناً أو نتيجة محسومة.

 

غير أن خطورة الرسالة، بصرف النظر عن دقة كل تفاصيلها، تكمن في أن لبنان لا يزال يعاني من أزمة مالية ومصرفية عميقة، وتراجع في قدرات الدولة، واحتياجات واسعة لإعادة الإعمار. وأي مواجهة واسعة قد تضع البنية التحتية والمرافق الحيوية وحركة الاستيراد والتصدير والسياحة والتحويلات المالية أمام ضغوط إضافية.

 

وهنا تتقدم الأسئلة السياسية والأمنية: هل يستطيع لبنان تحمّل حرب جديدة في ظل وضعه الاقتصادي الراهن؟ وما قدرة مؤسساته على حماية المدنيين وتأمين الخدمات الأساسية إذا توسعت العمليات؟ وهل تنجح الجهود الدبلوماسية في منع تحويل الأراضي اللبنانية إلى ساحة إضافية في مواجهة إقليمية مفتوحة؟.

 

من اليمن إلى البحر الأحمر: اتساع دائرة المخاطر

 

لا ينفصل المشهد اللبناني عن التوترات الإقليمية الأخرى، بما فيها التوتر بين السعودية والحوثيين في اليمن، وما قد يتركه من انعكاسات على أمن البحر الأحمر وممرات التجارة والطاقة.

فأي تصعيد في هذه المنطقة الحساسة يمكن أن يزيد الضغوط على خطوط الملاحة والإمدادات، خصوصاً إذا تزامن مع اضطرابات في الخليج أو مضيق هرمز. وتكمن الخطورة في أن تعدد الجبهات قد يحول الأزمات المحلية إلى أزمة إقليمية مترابطة، تتجاوز نتائجها حدود الدول المنخرطة مباشرة في القتال.

 

وبالنسبة إلى لبنان، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد وعلى استقرار حركة النقل والتجارة، فإن أي اضطراب واسع في الممرات البحرية وأسواق الطاقة قد ينعكس سريعاً على أسعار المحروقات والسلع الأساسية وكلفة الإنتاج والنقل.

 

«حرب الديزل»: أزمة طاقة تضغط على الاقتصاد العالمي

 

على خط موازٍ، تتزايد المخاوف من تداعيات اضطراب إمدادات الديزل، الذي يشكل عنصراً أساسياً في النقل البري والشحن والزراعة والصناعة وقطاعات البناء. وتذهب تقديرات متداولة إلى أن الاستهلاك العالمي يبلغ نحو 29 مليون برميل يومياً، فيما يناهز العجز في السوق أربعة ملايين برميل يومياً، وهي أرقام تحتاج إلى تدقيق مستقل في ضوء التغيرات المتسارعة في الإنتاج والمخزونات والتجارة الدولية.

 

وتربط التحليلات المطروحة بين الضغوط على سوق الديزل وتراجع بعض الصادرات الروسية والشرق أوسطية والآسيوية، والأضرار التي لحقت بمصافي النفط الروسية جراء الهجمات الأوكرانية، فضلاً عن المخاطر التي تواجه حركة الإمدادات عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر.

 

وفي هذا السياق، يُطرح دور الرئيس الأميركي دونالد ترامب في محاولة احتواء ارتفاع الأسعار، بما في ذلك الحديث عن تخفيف جزئي للعقوبات على النفط الروسي أو السماح بإمدادات إضافية إلى الأسواق. إلا أن تفاصيل الكميات والإجراءات المتداولة، وكذلك العلاقة بينها وبين القرارات السياسية والعسكرية، تحتاج إلى التثبت من مصادر مستقلة قبل اعتمادها كوقائع نهائية.

 

وتشير الأرقام المتداولة بشأن أسعار الديزل إلى تفاوت كبير بين الأسواق؛ إذ يُذكر أن متوسط سعر الليتر عالمياً يبلغ نحو 1.66 دولار، مقابل 2.70 دولار في ألمانيا، و2.50 دولار في فرنسا، و1.15 دولار في الولايات المتحدة، فيما يُتداول سعر يقارب 0.006 دولار في إيران. لكن المقارنة الدقيقة تستوجب تحديد تاريخ التسعير، وما إذا كانت الأسعار تشمل الضرائب والدعم وتكاليف التوزيع، لأن هذه العناصر تختلف بصورة كبيرة بين دولة وأخرى.

 

وتكمن أهمية الأزمة في أن ارتفاع الديزل لا يقتصر على فاتورة الوقود، بل ينتقل إلى أسعار الغذاء والأسمدة والنقل والتصنيع والبناء، ما يوسع أثره التضخمي ويضغط على القدرة الشرائية للأسر وعلى هوامش أرباح المؤسسات.

 

أما بالنسبة إلى لبنان، فإن أي ارتفاع جديد في أسعار المشتقات النفطية يهدد بزيادة كلفة نقل البضائع وتشغيل المولدات والآليات الزراعية، فضلاً عن رفع أسعار السلع والخدمات. وفي بلد يعاني أصلاً من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة، قد تتحول أزمة الطاقة الخارجية إلى عبء داخلي إضافي، حتى من دون اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة على أراضيه.

 

هل تتحول الضغوط العسكرية إلى حصار اقتصادي؟

 

تكشف الصورة المتداخلة أن المخاطر التي تواجه لبنان لا تأتي من اتجاه واحد. فهناك تهديدات ميدانية مستمرة في الجنوب، ومخلفات حرب تحصد الأرواح، وتقارير عن استعدادات إقليمية لمواجهة جديدة، إلى جانب هشاشة اقتصادية تجعل البلاد شديدة التأثر بأي اضطراب في الطاقة أو التجارة أو التمويل.

 

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الأمن عن الاقتصاد. فالحرب الواسعة قد تؤدي إلى تراجع الاستثمارات، وتعطيل حركة النقل، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتراجع الإيرادات العامة، وزيادة الحاجة إلى المساعدات الخارجية. أما فرض حصار فعلي، إذا وقع، فسيشكل سيناريو أشد خطورة، إلا أن الحديث عنه حالياً يجب أن يبقى في إطار التحذيرات والتقديرات ما لم تظهر إجراءات موثقة تؤكد حصوله.

 

وتزداد المسؤولية على الدولة اللبنانية في هذه المرحلة، من خلال تعزيز الجاهزية المدنية، وتسريع معالجة مخلفات الحرب، وتأمين متطلبات عودة السكان، وتكثيف الاتصالات الدبلوماسية، ووضع خطط للطوارئ الاقتصادية والطاقة والإمدادات الأساسية.

 

لبنان بين اختبار السيادة وكلفة الانزلاق الإقليمي

 

يقف لبنان أمام معادلة دقيقة: جنوب ينزف تحت وطأة الاعتداءات ومخلفات الحرب، ومنطقة إقليمية ترفع منسوب الاستعداد العسكري، واقتصاد لا يملك ترف تحمل صدمة جديدة واسعة النطاق.

وبين التحذيرات الإسرائيلية والتقارير عن الاستعدادات لمواجهة إيران، تبقى الأولوية اللبنانية منع توسع الحرب، وحماية المدنيين، وتثبيت الاستقرار، وإعادة الاعتبار لدور الدولة ومؤسساتها في إدارة الملفات الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية.

 

فهل تنجح الاتصالات السياسية في احتواء التصعيد قبل أن تتجاوز المواجهة حدود الرسائل والتهديدات؟ وهل يتمكن لبنان من تحييد اقتصاده ومجتمعه عن تداعيات صراع إقليمي تتعدد جبهاته وتتداخل مصالحه؟ أم أن استمرار الضغط العسكري واضطراب أسواق الطاقة سيدفعان البلاد نحو مرحلة أكثر صعوبة، يصبح فيها ثمن الحرب أكبر من قدرة الدولة والمواطن على الاحتمال؟.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى