مقالات وآراء

الجوف… حين يتكلم الميدان ويصمت الوكلاء

الجوف… حين يتكلم الميدان ويصمت الوكلاء

 

عدنان باوزير

في مشهدٍ يعيد ترتيب الجغرافيا بقدر ما يعيد تعريف السياسة، خرجت محافظة الجوف من زمن التوازن الهش إلى زمن الحسم الواضح. لم يكن الحدث مجرد تقدم عسكري عابر، بل أقرب إلى جملةٍ خبريةٍ ثقيلةٍ في نص الأزمة اليمنية: من يملك القرار، يملك الأرض… ومن يستعير القرار، يضيع حتى ظله.

بعد سنوات من الهدن التي بدت كاستراحة محارب أكثر منها نهاية حرب، جاءت هذه الخطوة لتكسر السكون المصطنع، وتعلن أن الحرب في اليمن لم تكن يوماً مجرد خطوط تماس، بل صراع إرادات. وفي هذا السياق، تبدو سيطرة أنصار الله على كامل الجوف امتداداً منطقياً لمسار طويل من التراكم العسكري والسياسي، لا قفزة في فراغ.

الحيثيات واضحة لمن يقرأ ما وراء الغبار: جبهة مترهلة في الضفة الأخرى، تعدد ولاءات، غياب مشروع جامع، وقيادات تدير معاركها من شرفات الفنادق أكثر مما تديرها من غرف العمليات. في المقابل، ثمة طرفٌ بنى نفسه كحالة متماسكة؛ قرار مركزي، خطاب سياسي معلن، وقدرة على تحويل الحصار إلى مدرسة إدارة، لا إلى ذريعة فشل.

الدوافع لا تقل وضوحاً: تأمين العمق الاستراتيجي، تقليص مساحات التهديد، وإعادة رسم خريطة الموارد والنفوذ. فالجوف ليست مجرد محافظة، بل بوابة شرق، ومفتاحٌ يطرق باب مأرب، حيث تختلط السياسة بالنفط، والشرعية بالشعار.

أما النتائج المتوقعة، فهي تتجاوز حدود المحافظة. السؤال لم يعد: هل بعد الجوف خطوة؟ بل: متى وكيف ستكون؟ مأرب، التي تحولت إلى آخر معاقل “الشرعية” بصيغتها الحالية، تبدو كمدينةٍ تؤجل موعدها مع التحول أكثر مما تصنع مصيرها. وإذا ما سقطت – أو أعيد تشكيلها – فإن ميزان القوى سيتغير جذرياً، ليس فقط عسكرياً، بل اقتصادياً أيضاً، مع ما يعنيه ذلك من إعادة تدفق الموارد نحو صنعاء ومناطق الشمال التي أنهكها الحصار.

وفي حال تحقق ذلك، فإن الطريق نحو الشرق الأبعد، حيث حضرموت بثقلها الجغرافي والاقتصادي، لن يكون مجرد احتمال نظري، بل سيناريو مطروح على الطاولة. حينها، قد لا يكون الحديث عن “نهاية الحرب” ترفاً سياسياً، بل ضرورة يفرضها واقع جديد.

في قلب هذا المشهد، يبرز أنصار الله كطرفٍ يمتلك – بغض النظر عن الموقف منه – عناصر الدولة أكثر من خصومه: قرار مستقل، جهاز إداري متماسك نسبياً، وقدرة على فرض الأمن في مناطق سيطرته، حتى في ظل شح الموارد وانقطاع المرتبات وحصار متعدد الأوجه. تجربة حكم صنعاء، بكل ما لها وما عليها، قدمت نموذجاً عملياً في إدارة الممكن، في وقتٍ عجز فيه الآخرون عن إدارة المتاح.

في المقابل، تبدو بقية المكونات كجزرٍ معزولة، لكل منها راعٍ خارجي، وأجندة لا تتجاوز حدود التمويل. “الشرعية” تحولت إلى تسمية بلا مضمون سيادي، و”الجيش الوطني” إلى مفارقة لغوية أكثر منه توصيفاً واقعياً، فيما تتنازع بقية التشكيلات بين مشاريع ضيقة، لا ترى في اليمن سوى خارطة قابلة للتجزئة.

أما على الضفة الإقليمية، فالصمت السعودي تجاه تطورات الجوف ليس تفصيلاً. بعد سنوات من الاستنزاف، تبدو الرياض وكأنها تعيد حساباتها: من المواجهة المفتوحة إلى البحث عن مخرجٍ يحفظ ما يمكن حفظه. مفاوضات عُمان، التي تجري بعيداً عن ضجيج الحلفاء المحليين، تعكس هذا التحول بوضوح. هناك إدراك متزايد بأن أدوات الأمس لم تعد صالحة، وأن كلفة استمرار الوضع القائم تفوق كلفة التفاهم مع الخصم.

في هذا السياق، لا يبدو مستبعداً أن تتقاطع المصالح – ولو مؤقتاً – عند نقطة إعادة ترتيب الداخل اليمني، حتى لو كان ذلك على حساب قوى استُخدمت طويلاً كأدوات. فالتاريخ السياسي مليء بحلفاء مؤقتين انتهى دورهم بمجرد انتهاء الحاجة إليهم.

الخلاصة أن ما حدث في الجوف ليس نهاية فصل، بل بداية فصلٍ أكثر وضوحاً. اليمن، الذي تمزق بين مشاريع الخارج، يقترب – ربما – من لحظة يُعاد فيها تعريف الداخل. بين من يملك قراره، ومن يُدار به، تتحدد ملامح المرحلة القادمة… وعلى هذا الأساس، ستُكتب الجملة التالية في نصٍ لم ينتهِ بعد.

نقلا عن موقع الاحقاف نيوز

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى