طائرات مجهولة في سماء الجنوب.. من يدير السيرك؟

طائرات مجهولة في سماء الجنوب.. من يدير السيرك؟
كتب عدنان باوزير
في البلدان الطبيعية، حين تظهر طائرات مسيّرة مجهولة الهوية فوق المدن والقواعد العسكرية، تهرع السلطات إلى التحقيق، وتصدر البيانات، وتكشف الحقائق للرأي العام.
أما في المحافظات الجنوبية الواقعة تحت سلطة “الشرعية” وحلفائها، فالأمر مختلف تماماً؛ إذ يبدو أن الطائرات المجهولة أصبحت جزءاً من المشهد اليومي، مثل انقطاع الكهرباء، وغياب المياه، وأزمات الغاز والبترول، وانهيار الخدمات، وتبخر الدولة نفسها.
بدأت الحكاية من المكلا، حين ظهرت مسيّرات غامضة لا يعرف أحد من أين جاءت ولا إلى أين تذهب. ثم انتقلت العدوى إلى عدن، حيث استهدفت مخزناً للأسلحة في أحد معسكرات قوات العمالقة، مخلفة عشرات القتلى والجرحى. واليوم تحط رحالها في سيئون، حيث تتواتر الأنباء عن استهداف مقر المنطقة العسكرية الأولى، فيما يواصل الجميع أداء دور المتفرج المندهش.
ومن فرط الغموض، بات من حق المواطن أن يسأل: من أين تأتي هذه الطائرات؟، ومن الذي يشغلها؟ ومن الذي يسمح لها بالتحليق؟
وما الذي تقصفه بالضبط؟
ولماذا لا يملك أحد إجابة؟
أم أن المطلوب من الناس أن يقتنعوا بأن هذه المسيّرات جاءت من كوكب المريخ، وأنها تتحرك ذاتياً وفق برنامج سياحي لاستكشاف معسكرات الجنوب؟ وربما تكون طائرات فضائية وصلت بالخطأ إلى حضرموت وعدن، وقررت أن تمارس هواية قصف مخازن الذخيرة قبل العودة إلى مجرتها الأصلية!
أما إذا تركنا الخيال العلمي جانباً، فإن الاحتمالات الأرضية لا تبدو أقل إثارة للسخرية.
هل نحن أمام فصل جديد من الصراع الخفي بين الرياض وأبوظبي، ذلك الصراع الذي ظل لسنوات يُدار خلف الستار بينما يُطلب من الجميع التصفيق لشعار “التحالف”؟
أم أن الأمر مجرد جولة أخرى من حروب الوكلاء والفصائل المتناسلة داخل معسكر “الشرعية” نفسه، حيث أصبح عدد البنادق الموجهة إلى الحلفاء يكاد يساوي عدد البنادق الموجهة إلى الخصوم؟
أم أن هناك أطرافاً جديدة دخلت المسرح، بينما لا يزال الجمهور يتابع العرض دون أن يعرف أسماء الممثلين؟
وفي خضم هذا العبث، يبرز سؤال أكثر مرارة: أين الدولة؟ لا أحد يعرف.
فالكهرباء غائبة، والمياه تتوارى، والغاز حلم منزلي بعيد المنال، والبترول سلعة نادرة، والعملة تتهاوى، والمواطن يزداد فقراً كل يوم.
أما الحكومة، فقد نجحت في تحقيق إنجاز استثنائي يتمثل في الغياب الكامل عن المشهد، حتى كأنها كائن أسطوري يتحدث الناس عنه ولا يراه أحد.
وإذا كانت الطائرات المجهولة تحلق في السماء، فإن المجهول الأكبر لا يزال على الأرض.
ففي الوقت الذي تتداول فيه الأوساط المحلية أخباراً عن وصول وانتشار قوات باكستانية في حضرموت، لا يجد المواطن تفسيراً واضحاً: لماذا جاءت؟ وما مهمتها؟ ومن الذي استدعاها؟ وإلى أي مشروع تنتمي؟
أسئلة كثيرة تتراكم فوق أسئلة أخرى، بينما يزداد المشهد ضبابية يوماً بعد آخر.
والنتيجة أن الجنوب اليوم يبدو كرقعة شطرنج هائلة، تتزاحم فوقها الجيوش المحلية والإقليمية، والفصائل المتنافسة، والقواعد العسكرية، والطائرات المجهولة، والقوات الأجنبية، فيما يغيب اللاعب الحقيقي الوحيد: المواطن.
ذلك المواطن الذي لا تعنيه كثيراً هوية المسيّرة التي تحلق فوق رأسه، بقدر ما يعنيه أن يجد كهرباء في بيته، وماءً في صنبوره، وغازاً في مطبخه، وراتباً يكفي أسرته.
لكن يبدو أن هذه المطالب البسيطة أصبحت أكثر تعقيداً من معرفة هوية تلك الطائرات الغامضة.
وفي انتظار كشف أسرار المسيّرات المجهولة، يواصل المواطن الجنوبي مشاهدة هذا العرض العبثي الطويل، حيث الجميع مسلحون، والجميع متهمون، والجميع ضحايا، والجميع شركاء في الوقت نفسه.
أما الحقيقة، فهي الشيء الوحيد الذي لا يملك جناحين ليحلق في هذه السماء المكتظة بالطائرات.
نقلا عن موقع الأحقاف نيوز





