تقارير

عيسى في الجنوب: واشنطن تختبر «المناطق التجريبية» وسط تعقيدات الميدان

عيسى في الجنوب: واشنطن تختبر «المناطق التجريبية» وسط تعقيدات الميدان

 

 

■ جنوب لبنان _ أحمد موسى

 

_لم تكن جولة السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى في جنوب لبنان، الثلاثاء، زيارة ميدانية بروتوكولية عابرة. اختيار زوطر الغربية وقاعقعية الجسر تحديداً، ومرافقة وفد من مجلس الإنماء والإعمار، وضعا الجولة في قلب واحد من أكثر الملفات حساسية في المرحلة الراهنة: هل يمكن تحويل المناطق التجريبية إلى نموذج قابل للتوسع، أم أن الميدان لا يزال يسبق المسار السياسي؟._

 

فالزيارة جاءت في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يتقاطع فيها الملف اللبناني–الإسرائيلي مع ترتيبات أمنية أميركية، ومسار تفاوضي لم يصل بعد إلى خواتيمه، واستمرار عمليات عسكرية للعدو الإسرائيلي في الجنوب، بالتوازي مع محاولة الدولة اللبنانية تثبيت حضور الجيش وإعادة الحياة إلى المناطق التي تعرضت للتهجير والدمار.

 

زوطر الغربية… الاختبار في قلب الجغرافيا الساخنة

 

لم يكن اختيار زوطر الغربية تفصيلاً جغرافياً.

فالبلدة تقع في مواجهة زوطر الشرقية، حيث لا يزال الوجود الإسرائيلي قائماً وفق التقارير الميدانية، فيما شهدت المنطقة خلال زيارة عيسى تحركات لآليات عسكرية إسرائيلية وتحليق مسيّرة في أجواء الموقع الذي كان فيه السفير. وبذلك، بدت الجولة وكأنها معاينة مباشرة للفارق بين المسار المعلن للانسحاب وانتشار الجيش اللبناني وبين واقع ميداني لم يستقر نهائياً.

 

وهنا تبرز دلالة «المناطق التجريبية»: فالفكرة لا تختبر انتشار الجيش اللبناني فقط، بل تختبر أيضاً قدرة الدولة على استعادة وظائفها الأمنية والخدماتية والعمرانية في بيئة لا تزال عرضة للضغط العسكري والتوتر السياسي.

 

واشنطن ترى الجنوب من زاوية الدولة

 

البيان الأميركي الذي أعقب الجولة كان واضحاً في تحديد العناوين: دعم الحكومة اللبنانية والجيش، تعزيز سلطة الدولة، حماية المدنيين، توفير الخدمات، وتهيئة الظروف التي تسمح بسلام واستقرار دائمين.

 

لكن هذه العناوين، على أهميتها السياسية، تطرح سؤالاً أكبر: هل يتحول دعم الدولة إلى آلية تنفيذية متكاملة، أم يبقى في إطار الموقف السياسي والدبلوماسي؟.

 

فالسكان لا ينتظرون فقط تثبيت خطوط أمنية؛ بل يحتاجون إلى طرق وجسور ومؤسسات محلية ومنازل وخدمات وفرص للعودة. وجولة عيسى على جسر قاعقعية الجسر، الذي دُمّر خلال الحرب ويجري العمل على إنشاء بديل مؤقت له، جعلت ملف إعادة الإعمار جزءاً من المشهد نفسه.

 

من «وقف النار» إلى اختبار ما بعده

 

المعادلة الجنوبية لم تعد تختصر في سؤال: هل تتوقف العمليات العسكرية؟.

الاختبار انتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً: من يضمن الأمن؟ من يدير الأرض؟ من يعيد الإعمار؟ وكيف تتم العودة؟.

 

وهذه الأسئلة تتقاطع مع الإطار الأميركي الذي ربط المناطق التجريبية بانتشار الجيش اللبناني وانسحاب إسرائيلي تدريجي، في مسار لا يزال مرتبطاً أيضاً بملف سلاح _ حزب الله وبالتفاهمات اللبنانية–الإسرائيلية.

 

ومن هنا، فإن زيارة عيسى يمكن قراءتها باعتبارها محاولة أميركية لقياس المسافة بين النص السياسي والواقع الميداني: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تثبت حضورها في المناطق التي تنتقل إليها مسؤولية الأمن؟ وهل يستطيع الأهالي العودة قبل اكتمال شروط الاستقرار؟ وهل يمكن أن تتحول هذه التجربة إلى صيغة أوسع جنوباً؟

 

الميدان الإقليمي حاضر في خلفية الجولة

 

لا يمكن فصل المشهد الجنوبي عن البيئة الإقليمية الأوسع. فالجنوب اللبناني بات جزءاً من شبكة تفاوضية تتداخل فيها واشنطن وتل أبيب وبيروت، فيما تبقى التطورات الإقليمية مؤثرة في حسابات الأمن والتهدئة. وفي هذا السياق، فإن أي تقدم في الجنوب لا يتعلق فقط بالوضع المحلي، بل بقدرة الوسطاء على منع عودة التصعيد وإبقاء المسار السياسي مفتوحاً.

 

وتأتي الجولة أيضاً بعد زيارة الرئيس جوزاف عون للمنطقة، وفي وقت يستمر فيه النقاش حول تنفيذ الإطار وآليات الانتقال من الترتيبات الأمنية إلى مرحلة أكثر استقراراً. كما أن تقارير اليوم نفسه تحدثت عن استمرار القصف الإسرائيلي في مناطق جنوبية، ما يعكس التناقض بين المسار الدبلوماسي الجاري وبين الوقائع العسكرية على الأرض.

 

عيسى أمام معادلة ثلاثية

 

من زاوية سياسية–ميدانية، يمكن اختزال الرسالة الأميركية في ثلاثة مسارات متوازية:

أولاً: تثبيت دور الجيش اللبناني ومؤسسات الدولة باعتبارهما الطرف الرسمي المسؤول عن الأمن والخدمات.

 

ثانياً: دفع ملف عودة السكان وإعادة الإعمار إلى الواجهة باعتباره شرطاً للاستقرار وليس نتيجة مؤجلة له.

 

ثالثاً: اختبار قدرة «المناطق التجريبية» على الصمود أمام الوقائع الأمنية والسياسية، تمهيداً لمعرفة ما إذا كان النموذج قابلاً للتعميم.

 

لكن المسار يبقى محكوماً بعامل حاسم: الوقائع الميدانية.

 

فما دام الوجود الإسرائيلي مستمراً في أجزاء من المنطقة، وما دامت عمليات الهدم والقصف والتحركات العسكرية قائمة، فإن الانتقال من «منطقة تجريبية» إلى منطقة مستقرة سيبقى مرتبطاً بمدى نجاح التفاهمات السياسية في إنتاج تغيير فعلي على الأرض.

 

الجنوب بين اختبار الدولة واختبار التفاهم الدولي

 

في المحصلة، لم تكن جولة ميشال عيسى مجرد زيارة للاطلاع على أحوال الأهالي، بل بدت أقرب إلى معاينة ميدانية لنموذج سياسي وأمني يجري اختباره في ظروف شديدة الحساسية.

 

فالولايات المتحدة تتحدث عن الدولة والجيش وحماية المدنيين والعودة، بينما يختبر الجنوب يومياً مدى قدرة هذه العناوين على الصمود أمام استمرار التوتر والاحتلال والتدمير.

 

وبينما يريد الأهالي العودة إلى قراهم، تريد الدولة تثبيت حضورها، وتريد واشنطن اختبار ترتيباتها، وتواصل إسرائيل فرض وقائعها الميدانية، يبقى السؤال المركزي مفتوحاً:

 

هل تنجح «المناطق التجريبية» في تحويل التفاهم السياسي إلى واقع أمني وإنمائي، أم يكشف الميدان أن التسوية لا تزال أسبق من شروطها؟.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى