لقائي الأول مع الحسين

لقائي الأول مع الحسين
كتب / عدنان باوزير
لم ألتقِ الحسين في منبر، ولم أتعرف إليه في مسجد، ولم يأخذني إليه شيخ ولا خطيب.
لقد التقيته وحيدًا..بين صفحات كتاب.
كنت فتى يافعًا في المرحلة الإعدادية، لا أعرف من الدين إلا اسمه، ولا يشغلني من التاريخ إلا ما يمر في كتب المدرسة مرور الغريب العابر. وفي ظل النظام الذي نشأت فيه، كان الدين هامشًا صغيرًا في الحياة، ومادة دراسية بالكاد تستحق الالتفات؛ فكل المواد كانت درجتها مئة، إلا مادة الدين التي لم تكن تساوي أكثر من عشرين درجة.
في تلك الأيام وقعت بين يدي مصادفة رواية بعنوان: «كربلاء».
كربلاء؟ ما هذا الاسم؟ ومن يكون الحسين؟
لم أكن أعرف شيئًا، لا شيئًا على الإطلاق.
بدأت القراءة بدافع الفضول، وانتهيت منها وأنا شخص آخر.
كنت أقلب الصفحات، فإذا بالصفحات تقلبني، كنت أقرأ الكلمات، فإذا بالكلمات تقرأ روحي، ومع كل فصل كانت قبضة غامضة تعتصر قلبي أكثر فأكثر، حتى وجدت نفسي أسيرًا لحكاية لم أكن أعرف أن التاريخ قادر على إنجاب مثلها، ثم جاءت الطعنة.
ذلك المشهد الذي ما زال حيًا في ذاكرتي رغم مرور العمر، ذلك المشهد الذي لم يترك لطفولتي براءتها بعده.
رأيت الحسين يحمل طفله الرضيع، رأيته يرفعه إلى القوم، لا يطلب مُلكًا، لا يطلب بيعة، لا يطلب كنزًا.
لا يطلب إلا جرعة ماء لطفل يابس الشفتين، محترق الحلق، يذوب بين يديه من العطش.
لحظة واحدة فقط كنت أنتظر فيها أن تستيقظ ذرة إنسانية في أولئك القوم، لحظة واحدة كنت أظن أن السيوف ستنكسر خجلًا، أن الرماح ستنخفض حياءً، أن القلوب الحجرية ستلين أمام رضيع لا يعرف من الدنيا سوى حضن أبيه.
لكن الذي انطلق لم يكن الماء، كان سهمًا.
سهمًا مزق عنق الطفل، وأطفأ أنفاسه الصغيرة، وأحرق ما تبقى من يقيني بأن الإنسان لا يمكن أن يهبط إلى هذا الدرك.
أذكر أنني أغلقت الكتاب يومها، ولم أستطع إكمال القراءة.
بكيت.. بكيت كما يبكي الأطفال حين تنكسر الدنيا في أعينهم، ولم أفهم، والله لم أفهم.
كيف؟
كيف يمكن أن يحدث هذا؟
كيف يمكن لأمة لم يمضِ على رحيل نبيها سوى عقود قليلة أن تذبح حفيده؟
كيف يمكن لأناس كانوا يسمعون القرآن أن يقتلوا ابن من نزل القرآن في بيته؟
كيف يمكن أن يتحول البشر بهذه السرعة من أمة نبي إلى قتلة سبط نبي؟
كانت الأسئلة أكبر من عمري، وأكبر من قدرتي على الفهم.
ولأنني لم أكن متدينًا أصلًا، فقد أدركت لاحقًا أن الذي أبكاني لم يكن الانتماء المذهبي، ولا التربية الدينية، ولا أي اعتبارات عقائدية.
لقد أبكتني الفطرة، الفطرة وحدها.
ذلك الجزء النقي من الإنسان الذي ينتفض أمام الظلم حتى قبل أن يتعلم أسماء الأشياء.
ومن يومها بدأت معركتي الطويلة مع الحيرة، قلت ربما هي مبالغة، ربما روائي أراد أن يصنع مأساة تبيع أكثر.
لكن كيف تكون مبالغة وهو يذكر الأسماء الحقيقية، والأماكن الحقيقية، والتواريخ الحقيقية؟
ثم كيف يكون حقدًا طائفيًا كما يزعم البعض، والرجل نفسه مسيحي؟
كنت أبحث عن أي مخرج، أي منفذ، أي ثغرة أهرب منها من ثقل هذه الحقيقة.
لكن الحقيقة كانت تطاردني في كل مكان.
ومع مرور السنين اكتشفت أن أكثر الناس لا يواجهون كربلاء. إنهم يهربون منها.
بعضهم يدفنها تحت عبارة قصيرة باردة: “تلك فتنة وانتهت.”
وكأن الدم إذا جف اختفت الجريمة.
وكأن النسيان شكل من أشكال العدالة.
وبعضهم يلغي عقله بالكامل، ويستسلم لذلك السؤال الكسول:
هل يُعقل أن يكون الجميع مخطئين، وأنت وحدك المصيب؟
وظل هذا الحاجز يطاردني سنوات طويلة.
حتى جاء عصر الفضائيات، ثم الإنترنت، ثم زمن الصورة التي تفضح الكذب.
وعندها فقط فهمت.
إذا كانت الحقائق اليوم تُزوّر أمام أعيننا ونحن نشاهدها مباشرة، وإذا كانت الوقائع تُقلب رأسًا على عقب ونحن نراها بالصوت والصورة، فكيف بتاريخ كتبه المنتصرون، وصاغته قصور الحكام، وتوارثته أجيال تحت سطوة السيف والسلطان؟
نعم… معقول، بل معقول جدًا.
فالتاريخ ليس دائمًا ما حدث.
بل كثيرًا ما يكون ما أراد الأقوياء للناس أن يعتقدوا أنه حدث.
ولولا أن البشر كسروا هذا المنطق عبر العصور لما آمن أحد بنبي أصلًا.
ألم يكن هذا هو منطق قريش نفسه؟
كيف يكون الآباء والأجداد على ضلال، ومحمد ورهطه المستضعفون وحدهم على حق؟ لكن الحق لم يكن يومًا تابعًا للكثرة، ولم تكن الحقيقة يومًا رهينة الجمهور.
ثم أدركت شيئًا آخر.
أدركت أن الذي جذبني إلى الحسين لم يكن مقتله فحسب، وإن كان هذا لوحده مزلزلا.
بل موقفه. لقد كان رجلًا رفض أن يبيع نفسه، رفض أن يوقع على الذل، رفض أن يمنح الشرعية للطغيان.
ووقف وحيدًا تقريبًا في وجه عالم كامل.
ولهذا بقي، بينما تلاشى كثير ممن حاربوه في هوامش التاريخ.
لقد كان الحسين سيد الثوار.
وكنت وما زلت أميل إلى الثورة على كل ظلم.
وكان سيد الأحرار.
وأنا أحاول منذ سنوات عمري الأولى أن أتعلم معنى الحرية.
وكان سيد الشهداء.
فصار اسمه كلما مرّ أمامي يوقظ في داخلي ذلك الفتى القديم الذي أغلق كتاب «كربلاء» ذات ليلة، وجلس يبكي بصمت، عاجزًا عن تصديق أن البشرية قادرة على ارتكاب كل هذا الخراب.
ومنذ ذلك اليوم لم تعد كربلاء حادثة قرأتها، بل جرحًا عرفته.
ولم يعد الحسين اسمًا سمعته، بل قضية سكنتني.
لا يوم كيومك يا أبا عبدالله.
السلام على الحسين…
وعلى علي بن الحسين…
وعلى أولاد الحسين…
وعلى أصحاب الحسين…
وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك.
نقلا عن موقع الأحقاف نيوز






