وحدة الساحات… معركة مصير

وحدة الساحات… معركة مصير
بقلم/ محمد الصالحي
لم تعد هذه الحرب خياراً يمكن تفاديه، بل باتت نتيجة حتمية لمسار طويل من الاستنزاف الذي تعرض له محور الجهاد والمقاومة، سواء عبر حروب الوكالة التي أدارتها خصومه في المنطقة، أو من خلال نمط المواجهات المنفردة التي خاضها كل طرف على حدة رغم وجود دعم متبادل. لقد أتاح هذا الشكل المجزأ من الاشتباك لخصوم المحور إدارة الصراع بكلفة أقل، وبقدرة أعلى على التحكم في مساراته ونتائجه.
اليوم، يتغير المشهد بصورة جذرية، إذ ينتقل المحور من حالة التفاعل المتفرق إلى الاشتباك الجماعي المباشر في مواجهة الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي. وهذا التحول لا يمثل مجرد تصعيد عسكري، بل يعكس انتقالاً نوعياً من مرحلة الاحتواء والتفكيك إلى مرحلة الاشتباك الشامل، بما يجعل هذه الحرب لحظة مفصلية مرشحة لإعادة تشكيل موازين القوى، ليس على مستوى الإقليم فحسب، بل على امتداد بنية النظام الدولي.
تتجسد “وحدة الساحات” بوصفها نمطاً جديداً في إدارة الصراع، حيث لم يعد الاشتباك قائماً على جبهات منفصلة، بل على توزيع وظيفي متكامل تتحرك فيه أطراف المحور ضمن مسارات متعددة تخدم هدفاً استراتيجياً واحداً. ففي الوقت الذي يواصل فيه حزب الله تفعيل الجبهة الجنوبية واستنزاف عمق الأراضي المحتلة لفرض معادلة ردع مستمرة، تعمل المقاومة العراقية على استهداف القواعد العسكرية الأمريكية في العراق وسوريا، بما يرفع كلفة الوجود الأمريكي ويعيد تعريف جدواه الاستراتيجية. وفي المقابل، تتجه إيران نحو توسيع نطاق انخراطها، ليس فقط عبر الضغط على الانتشار العسكري الأمريكي في الخليج والمحيط الهندي، بل من خلال استهداف عمق الأراضي المحتلة بشكل مباشر، إلى جانب امتلاكها أوراق تأثير سيادية كإمكانية إغلاق مضيق هرمز، بما يمنحها قدرة تأثير تمتد إلى الاقتصاد العالمي. أما اليمن، فيبرز كفاعل حاسم في خنق خطوط الإمداد البحرية عبر تهديد الملاحة في مضيق باب المندب واستهداف الأهداف المعادية في البحرين الأحمر والعربي، إضافة إلى الضغط على الجبهة الجنوبية للأراضي المحتلة.
هذا التكامل في الأدوار لا يعكس مجرد تنسيق ميداني، بل يكشف عن نمط جديد من الحروب المركبة، حيث يتم استنزاف الخصم وتشتيته عبر مسارح عمليات متعددة ومتزامنة. وهو ما يضع الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي أمام معادلة أكثر تعقيداً، إذ لم يعد بالإمكان تركيز القوة في جبهة واحدة، بل يصبحان مضطرين لتوزيع مواردهما وقدراتهما على امتداد جغرافي واسع، الأمر الذي يرفع كلفة المواجهة عسكرياً واقتصادياً واستراتيجياً، ويضاعف من هشاشة خطوط الطاقة والتجارة الدولية.
كما أن هذا النمط من الاشتباك يقلص من فاعلية التفوق العسكري التقليدي، إذ لم يعد الحسم رهناً بالقوة النارية وحدها، بل بمدى القدرة على إدارة التزامن والانتشار والضغط متعدد الاتجاهات. وهو ما يمنح قوى المحور أفضلية نسبية في إطالة أمد الصراع واستنزاف الخصم. وإذا ما استمر هذا المستوى من التنسيق، فإن مسار المعركة قد يتجه نحو فرض معادلات ردع جديدة، تُجبر الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي على إعادة حساباتهما الاستراتيجية، وربما القبول بواقع إقليمي مختلف تتراجع فيه القدرة على فرض الإرادة بالقوة، مقابل صعود توازنات قائمة على تعدد الجبهات وتشابكها.
وفي المحصلة، لم تعد “وحدة الساحات” مجرد تكتيك ميداني عابر، بل تحولت إلى عقيدة صراع جديدة تعيد تعريف طبيعة الحروب في المنطقة، وتفرض معادلات اشتباك تتجاوز قدرة الخصم على الاحتواء أو الحسم السريع. فكلما اتسعت رقعة الاشتباك وتداخلت مساراته، تآكلت فاعلية التفوق التقليدي، وتزايدت كلفة الهيمنة إلى حدٍ يفوق قدرتها على الاستمرار.
إن ما يجري اليوم لا يحدد فقط مآلات جولة من الصراع، بل يرسم ملامح مرحلة دولية آخذة في التشكل، تتراجع فيها قدرة القوة المنفردة على فرض إرادتها، مقابل صعود أنماط جديدة من التوازن تقوم على التشابك والتعدد والقدرة على الاستنزاف طويل الأمد. وعليه، فإن هذه المعركة، بكل تعقيداتها وتشابكاتها، ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار تاريخي لمستقبل النظام الإقليمي، وربما لنهاية حقبة وبداية أخرى تتغير فيها قواعد اللعبة بشكل جذري.
نقلا عن موقع صحيفة شمس اليوم التونسية






