حين يصنع الرجال النصر.. تعز والساحل الغربي على طريق مرحلة جديدة ومسؤولية أكبر أمام الدولة

حين يصنع الرجال النصر.. تعز والساحل الغربي على طريق مرحلة جديدة ومسؤولية أكبر أمام الدولة
بقلم – عبدالله الضلعي
في اللحظات الفارقة من تاريخ الشعوب تبرز محطات لا تُنسى وتبقى في ذاكرة الأجيال شاهدة على ما يمكن أن يصنعه الرجال حين تتقدم الإرادة والثبات والتضحية في مواجهة أصعب الظروف.
وفي اليمن تمثل الانتصارات الميدانية التي حققتها القوات المسلحة اليمنية وما رافقها من تقدم وتغيرات في جبهات تعز والساحل الغربي محطة يعتز بها أنصارها ويرون فيها ثمرة لصمود طويل وتضحيات كبيرة قدمها المقاتلون في مختلف الجبهات.
ومهما اختلفت المواقف السياسية تجاه الحرب وتطوراتها فإن حجم التضحيات التي قدمها اليمنيون خلال سنوات الصراع يجعل من واجب المرحلة الجديدة أن تتجه نحو حماية الإنسان اليمني وصون كرامته وإعادة بناء مؤسسات الدولة وإنهاء آثار الحرب على المجتمع.
الانتصار العسكري بداية مسؤولية جديدة
إن أصعب مراحل الحروب ليست دائماً لحظة تحقيق التقدم العسكري وإنما ما يأتي بعدها.فحين تنتقل منطقة من حالة المواجهة إلى مرحلة الاستقرار تبدأ مسؤولية أخرى لا تقل أهمية عن مسؤولية الميدان: مسؤولية إدارة المجتمع وحماية المواطنين وإعادة الخدمات وترميم المؤسسات ومعالجة آثار السنوات الصعبة وفتح صفحة جديدة مع أبناء المنطقة.
ولهذا فإن أي إنجاز عسكري لا ينبغي أن يكون نهاية المطاف بل يجب أن يتحول إلى فرصة لبناء نموذج أفضل في الإدارة والحكم وإلى مناسبة لإثبات أن الدولة قادرة على الانتقال من منطق المعركة إلى منطق المؤسسات.
الوفاء للشهداء.. مسؤولية لا تنتهي
وفي خضم الحديث عن الانتصارات لا يمكن أن تغيب عن الذاكرة أسماء الرجال الذين قدموا أرواحهم ثمناً لما تحقق. فالشهداء هم أصحاب التضحية الأكبر وما تركوه خلفهم ليس مجرد ذكرى تستعاد في المناسبات وإنما أمانة ومسؤولية على عاتق الأحياء.ومن هذا المنطلق فإن الوفاء الحقيقي للشهداء لا يكون بالكلمات وحدها ولا برفع الشعارات وإنما بالحفاظ على ما ضحوا من أجله وبناء واقع يليق بتضحياتهم وصون المجتمع من العودة إلى الفوضى والانقسام والعمل على أن تكون نتائج سنوات التضحيات في خدمة الإنسان والوطن.
إن كل مسؤول وكل موظف وكل صاحب موقع عام معني بأن يسأل نفسه: ماذا قدمت بعد كل هذه التضحيات؟ وهل أسهمت في بناء الدولة وخدمة الناس؟ وهل كان أدائي على مستوى المسؤولية التي تفرضها دماء من فقدوا حياتهم؟
وهنا يصبح العمل الجاد والنزاهة والانضباط والعدل وحسن إدارة مؤسسات الدولة ومكافحة الفساد وحماية حقوق المواطنين صورا” عملية من صور الوفاء للشهداء.
الاسترشاد بالتوجيهات العامة للقيادة
كما أن مرحلة ما بعد الحرب تحتاج إلى الاستماع بجدية إلى الرؤى والتوجيهات التي تطرحها القيادة بشأن كيفية حماية ما تحقق وتجنب الأخطاء وتعزيز التماسك الداخلي والانتقال من ظروف المواجهة إلى مرحلة البناء.وفي هذا السياق فإن خطب ومحاضرات السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي بما تتضمنه من رؤى وتوجيهات عامة بشأن المسؤولية الوطنية والاجتماعية وإدارة المرحلة يمكن أن تشكل مرجعاً مهماً لأنصار هذا النهج في فهم أولويات المرحلة شريطة أن تتحول التوجيهات إلى عمل مؤسسي مسؤول لا أن تبقى مجرد عبارات تتردد في الخطابات.
فالقيمة الحقيقية لأي توجيه تظهر عندما ينعكس على أداء المسؤول في مكتبه وعلى تعامل الموظف مع المواطن وعلى أداء المؤسسة في تقديم خدماتها وعلى قدرة الدولة على معالجة الأخطاء والاستماع إلى الشكاوى ومحاسبة المقصرين.
والوفاء للشهداء يقتضي كذلك ألا تتحول تضحياتهم إلى مبرر للتجاوز أو الإساءة إلى المواطنين بل إلى دافع لمزيد من الحكمة والانضباط والعدل. فكلما ارتفع مستوى المسؤولية في مؤسسات الدولة كان ذلك أبلغ تعبير عن تقدير تضحياتهم.
المواطن ليس خصماً
أهم ما ينبغي أن تدركه مؤسسات الدولة في المناطق التي تدخل مرحلة الاستقرار هو أن المواطن لا ينبغي أن يُعامل على أساس موقفه السياسي أو ماضيه أو مكان إقامته.
المواطن مواطن، وحقوقه مصونة بالقانون وممتلكاته وكرامته وحريته يجب أن تكون محل حماية مؤسسات الدولة.وهنا تبرز أهمية مراجعة الأخطاء السابقة بكل شجاعة وعدم السماح بتكرارها. فالخطأ الفردي قد يتحول في نظر الناس إلى صورة عن المؤسسة بأكملها والتجاوز المحدود قد يترك أثراً واسعاً في المجتمع.
أما حسن التعامل والإنصاف والاستماع إلى الناس وسرعة معالجة الشكاوى واحترام القانون وحماية الممتلكات وتوفير الخدمات فهي أمور قادرة على بناء الثقة بصورة أعمق من أي خطاب إعلامي.
الحاضنة الاجتماعية هي ركيزة الاستقرار
لا يمكن لأي سلطة أن تحقق استقراراً دائماً بالقوة وحدها. فالمجتمع شريك أساسي في صناعة الأمن والاستقرار.ومن هنا فإن كسب ثقة أبناء المناطق التي تدخل مرحلة جديدة يجب أن يكون هدفاً رئيسياً للمرحلة القادمة من خلال التعامل معهم باعتبارهم جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني وإشراك الكفاءات المحلية في عملية البناء والإدارة والاستماع إلى مختلف الأصوات ومعالجة المظالم وفق القانون.وكلما شعر المواطن بأن الدولة جاءت لتحميه وتخدمه وتحفظ حقوقه لا لتصنفه أو تنتقم منه أصبحت مهمة تثبيت الاستقرار أكثر سهولة وتراجعت آثار سنوات الانقسام والصراع.
أمام المسؤولين مهمة وطنية كبرى
إن المسؤولية أمام حكومة صنعاء ومؤسساتها في المرحلة القادمة كبيرة ولا ينبغي أن تكون الأولوية للاحتفال بالإنجازات الميدانية فقط وإنما لتحويل تلك الإنجازات إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.فالناس تريد الأمن والقضاء العادل والخدمات والوظيفة والتعليم والصحة والأسواق المستقرة وحماية حقوقها ومؤسسات تعمل وفق القانون.وهذه هي الصورة التي ستبقى في ذاكرة المواطن.فإذا نجحت مؤسسات الدولة في تقديم نموذج إيجابي في المناطق التي تدخل مرحلة الاستقرار فإن ذلك سيكون إنجازاً سياسياً واجتماعياً وإدارياً يتجاوز أثره حدود المنطقة نفسها.
الحكمة في إدارة القوة
القوة التي تحسم معركة تستطيع أن تحقق تقدماً في الميدان لكن الحكمة في إدارة المرحلة التالية هي التي تصنع الاستقرار.ولهذا فإن المرحلة المقبلة تتطلب من المسؤولين مضاعفة الجهود ورفع مستوى الأداء ومراجعة التجارب السابقة والاستفادة من مكامن القوة ومعالجة جوانب القصور ووضع المواطن في مقدمة الأولويات.كما تتطلب توحيد الخطاب الرسمي والانضباط في أداء المؤسسات والابتعاد عن ردود الأفعال وترسيخ مبدأ أن الدولة للجميع وأن القانون فوق الجميع.
إن اليمنيين الذين تحملوا سنوات الحرب يستحقون أن يروا ثمرة صمودهم في صورة دولة أكثر حضوراً، ومؤسسات أكثر كفاءة ومجتمع أكثر تماسكاً.
من الميدان إلى البناء
إن الاعتزاز بالتضحيات والانتصارات العسكرية لا يتعارض مع إدراك أن معركة البناء أكثر اتساعاً وأطول زمناً.فإذا كان رجال الميدان قد تحملوا مسؤوليتهم في ساحات القتال فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق المسؤولين والموظفين والمؤسسات والمجتمع بأسره: أن يحافظوا على ما تحقق وأن يمنعوا الأخطاء وأن يحولوا التحولات العسكرية إلى استقرار وتنمية وعدالة.
كما تتطلب المرحلة الاستفادة من التوجيهات والرؤى التي تطرحها القيادة السياسية والثورية وفي مقدمتها ما يصدر عن قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي ورئيس المجلس السياسي الأعلى مهدي محمد المشاط وترجمتها إلى سياسات وممارسات مؤسسية تخدم المواطن وتحافظ على تماسك المجتمع.
فالتوجيه لا تكتمل قيمته بمجرد الاستماع إليه وإنما حين يتحول إلى سلوك ومسؤولية وأداء وحين يجد المواطن أثره في الأمن والخدمات والإدارة والعدالة.
إن أعظم وفاء لتضحيات الرجال هو أن تتحول نتائج المعارك إلى حياة أفضل للمواطنين وأن تصبح المناطق التي عانت من الحرب نموذجاً للأمن والاستقرار وأن يشعر كل يمني بأن الدولة التي ينتمي إليها هي دولة تحميه وتصون كرامته وتفتح أمامه أبواب المستقبل.
فالانتصار الذي يحفظ الأرض إنجاز أما الانتصار الذي يحفظ الإنسان ويبني الدولة ويجمع المجتمع فهو الإنجاز الأعظم والشهداء الذين قدموا أرواحهم هم في وجدان من يعتز بتضحياتهم ثمرة هذه المسيرة وضميرها الحي ولذلك فإن الحفاظ على ما تحقق وتجنب الأخطاء وحسن التعامل مع المواطنين وبناء مؤسسات قوية وعادلة هي المسؤولية التي تضعها تضحياتهم على عاتق الجميع.
فالمعركة تنتهي عندما تصمت البنادق أما الوفاء الحقيقي للشهداء فيبدأ عندما تبدأ مسؤولية البناء وعندما تتحول التضحيات إلى دولة أكثر عدلاً ومجتمع أكثر أمناً وحياة أكثر كرامة لكل أبناء اليمن.






