مقالات وآراء

المسمار الأعوج لا يستقيم إلا بالطرق

المسمار الأعوج لا يستقيم إلا بالطرق

 

بقلم / محمد الصالحي

 

في لحظة تنمّ عن قصر نظر دبلوماسي مأزوم وسقوط مدوٍّ في الفخاخ الفكرية التي تصنعها غرائز الغطرسة والاعتداد بالذات، خرج سفير النظام السعودي محمد آل جابر بمقال يحمل عنوانًا استعار فيه المثل الشهير: «إذا كان تفكيرك مطرقة فسترى كل شيء مسماراً». أراد الرجل، عن جهل سياسي مدقع أو مكابرة وتملص مفضوح، أن يمارس طقوس التنصل من المسؤولية ولعب دور المظلومية، وأن يلبس رداء الضحية المسكينة التي تقع تحت وطأة التصرفات الحادة للمتغيرات، لكنه بسذاجة منقطع النظير وقع في الفخ الذي حفره بنفسه ونسجه بيديه؛ لقد وضع نظامه المتهالك والمأزوم رسمياً وعلى مرأى من العالم أجمع في خانة «المسمار»! وحين تُقرّ بنفسك وعبر أبواقك الرسمية أنك مجرد مسمار، فليس لك بعد اليوم أن تشتكي من الضربات المتلاحقة، ولا أن تتفاجأ بحتمية السقوط العنيف والطرق المستمر؛ فالفيزياء السياسية والسنن التاريخية الثابتة لا ترحم العاجزين ولا تحابي المتغطرسين: المسمار لم يُخلق في هذا العالم إلا ليُطرق على رأسه بلا شفقة ولا رحمة، لا سيما إذا كان مسماراً أعوج يفسد الجدار الذي يُدق فيه ويخرب النسيج الإقليمي برمته!

إن المقال الذي خطّه السفير ليس مجرد تنظير ثغري عابر أو محاولة بائسة لتلميع وجه نظامٍ سقط في مستنقع الهزائم، بل هو اعتراف صريح وتوصيف دقيق لا لبس فيه للواقع العملي لنظام الرياض في المنطقة برمتها. لقد حصر آل جابر نظام بلاده بوعي أو بغير وعي في أدنى مراتب المفعول به، ذلك الكائن الصلب المتصلب العاجز عن المبادرة الحرة أو إثبات الذات إلا برأسٍ يُضرب وقوة قاهرة تدفعه إلى أداء وظيفة محددة رسمها له الآخرون. والمسمار الاعوج بالذات وهو الوصف الأنسب والأدق للسياسة السعودية الشاذة والتائهة في الميدان اليمني لا يمكن إصلاحه بالتودد أو ترقيعه بالدبلوماسية الناعمة أو خطابات الاستعطاف؛ بل إن المنطق الفطري والبديهي يستوجب التعامل معه بقسوة حتمية، وطرق كل جزء فيه بلا هوادة ولا تراجع حتى يُقتلع من جذوره أو يخضع تماماً لنواميس الواقع الصلبة. لقد توهّم هذا النظام لعقود طويلة أنه ينفذ «استراتيجية المطرقة» ويعتلي عرش الهيمنة المطلقة على جيرانه، فإذا به ينكشف في أول اختبار حقيقي كحلقة ضعيفة ومثبتة قسراً في جدار المصالح الأجنبية والدولية التي تستخدمه كأداة رخيصة ثم تستغني عنه. وما إن اصطدم هذا النظام بالصلابة اليمنية وتاريخها الضارب في القسوة على المعتدين، حتى تحول رسمياً وواقعياً إلى مجرد مسمار مهترئ يعاني ويكتوي تحت وطأة الضربات المتلاحقة التي لا تبقي ولا تذر.

ولعل متأمل السلوك السياسي السعودي خلال السنوات الماضية يستدرك فوراً أن حالة «الاعوجاج» لم تكن مجرد كبوة عابرة أو خطأ تكتيكي مؤقت، بل هي جين متأصل في بنية هذا النظام وطريقة تفكيره. فمنذ اللحظات الأولى لنشأة هذا النظام، تجلت هذه العقلية المائلة في التعاطي مع اليمنيين ليس كشركاء في الجغرافيا والتاريخ، بل كتاكيدات ملحقة يجب إخضاعها وتسييرها عبر الوصاية والمال التدميري. وحين انكسرت أوهام السيطرة السريعة، تحول النظام السعودي إلى ممارسة أبشع صور العرقلة والتعطيل لكل الجهود المساعية لإحلال السلام وتثبيت دعائم الاستقرار. لقد أسقط نظام الرياض كل مبادرات الحل السياسي، وتلاعب بالاستحقاقات الدستورية والإنسانية، وأصر على إبقاء الملف اليمني رهن المساومات والصفقات المشبوهة، ظاناً أن حالة اللاحرب واللاسلم ستمنحه متسعاً من الوقت للهروب من استحقاقات الهزيمة الميدانية والسياسية. هذا الإصرار الغبي على عرقلة مسارات التسوية هو العلة الكبرى التي جعلت من جسد هذا النظام مسماراً شديد الاعوجاج، مسماراً ينغرس في خاصرة الأمة ولا يمكن قبوله أو التعايش مع تشوهاته الفكرية والسياسية.

لم يكن خيار استخدام «المطرقة» خياراً عشوائياً ولا رفاهية فكرية يتسل بها اليمنيون، بل كان ضرورة وجودية وحتمية تاريخية فرضها هذا الاعوجاج السعودي الصريح الذي استشرى في الجسد العربي والإقليمي حتى أفسد كل معاني الجوار والأخوة. فنظام الرياض هو من عرقل واعاق كل مسارات التسوية السياسية بشتى عناوينها، وهو من أفشل كل فرص السلام الحقيقي عبر فرض الشروط المجحفة والإملاءات التعسفية، واعتدى بلا رادع أخلاقي أو قانوني على سيادة الشعب اليمني وحريته، وحاول بغرور صلف فرض واقع مشوه وتابع لا يقبله كبرياء اليمن ولا يرتضيه تاريخها المجيد الحافل بمقاومة الغزاة. لقد ظن النظام السعودي واهماً أن باستطاعته خنق اليمنيين بالحصار والتجويع والحروب المدمرة بلا ثمن، وتشويه جغرافيا المنطقة بلا عقاب، وأن يظل يلعب دور الآمر الناهي دون أن ينال عقابه المستحق من أحرار هذا الشعب، حتى جاءه الرد السريع، القاطع، والحتمي الذي أربك حساباته وأفقده صوابه السياسي والدبلوماسي: إن لم تستقم بالحوار والمبادرات والحلول العقلانية التي تحفظ الحقوق، فستتكفل المطرقة اليمنية القاسية بإعادتك رغماً عن أنفك إلى حجمك الطبيعي وموقعك الحقيقي الذي لا تتجاوزه.

إن التاريخ الإنساني والسياسي لا يرحم أبداً الكيانات الوظيفية التي تحاول أن تلعب دوراً أكبر بكثير من حجمها الهيكلي والسياسي الحقيقي. فالرياض التي مارست السطوة المالية والتآمر السياسي وتوظيف الفتن لعقود طويلة، نسيت في لحظة غفلة أن المقاومة الحية والإرادة الشعبية الصلبة هي المطرقة الحقيقية التي لا تتكسر مهما بلغت قوة الضربات الموجهة إليها، وأن أي كائن سياسي يختار بكامل إرادته أن يمارس دور «المسمار» في خدمة المشاريع الاستعمارية والهيمنة الأجنبية، سينتهي به المطاف محشوًا ومهروساً تحت ضربات المتغيرات الوطنية التي لا ترحم. إن نزول المطرقة اليمنية بجزءً ثقلها وقوتها وجبروتها على رأس النظام السعودي لم يكن إستراتيجية عشوائية أو رد فعل عابر يزول بزوال طارئ، بل كان عملية قيصرية حتمية فرضتها طبيعة الصراع الوجودي لتقليم الأظافر الطويلة، وكسر الشوكة المنحرفة، وتصحيح المعادلة الاختلالية التي أرادت الرياض فرضها بقوة المال والسلاح المأجور. لقد نزلت هذه المطرقة لتقول للرياض بلا مواربة ولغة مداهنة: لا يمكن للمسمار الاعوج أن يدير اللعبة، ولا يمكن للمعتدي أن يرسم حدود السلم والحرب وفق أهوائه، ولا يحق لمن ارتضى الانحناء والتبعية أن يتكلم بلغة السادة الأحرار.

وهنا تكمن المعضلة الكبرى لنظام السفير وموجهيه؛ فهم لم يدركوا بعد أن المطرقة عندما تبدأ في عملها، لا تنتهي بمجرد ضربة واحدة أو ضربتين، بل تواصل حركة الهبوط والصعود برتم متصاعد وقاسٍ حتى يتم استعدال المعدن أو سحقه بالكامل. إن كل ضربة تتلقاها الرأس السعودية اليوم على التخوم وفي العمق وفي أروقة السياسة هي تذكير صارخ بحجم الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته الرياض حين توهمت أن اليمن حائط قصير يُستباح بسهولة. واليوم، وبعد سنوات من العناد الفاشل، يجد النظام نفسه محاصراً بين مطرقة الواقع الصلب وسندان أوهامه البائدة. فكيف لمسمارٍ أضعفته الأزمات الداخلية والارتهان الخارجي أن يقاوم ضربات شعبٍ يملك من الصبر والإرادة والقدرة التسليحية ما يمكنه من خوض الحروب الطويلة بلا كلل؟ إن المراهنة السعودية على سراب الوقت أو تغيير التوازنات الدولية لن تجدي نفعاً، لأن المطرقة التي تطرق رأس هذا النظام هي مطرقة محلية الصنع، يمانية الإرادة، مسددة بواقع ميداني لا يمكن تغييره بدعايات الإعلام أو مقالات المظلومية المزيفة.

لقد ولّى إلى غير رجعة زمن الفوقية والغطرسة والاستئثار والتطاول على سيادة الدول والشعوب الحرة، وعلى محمد آل جابر ونظامه القائم أن يفهموا الدرس جيداً وبكل تفاصيله القاسية قبل فوات الأوان وضياع الفرص الأخيرة: من يرضى لنفسه أن يكون مسماراً مطيعاً في جدار المشاريع المعادية للامة، فعليه أن يتهيأ تماماً لانتظار الضربات القاصمة فوق رأسه عند كل حماقة يرتكبها، وعند كل محاولة خبيثة لعرقلة إرادة الشعوب الحرة المتعطشة للسيادة والاستقلال. إن المطرقة اليمنية اليوم هي حقيقة ميدانية قائمة وواقع سياسي متجسد لا يمكن تجاوزه أو الهروب من استحقاقاته، ولن ترتفع أو تتوقف عن الطرق والتأديب حتى تستقيم العقول المائلة، وينتهي الاعوجاج السياسي المتأصل في فكر وفلسفة نظام الرياض، ويعود إلى وضعه الطبيعي وحجمه الحقيقي الذي لا يستطيع تجاوزه مهما طال الزمن أو تعاظمت المؤامرات. فالطرق مستمر، والرأس مكشوفة، وسنن الله ثابته لا تتغير ولا تتبدل لا تتخلف!

 

 

 

نقلاً عن صحيفة 26 سبتمبر العدد 2481، الاثنين ١٥ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ – 26 تشرين1/أكتوير 2026 م.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى