حلفاء أمريكا قرابين لمصالحها

حلفاء أمريكا قرابين لمصالحها
بقلم / محمد الصالحي
لا تقاس حقيقة التحالفات الدولية بما تتضمنه الاتفاقيات من عبارات الصداقة والشراكة والالتزام المتبادل، بل بما تفعله الدول عندما تتعارض حماية الحليف مع مصالحها المباشرة.
ففي اللحظة التي تصبح فيها كلفة الدفاع عن الحليف أعلى من المكاسب المتوقعة، تسقط الشعارات، وتظهر القاعدة التي تحكم السياسة الأمريكية: أمريكا لا تخوض الحروب من أجل حلفائها، وإنما توظف حلفاءها لخدمة حروبها ومصالحها، وتتخلى عنهم عندما تقتضي حساباتها ذلك.
وتكشف التطورات المتصلة باليمن والكيان الإسرائيلي والسعودية وروسيا عن نمط متكرر في السلوك الأمريكي؛ إذ تتراجع واشنطن عن التصعيد عندما ترتفع كلفته، وتعيد ترتيب التزاماتها عندما تتغير أولوياتها، وتعقد التفاهمات مع خصومها عندما تجد فيها مصلحة اقتصادية أو سياسية. أما الحلفاء الذين بنوا حساباتهم على ضمانة أمريكية مطلقة، فيكتشفون أن تلك الضمانة ليست التزاماً مفتوحاً، بل ورقة تخضع لشروط واشنطن وحساباتها المتغيرة.
حسابات واشنطن المتغيرة
في اليمن، قدم اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وصنعاء في السادس من مايو 2025 نموذجاً واضحاً لهذه الحقيقة. فبعد أسابيع من الغارات الأمريكية المكثفة والتهديدات التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب، انتهت الحملة إلى تفاهم بوساطة عُمانية يقضي بوقف استهداف كل طرف للآخر، بما في ذلك السفن الأمريكية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وجاء الاتفاق بينما كانت المواجهة مع القوات المسلحة اليمنية تفرض على واشنطن كلفة عسكرية وسياسية، في وقت كانت الإدارة الأمريكية تسعى إلى إظهار قدرتها على تحقيق أهدافها من دون الانجرار إلى حرب طويلة ومفتوحة.
والأهم في هذا الاتفاق أنه لم يشمل الكيان الإسرائيلي؛ إذ استمرت المواجهة اليمنية معه خارج نطاق التفاهم الأمريكي اليمني. وبذلك وضعت واشنطن حداً لمواجهتها المباشرة مع القوات المسلحة اليمنية، من دون أن تجعل حماية الكيان الإسرائيلي شرطاً لاستمرار الاتفاق. وهذه ليست تفصيلاً عابراً، بل تكشف أن الولايات المتحدة تستطيع فصل مصالحها عن مصالح حليفها، حتى عندما تكون المواجهة مرتبطة بساحة إقليمية واحدة.
لقد فضّلت إدارة ترامب وقف استنزاف قواتها وتخفيف مخاطر المواجهة البحرية على مواصلة الحرب لإرضاء الكيان الإسرائيلي أو ضمان أمنه في البحر الأحمر. ولم يكن هذا القرار إعلاناً عن تخلي واشنطن عن الكيان الإسرائيلي في جميع الجبهات، لكنه أثبت أن الشراكة بين الطرفين لا تمنع الولايات المتحدة من اتخاذ قرار منفصل عندما تقتضي مصالحها ذلك. فالكيان الذي اعتاد الاستناد إلى الدعم الأمريكي يكتشف أن واشنطن هي التي تحدد سقف التزامها، وأن مصالحها لا تتطابق بالضرورة مع أولوياته في كل معركة.
صورة أكثر وضوحاً
وتتجلى القاعدة ذاتها بصورة أكثر وضوحاً في العلاقة مع السعودية، التي بنت جانباً كبيراً من منظومتها الدفاعية على الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة، واعتمدت على الدعم الأمريكي في التسليح والتدريب والاستخبارات والتنسيق العملياتي. لكن مع التصعيد الأخير في اليمن، واحتدام المعركة حول الساحل الغربي وباب المندب، لم تستجب واشنطن للطلبات السعودية بالانخراط العسكري المباشر في العمليات ضد القوات المسلحة اليمنية، رغم استمرار أشكال أخرى من الدعم، ومنها المساندة الاستخباراتية وتوفير معلومات الاستهداف.
وهنا يظهر الفارق بين التحالف كما تتصوره الرياض والتحالف كما تديره واشنطن. فالسعودية تريد من الولايات المتحدة أن تحول تفوقها العسكري إلى ضمانة مباشرة لأمنها ومصالحها، بينما تريد واشنطن الاحتفاظ بحرية القرار، وتقديم ما تراه مناسباً من دعم، وتجنب الدخول في مواجهة جديدة تستنزف قواتها وذخائرها وتشتت تركيزها عن أولويات أخرى. وبذلك تتحمل السعودية العبء الأكبر من المواجهة، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بحق تحديد مستوى مشاركتها، وتترك لنفسها مخرجاً من التصعيد متى ارتفعت كلفته.
ولا يعني ذلك أن واشنطن قطعت علاقتها بالرياض أو أوقفت كل أشكال المساندة لها؛ فالمسألة أعمق من مجرد إعلان التخلي. إنها تتعلق برفض تقديم ضمانة عسكرية غير مشروطة، وبإصرار الولايات المتحدة على أن يكون تدخلها المباشر مرتبطاً بحسابات أمنها القومي، لا بمجرد رغبة الحليف أو حجم الضغوط التي يتعرض لها. وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تدركها الرياض: امتلاك السلاح الأمريكي لا يعني امتلاك قرار استخدام القوة الأمريكية، والشراكة الدفاعية لا تعني أن واشنطن ستخوض كل حرب نيابة عنها.
ومع تصاعد المواجهة، تزداد أهمية معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد، لأن أي تهديد للممرات البحرية أو البنية التحتية للطاقة يرفع كلفة الحرب على جميع الأطراف. وفي هذه الظروف، لا تتصرف واشنطن بوصفها طرفاً ملزماً بتحقيق أهداف الرياض مهما كانت النتائج، بل بوصفها قوة تحسب انعكاسات المواجهة على أسواق الطاقة والملاحة الدولية وانتشار قواتها واستقرار مصالحها. فإذا أصبح التدخل المباشر تهديداً لهذه المصالح، فإن أولوية الولايات المتحدة ستكون احتواء المخاطر، حتى لو ترك ذلك حليفها أمام تحديات كان يتوقع أن تتقاسمها معه.
تغليب المصلحة على الشعارات
أما المثال الثالث، والأكثر دلالة على تغليب المصلحة على الشعارات، فيتمثل في التفاهم الذي أعلنه ترامب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 9 أكتوبر 2026، بشأن تزويد السوق الأمريكية والعالمية بأكثر من 300 ألف طن من الديزل الروسي، مع الحديث عن شحنات إضافية لاحقة. وترافق الإعلان مع تخفيف مؤقت لبعض القيود المتعلقة بتوريد الديزل الروسي، في تحول لافت عن سياسة العقوبات التي تبنتها واشنطن للضغط على موسكو بسبب الحرب في أوكرانيا.
تكمن أهمية هذا التطور في أنه يكشف التناقض بين الخطاب الأمريكي المعلن والممارسة الفعلية. فواشنطن التي طالبت حلفاءها بالاصطفاف خلف العقوبات المفروضة على روسيا، وشاركت في بناء منظومة من الضغوط الاقتصادية عليها، عادت لتفتح نافذة للتعامل مع الوقود الروسي عندما فرضت أسعار الطاقة واحتياجات السوق الأمريكية ضغوطاً على الإدارة. ولم يمنعها موقف أوكرانيا، ولا اعتراضات حلفاء أوروبيين، من اتخاذ خطوة تخدم حساباتها الاقتصادية الداخلية.
إن الدلالة الاستراتيجية هنا لا تتعلق بكمية الديزل وحدها، ولا بمدى تأثيرها الفعلي في الأسعار، بل بالرسالة السياسية التي يحملها الاتفاق: عندما تصبح الطاقة حاجة ملحة، تتراجع صلابة العقوبات أمام ضرورات السوق، ويتحول الخصم الذي صُوّر باعتباره تهديداً يجب محاصرته إلى طرف يمكن التفاوض معه وعقد الصفقات على حساب اعتراضات الحلفاء. وقد عبّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن رفضه للخطوة، معتبراً أنها تمنح موسكو منفعة اقتصادية في وقت تستمر فيه الحرب.
وهكذا تجد أوكرانيا نفسها أمام حقيقة مؤلمة؛ فالدعم الأمريكي الذي تحتاج إليه في مواجهة روسيا لا يمنع واشنطن من التفاهم مع موسكو عندما ترى في ذلك مصلحة أمريكية مباشرة. فالمعيار الذي يحكم القرار في البيت الأبيض ليس مقدار التضحية التي قدمها الحليف، بل مقدار ما يحققه استمرار دعمه من منفعة أمريكية، ومقدار ما يترتب عليه من كلفة سياسية واقتصادية وعسكرية.
السياسة ذاتها بأشكال مختلفة
ومن اليمن إلى السعودية وأوكرانيا، تتكرر القاعدة ذاتها بأشكال مختلفة. ففي اليمن أوقفت واشنطن مواجهتها المباشرة عندما وجدت أن التفاهم أقل كلفة من استمرار الحرب، وتركت الكيان الإسرائيلي خارج نطاق الاتفاق. وفي السعودية رفضت الانخراط المباشر في التصعيد الأخير، رغم استمرار المساندة الاستخباراتية وغيرها. وفي الملف الروسي خففت بعض القيود لتلبية احتياجات الطاقة، حتى مع اعتراض حلفاء يرفضون منح موسكو منفذاً اقتصادياً جديداً.
هذه الوقائع لا تعني أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها على التأثير، بل تعني أن حلفاءها لا يستطيعون التعامل مع قوتها باعتبارها ضمانة مجانية أو التزاماً أبدياً. فواشنطن تمتلك القدرة على دعم الحليف أو الضغط عليه، لكنها تحتفظ لنفسها دائماً بحرية تغيير المسار وفقاً لمصالحها. أما الحليف الذي يربط أمنه ومصيره بقرار أمريكي، فإنه يمنح واشنطن نفوذاً واسعاً على خياراته، ثم يجد نفسه وحيداً عندما تتغير الأولويات.
إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدول الحليفة لأمريكا هو الخلط بين الشراكة والتبعية، وبين التعاون الاستراتيجي والضمانة المطلقة. فالولايات المتحدة لا تتردد في إعادة ترتيب تحالفاتها عندما تتغير حساباتها، ولا تعتبر تضحيات حلفائها سبباً كافياً للتضحية بمصالحها. وحين تتعارض مصلحة الحليف مع المصلحة الأمريكية، يصبح الحليف هو الطرف الذي يُطلب منه دفع الثمن. تلك هي حقيقة التحالفات التي تديرها واشنطن: المصالح الأمريكية أولاً، أما الحلفاء فليسوا سوى أوراق في ميزانها، وقد يتحولون إلى قرابين عندما تقتضي الصفقة ذلك.
نقلا عن صحيفة 26 سبتمبر، العدد 2479، الأحد ٣٠ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ – 11 تشرين1/أكتوير 2026 م






