مقالات وآراء

كيف دمرت أمريكا ليبيا ؟!

كيف دمرت أمريكا ليبيا ؟!

د/ يحيى ابو زكريا

طهران فهمت الدرس الذي أخطأ فيه العقيد معمر القذافي ولم تُسلِم السلاح النووي لأمريكا.

في عام 2003، جلس الرئيس القذافي في خيمته بصحراء سرت، يحدّق في الأفق طويلًا. أمامه على الطاولة ملفات سميكة، وصور لمفاعلات، وخرائط لصواريخ. “برنامج العمر”، كما كان يسميه. سنوات من المال، والعلماء، والعقوبات، والحصار.

دخل عليه مستشاره وقال: “سيدي، الأمريكان يمدّون يدهم. يقولون: سلّم هذا كله… نرفع العقوبات، نضمن سلامتك، نكتب تعهدًا بعدم الاعتداء. نطوي صفحة الماضي”.

صمت القذافي. تذكر سنين العزلة، تذكر اقتصاد بلده المنهك، تذكر أطفال ليبيا. ثم قال كلمته التي ستدوّي في التاريخ: “موافق”.

خلال أشهر، هبطت طائرات الشحن الأمريكية في مطارات ليبيا. فكّكوا أجهزة الطرد المركزي قطعة قطعة. حمّلوا براميل اليورانيوم. صادروا تصاميم الصواريخ. صوّروا كل شيء، ووثّقوا كل مختبر.

قال لهم القذافي: “خذوا كل شيء. لم نعد نريدها. نريد أن نعيش بسلام”.

وخرج مسؤول أمريكي بعدها ليقول للعالم: “لقد حصلنا على ما أردناه بالضبط من القذافي. فضح قدراته النووية والكيميائية وسمح لنا بتفكيكها. لقد كان متعاونًا بنسبة 100%”.

مرت 8 سنوات. صار القذافي “صديقًا”. استقبلوه في عواصم أوروبا، نصبوا له الخيام في حدائقهم، وقّعوا معه عقود النفط بمليارات. قالوا: “طوينا الصفحة”.

ثم جاء عام 2011.

اشتعلت شرارة في بنغازي، فصارت نارًا. وبدل أن تحمي الضمانات المكتوبة، حلّقت طائرات الناتو فوق سماء ليبيا. نفس اليد التي صافحته، ضغطت على زناد القصف. نفس الدول التي أخذت سلاحه، أرسلت صواريخها.

قُصف موكبه في الصحراء. جُرّ من أنبوب تصريف، ودمه يختلط برمال سرت التي ساوم عليها. قُتل بطريقة بثّتها الكاميرات للعالم كله، كدرسٍ علني.

وقف العقيد الأمريكي دوغلاس ماغريغور بعد سنوات، وقال بجملةٍ واحدة اختصرت الحكاية كلها:

*”لقد حصلنا على ما أردناه بالضبط من القذافي، فضح قدراته النووية والكيميائية وسمح لنا بتفكيكها. لقد كان متعاونًا بنسبة 100%. ماذا فعلنا؟ لقد قتلناه”.*

وفي طهران، كانوا يشاهدون المشهد. وفي بيونغ يانغ، كانوا يسجلون الدرس.

قالوا: “فهمنا الرسالة”.

الرسالة كانت واضحة: أن السلاح الذي تسلّمه طواعية، قد يُستعمل ثمن رصاصة في رأسك. وأن الورقة التي توقّعها القوي، يحرقها متى شاء. وأن “الضمانات” لا تحمي إلا من يملك القدرة على فرضها.

ومن يومها، صارت كلمة “تفاوض” في قواميس بعض العواصم تعني “فخ”.

وصار الدرس الذي كُتب بدم القذافي على رمال الصحراء:

*”لا تضع سيفك أبدًا… لأن من يطلب منك السلام وهو أقوى منك، قد يكون فقط يريدك أعزلًا قبل القتل”.*

 

*العبرة:*

في سياسة الدول، الذئب لا يصبح نباتيًا لأنه صافح الحمل. والثقة بلا قوة، هي انتحار مؤجّل. لذلك، عندما سقط القذافي، لم يسقط رجلٌ فقط… سقطت فكرة “نزع السلاح طواعية” من عقول خصوم أمريكا …

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى