لبنان بين التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية والتحرّك الفرنسي المرتقب… فهل تتّجه المنطقة إلى مواجهة أوسع

كاتس يلوّح بتهجير مليون لبناني وتوسيع الاحتلال… وروبيو يضغط على عون في ملف المتفجّرات
لبنان بين التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية والتحرّك الفرنسي المرتقب… فهل تتّجه المنطقة إلى مواجهة أوسع؟
بيروت _ أحمد موسى
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع التهديدات الإسرائيلية بتوسيع العمليات العسكرية والاحتلال في لبنان مع الضغوط الأميركية على الدولة اللبنانية في ملف شاحنة المتفجّرات المضبوطة في ضهر البيدر، فيما يستعد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو لزيارة بيروت نهاية هذا الأسبوع. مشهدٌ يضع الرئاسة والحكومة أمام اختبارات سياسية وأمنية ودبلوماسية متشابكة، وسط مخاوف من اتّساع رقعة المواجهة إذا انزلقت التطورات نحو تصعيد إقليمي جديد.
فهل تحمل التحركات الدبلوماسية فرصة لاحتواء التصعيد وتثبيت الاستقرار، أم أن التهديدات المتبادلة وضيق هامش المناورة يفتحان الباب أمام مرحلة أكثر خطورة؟ وإلى أي مدى يمكن للبنان أن يحمي سيادته ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية؟
كاتس يرفع سقف التهديدات: احتلال إضافي وإخلاء الضاحية
صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من لهجته تجاه لبنان، ملوّحاً بالاستيلاء على مزيد من الأراضي اللبنانية، ولا سيما في محيط النبطية ونهر الليطاني، وضمّها إلى ما وصفه بـ«المنطقة الأمنية الدائمة» الإسرائيلية، في حال انضمّ حزب الله إلى أي هجوم إيراني على إسرائيل.
ولم تقتصر تهديداته على التوسّع العسكري، بل شملت الحديث عن إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت، ودفع السكان الشيعة في مناطق تمتد حتى نهري الأولي والزهراني نحو الشمال، في تهديد قد يطال أكثر من مليون شخص، وفق ما نقلته وسائل إعلام عن تصريحاته.
كما جدّد كاتس تأكيده أن إسرائيل لا تعتزم الانسحاب من المناطق التي تحتلها في لبنان وسوريا، مبرّراً استمرار وجودها بما يصفه بالضرورات الأمنية وحماية سكان الجليل والجولان.
وجاءت هذه التصريحات خلال جولة أجراها داخل المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، برفقة قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي رافي ميلو وعدد من الضباط.
وتثير هذه التهديدات مخاوف جدية من اتّساع نطاق العمليات العسكرية، خصوصاً أنها تتجاوز الحديث عن ضربات محدودة إلى التلويح بتوسيع السيطرة الجغرافية وفرض واقع ميداني جديد. غير أن تنفيذ هذه السيناريوهات يبقى مرتبطاً بتطورات الميدان والقرارات العسكرية والسياسية المقبلة.
روبيو وعون: شاحنة المتفجّرات تختبر العلاقة بين بيروت وواشنطن
على خط موازٍ، برز ملف شاحنة المتفجّرات المضبوطة عند حاجز ضهر البيدر بوصفه محوراً أساسياً في الاتصالات الأميركية اللبنانية.
فبحسب ما أورده موقع «أكسيوس»، ونقلته وكالة «رويترز»، شدّد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال اتصاله بالرئيس اللبناني جوزاف عون مساء الخميس، على ضرورة محاسبة المسؤولين عن شحنة المتفجّرات، معتبراً أن إعادتها إلى حزب الله أمر غير مقبول.
كما تناول الاتصال، وفق المصادر الأميركية التي نقلت عنها وسائل الإعلام، مسألة إقامة تواصل عسكري مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي بهدف تجنّب التصعيد، إلى جانب انتقادات أميركية لقانون مقاطعة إسرائيل الذي يحظر أشكالاً من التواصل معها.
في المقابل، لم يتضمّن البيان الرسمي الصادر عن رئاسة الجمهورية عرضاً تفصيلياً لهذه النقاط، لكنه أشار إلى بحث التطورات في جنوب لبنان، حيث طلب الرئيس عون من روبيو الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها، والالتزام بالتفاهمات القائمة، ووقف أعمال التجريف، وتمكين المزارعين من الوصول إلى حقولهم وعدم التعرّض لهم.
ويضع هذا التباين بين ما نقلته المصادر الأميركية وما ورد في البيان الرئاسي الضوء على اختلاف الأولويات في مقاربة الأزمة: واشنطن تشدّد على ضبط السلاح ومحاسبة المسؤولين عن الشحنة، فيما تؤكد الرئاسة اللبنانية ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية واحترام السيادة اللبنانية.
أما ملف المتفجّرات، فيبقى أمام المسار القضائي والأمني الذي يفترض أن يحدّد المسؤوليات والملابسات، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الضغوط السياسية، وبما يضمن تطبيق القانون وحماية الأمن العام.
بارو إلى بيروت: هل تتحرّك باريس لاحتواء التصعيد؟
وسط هذه التطورات، تكتسب الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى لبنان أهمية خاصة، إذ تأتي في توقيت تتزايد فيه المخاوف من توسيع العمليات الإسرائيلية، وتتداخل فيه الملفات الأمنية مع شروط التفاوض والضغوط الدولية.
وتتمثل الأسئلة الأساسية أمام التحرك الفرنسي في مدى قدرته على الدفع نحو وقف الاعتداءات، ومنع توسيع الاحتلال، وحماية المدنيين، وتوفير مساحة دبلوماسية تتيح للبنان معالجة الملفات الأمنية ضمن مؤسساته الدستورية والقضائية.
لكن نجاح أي تحرك خارجي سيظل مرتبطاً بمدى تجاوب الأطراف المعنية، وبوجود ضمانات عملية تتجاوز البيانات والمواقف، وتترجم إلى خطوات ملموسة على الأرض.
هل تقترب المنطقة من مواجهة أوسع؟
تأتي هذه التطورات في ظل توتر إقليمي يتجاوز الساحة اللبنانية، مع ارتباط الحسابات الإسرائيلية والأميركية بمسار المواجهة مع إيران، واحتمال انعكاس أي تصعيد جديد على لبنان.
ومن هنا، يبرز سؤال سياسي لا يمكن تجاهله: هل تُستخدم الضغوط العسكرية والدبلوماسية لفرض ترتيبات أمنية جديدة، أم أن تعدّد جبهات المواجهة قد يدفع المنطقة إلى حرب أوسع يصعب احتواء نتائجها؟
أما الربط بين التصعيد العسكري والحسابات الانتخابية في الولايات المتحدة وإسرائيل، فيبقى فرضية سياسية تحتاج إلى أدلة واضحة، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها حقيقة ثابتة. فقراءة المشهد تتطلب التمييز بين التصريحات المعلنة، والقرارات الميدانية، والتقديرات المتعلقة بدوافع الأطراف.
لبنان أمام اختبار السيادة والدبلوماسية
في المحصلة، يقف لبنان أمام معادلة شديدة التعقيد: تهديدات إسرائيلية تتناول الأرض والسكان، وضغوط أميركية تتصل بالسلاح والتفاوض، وتحرك فرنسي مرتقب قد يفتح نافذة دبلوماسية جديدة.
وفي مواجهة هذه المعادلة، تبقى الأولويات اللبنانية واضحة: حماية المدنيين، ووقف الاعتداءات، ومنع توسيع الاحتلال، وضمان استقلالية القضاء في ملف المتفجّرات، وتعزيز دور مؤسسات الدولة في إدارة الملفات الأمنية والسياسية.
فهل تنجح الدبلوماسية في احتواء التصعيد قبل أن يتحول إلى مواجهة أوسع، أم تتقدم الوقائع العسكرية على المبادرات السياسية؟
الساعات والأيام المقبلة قد تحمل مؤشرات إضافية، لكن المؤكد أن لبنان يحتاج إلى موقف وطني متماسك، وإلى تحرك دولي فعّال لا يكتفي بإدارة الأزمة، بل يعمل على منع تفاقمها وحماية البلاد من كلفة حرب جديدة.






