Business, Small BusinessUncategorizedمقالات وآراء

من إساءة الوجه إلى زوال العلو: قراءة في مشهد الأمم المتحدة وسنن التغيير

من إساءة الوجه إلى زوال العلو: قراءة في مشهد الأمم المتحدة وسنن التغيير

محمود إبراهيم النقيب

—

لم يكن مشهد خروج عشرات الوفود من قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، لحظة اعتلاء رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المنبر لإلقاء كلمته، مشهدًا عابرًا. فقد تحولت القاعة، في لحظات، إلى صورة تختصر حالة متنامية من الرفض والاعتراض على سياسات الاحتلال، في واحد من أهم المحافل الدولية وللعام الثاني على التوالي.
ولعل الأهم من المشهد ذاته هو ما يحمله من دلالة: حين تبدأ الصورة في التغير، تبدأ معها مرحلة سقوط الأقنعة.

إساءة الوجه… بداية سقوط الصورة
يستوقفني هنا قوله تعالى في سورة الإسراء:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾
“الإسراء: 7”

ثلاثة مشاهد متتابعة في آية واحدة، وثلاث مراحل لا نملك أن نحدد زمنها أو مقدارها، وإنما يقدرها الله وحده، ويقضي ما يشاء في الوقت الذي يشاء.
أما “إساءة الوجه”، فقد بدأت ملامحها تتكشف منذ السابع من أكتوبر؛ إذ سقطت الأقنعة، وانكشفت الهيبة التي كانت مرسومة، وتراجعت الصورة التي جرى تقديمها طويلًا على أنها صورة قوة وحق وتفوق أخلاقي. فما جرى بعد ذلك لم يكن إلا تعميقا لهذه المرحلة وكشفا لتفاصيلها أمام العالم.
ولم تعد الإساءة مقتصرة على الاحتلال وحده؛ فقد امتدت إلى كل من ارتبط بممارساته أو وفر له الغطاء السياسي والدولي، بدرجات ومواقف مختلفة، وفي مقدمة ذلك الموقف الأمريكي الرسمي الذي ظل لعقود يوفر لإسرائيل دعمًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا.
وهكذا أصبحت الصورة أمام العالم مختلفة: الاحتلال الذي كان يسعى إلى صناعة صورة الضحية، يجد نفسه اليوم في مواجهة أسئلة متزايدة حول الاحتلال والحرب وحماية المدنيين والقانون الدولي.
من إساءة الوجه إلى دخول المسجد
إن الآية لا تتوقف عند “إساءة الوجوه”، وإنما تنتقل إلى مرحلة أخرى:
﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾
ثم تأتي المرحلة الثالثة:
﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾
وهنا ينبغي أن نقف بإيمان وثقة أمام النص القرآني، دون أن نزعم معرفة الغيب أو نحدد موعدًا لشيء لم يحدده الله.
فما علينا إلا أن نرى الوقائع، ونقرأ التحولات، ونستحضر وعد الله؛ أما متى تبدأ كل مرحلة، وكم تستغرق، وكيف تتشكل تفاصيلها، فذلك في علم الله وحده.
وما يجري اليوم قد يكون في نظر المؤمن جزءًا من مقدمات تحول أكبر، وقد تكون الأحداث القادمة أكثر وضوحًا في كشف اتجاه التاريخ. والله لا يخلف وعده.
المشهد الذي لا يمكن تجاهله
إن مغادرة الوفود قاعة الأمم المتحدة لحظة بدء كلمة رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي ليست وحدها التي تصنع التحول، لكنها صورة مكثفة لتحول أوسع في الوعي والمواقف.
فالأقنعة التي صنعتها السياسة والإعلام لعقود لم تعد قادرة على حجب المشهد كاملًا، والصورة التي كانت تُفرض على الرأي العام العالمي أصبحت تواجه صورًا وحقائق جديدة.
وهنا تكمن دلالة “إساءة الوجه”: ليس المقصود وجهًا بالمعنى الحسي فقط، وإنما سقوط الهيبة، وانكشاف الحقيقة، وانقلاب الصورة التي أُريد لها أن تبقى ثابتة في الوعي العالمي. وهي مرحلة بدأت منذ السابع من أكتوبر، وما مشهد الأمم المتحدة إلا واحدة من صورها المتلاحقة.
والمرحلة الثالثة… وعد الله
قد يتغير الموقف الدولي، وقد تتبدل التحالفات، وقد تتراجع الهيبة، لكن المؤمن لا يقيس وعد الله بمشهد واحد ولا بحدث واحد.
إنما ينظر إلى التاريخ باعتباره ميدانًا لسنن الله، ويوقن أن العلو مهما طال ليس أبديًا، وأن الظلم مهما امتلك من قوة لا يملك ضمانة البقاء.
ومن هنا يأتي قوله تعالى:
﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾
إنها نهاية العلو حين يأتي أمر الله.
وختاما فهل كان مشهد الأمم المتحدة بداية “إساءة الوجه”؟
في الحقيقة، مشهد الأمم المتحدة ليس البداية؛ فالبداية كانت منذ السابع من أكتوبر، حين بدأت الأقنعة تتساقط والهيبة المرسومة تنكشف. أما مشهد الأمم المتحدة فهو واحدة من أبرز صور هذه المرحلة وتداعياتها.
أما متى تأتي المرحلة الثانية والثالثة، وما مقدار كل مرحلة؟ فذلك علمه عند الله وحده.
لكن الثابت في كتاب الله أن وعده حق، وأن سننه لا تتبدل، وأن العلو والظلم ليسا قدرًا أبديًا.
ولهذا، فإن ما نراه اليوم ليس مدعاة للشماتة، بقدر ما هو دعوة إلى التأمل، والثبات، والعمل، وانتظار ما ستكشفه الأيام من بقية المشهد.

﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى