مقالات وآراء

نهاية التاريخ أم نهاية الوهم؟ فوكوياما، ترامب، وسقوط المشروع الغربي

نهاية التاريخ أم نهاية الوهم؟ فوكوياما، ترامب، وسقوط المشروع الغربي

د/سامي عطا

” إن الآلة الإنتاجية الأكثر ضخامة هي لذلك بالذات الآلة التدميرية الأكثر هولاً ” — سيرج لاتوش

مقدمة/ من بشارة النهاية إلى كابوس التراجع

 

في عام 1992، وبعد انهيار جدار برلين واندحار ” إمبراطورية الشر ” السوفياتية، أصدر المفكر الأميركي فرانسيس فوكوياما كتابه الشهير ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير “، معلناً أن البشرية قد بلغت محطتها النهائية في رحلتها الأيديولوجية. فالديمقراطية الليبرالية، كما رأى، تمثل ” نقطة نهاية التطور الأيديولوجي للبشرية ” و” الشكل النهائي للحكم البشري “. لقد كان هذا الإعلان، في جوهره، التبرير الفلسفي الأسمى لمشروع التغريب الذي ينتقده المفكر الفرنسي سيرج لاتوش في كتبه ” تغريب العالم ” فإذا كانت الليبرالية الغربية هي نهاية التاريخ، فإن كل ما عداها ليس سوى بقايا عتيقة يجب محوها أو استيعابها.

غير أن السخرية التي يلقيها القدر على المتفائلين أكبر من أن تُحتمل. فبعد ثلاثة عقود فقط، يجد فوكوياما نفسه مضطراً للاعتراف بأن انتخاب دونالد ترامب هو ” الأكثر إثارة للدهشة والأكثر خيبة للأمل ” منذ أن كتب كتابه. بل إنه يذهب إلى القول إن فوز ترامب ” يمثل رفضاً حاسماً من قبل الناخبين الأميركيين لليبرالية “. فكيف انقلبت بشارة نهاية التاريخ إلى نذير شؤم؟ وكيف يكشف صعود النموذج ” الترامبي ” عن فشل ذريع لمشروع تغريب العالم؟

أولاً / فوكوياما وإعلان نهاية التاريخ، التبرير الفلسفي للتغريب

لم تكن نظرية فوكوياما مجرد تأمل أكاديمي؛ بل كانت بياناً نظرياً أيديولوجياً وسياسياً للنظام الدولي الجديد. ففي لحظة انتصار الغرب على خصمه الأيديولوجي، أعلن فوكوياما أن الصراع بين الأيديولوجيات الكبرى قد بلغ نهايته، وأن النموذج الليبرالي الديمقراطي الغربي سيكون الشكل النهائي للحكم في جميع أنحاء العالم.

وهنا يتجلى التطابق المذهل بين رؤية فوكوياما ومشروع التغريب الذي يصفه لاتوش. فكما يرى لاتوش أن الغرب يسعى إلى ” تنميط العالم ” وفق نموذجه الخاص، يرى فوكوياما أن هذا النموذج ليس مجرد نموذج بين نماذج، بل هو نهاية التاريخ ذاته. وكما يقول لاتوش إن التغريب هو “اجتثاث للجذور” و”محو ممنهج للثقافات المحلية”، فإن فوكوياما يعلن أن كل الأيديولوجيات الأخرى قد انتهت، وأنه ” لا يوجد بديل أفضل “.

وهنا يبرز السؤال النقدي الجوهري، أليست نظرية نهاية التاريخ مجرد استكمال فلسفي للمشروع الاستعماري؟ فكما برر المستعمرون قديماً هيمنتهم بدعوى ” الرسالة الحضارية “، يبرر فوكوياما اليوم هيمنة النموذج الغربي بدعوى ” نهاية التاريخ “. وكما يصف لاتوش التغريب بأنه ” ثقافة معادية للثقافة “، فإن فوكوياما يصف الليبرالية بأنها النموذج الوحيد الذي يلبي ” أعمق و أكثر تطلعات البشرية جوهرية “، متجاهلاً بذلك تنوع التجارب الإنسانية واختلاف التصورات عن الخير والعدالة.

ثانياً / الإنسان الأخير بين الرضا والتمرد

يميز فوكوياما في كتابه بين نوعين من البشر: ” الإنسان الأول ” الذي يمتلك ” روحاً عظيمة ” ( Megalothymia ) ويسعى إلى الاعتراف والتميز، و” الإنسان الأخير ” الذي يكتفي بالراحة المادية والأمن، متخلياً عن طموحاته الكبرى. وفي مجتمع نهاية التاريخ، حيث تنتصر الليبرالية الديمقراطية، يصبح البشر ” آخرين “، راضين ومستقرين، لكنهم يفتقرون إلى العظمة والكبرياء التي ميزت الإنسان عبر التاريخ.

غير أن المفارقة أن نهاية التاريخ لم تنتج إنساناً أخيراً راضياً، بل أنتجت إنساناً محبطاً وغاضباً. وكما يعترف فوكوياما اليوم، فإن الناس ” لا يريدون ببساطة أن يكونوا ذلك الإنسان الأخير “؛ بل ” يريدون المزيد. يريدون أن يُعترف بهم. يريدون تأكيد كرامتهم “. وهذا الإحباط، كما يرى، لا ينبع من عوامل اقتصادية، بل من ” إحباط أعمق من العالم الديمقراطي القائم “.

وهنا يتقاطع تحليل فوكوياما المتأخر مع نقد لاتوش للتغريب. فكما يرى لاتوش أن مشروع التوحيد الغربي ” يُقصي الضعفاء تلقائياً ولا يمنح حق الحياة والمواطنة إلا للأكثر أداءً “، يرى فوكوياما أن الإحباط الشعبي من الليبرالية ينبع من شعور واسع بأن النظام لا يلبي حاجات الناس الأساسية للكرامة والاعتراف. وكما يصف لاتوش التغريب بأنه ينتج “مجتمعاً فقدان المعنى”، يصف فوكوياما التراجع الديمقراطي بأنه نتاج ” إحباط من العالم الديمقراطي القائم “.

ثالثاً / ترامب .. ابن نهاية التاريخ غير الشرعي

ربما تكون أعظم سخرية في قصة نهاية التاريخ هي أن دونالد ترامب، الذي يجسد اليوم التهديد الأكبر للنظام الليبرالي، كان حاضراً بالفعل في كتاب فوكوياما! ففي الفصل الحادي والثلاثين من “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”، ناقش فوكوياما كيف يمكن إشباع ” الروح العظيمة ” في مجتمع ما بعد التاريخ، معتبراً أن شخصيات مثل ترامب قد تكون تعبيراً عن هذه الروح. بل إنه كتب أن ” مطوراً مثل دونالد ترامب ” هو من النوع الذي ” لا يمكن إشباعه بالعروض المعتادة للديمقراطية “.

والآن، بعد عقود، يجد فوكوياما نفسه يواجه وحشه الذي خلقه. فترامب، كما يصفه فوكوياما اليوم، هو ” قائد ذو ميول استبدادية واضحة “، لا يحترم ” سيادة القانون “، ويخضع ” المصالح الوطنية الأميركية لغروره الشخصي “. والأكثر إيلاماً لفوكوياما أن الشعب الأميركي أعاد انتخابه ” مع معرفة كاملة بمن هو ترامب وما يمثله “.

فكيف نفسر هذا التناقض الصارخ بين نظرية نهاية التاريخ وواقع صعود ترامب ؟

أولاً / فشل الليبرالية في الوفاء بوعودها. فمنذ الثمانينيات، كما يقر فوكوياما، أدت سياسات السوق الحرة إلى ازدهار، خاصة للأغنياء، مع تقويض الطبقة العاملة وتقوية القوى الصناعية خارج الغرب. وهذا يعني أن مشروع التغريب، بدلاً من أن يحقق الرفاه للجميع، أنتج تفاوتاً صارخاً وإحباطاً عميقاً، مما هيأ الأرض لصعود شخصيات شعبوية تعد بـ”استعادة العظمة”.

ثانياً / فشل اليسار في مخاطبة هموم الطبقة العاملة. فبينما تخلى اليسار عن اهتمامه بالطبقة العاملة لصالح “مجموعة أضيق من الفئات المهمشة”، وجد الناخبون من الطبقة العاملة، بما في ذلك الرجال غير البيض، في ترامب صوتاً بديلاً.

ثالثاً / أزمة الاعتراف. فكما يرى فوكوياما، فإن الناس يريدون أن يُعترف بهم وتأكيد كرامتهم. وعندما يفشل النظام الليبرالي في منح هذا الاعتراف، يلجأ الناس إلى بدائل، حتى لو كانت استبدادية.

رابعاً / من نهاية التاريخ إلى نهاية الوهم الغربي

إن صعود ترامب ليس مجرد ظاهرة أميركية عابرة، بل هو دليل على فشل مشروع تغريب العالم برمته. فكما يرى لاتوش أن التغريب “يواجه حدوداً حقيقية”، يرى فوكوياما اليوم أن العالم يشهد ” ركوداً ديمقراطياً ” استمر لنحو 15 إلى 20 عاماً. وكما يصف لاتوش “مخلفات ومقاومات ثقافية” تمنع الاستيعاب الكامل للنموذج الغربي، يصف فوكوياما “تمرداً وعصياناً دولياً” على الهيمنة الأميركية.

والأكثر إثارة للدهشة أن فوكوياما، بطل نهاية التاريخ، يعترف اليوم بأن “التاريخ، كما يبدو، لم ينتهِ”. فالتراجع الديمقراطي، وصعود الصين كقوة منافسة، والحرب الروسية الأوكرانية، كلها أحداث ” تمثل قطيعة أساسية في البنية الأمنية ” التي كان من المفترض أن تستقر بعد نهاية التاريخ.

وهنا نصل إلى جوهر المفارقة: نظرية نهاية التاريخ كانت، في جوهرها، أداة لتبرير الهيمنة الغربية. لكنها، في النهاية، كشفت عن هشاشة هذه الهيمنة وضعف أسسها. فبدلاً من أن تؤدي إلى استقرار دائم، أنتجت الليبرالية المنتصرة إحباطاً عميقاً وصعود قوى شعبوية تعمل من داخلها على تقويضها.

خاتمة/ دروس من سقوط نظرية نهاية التاريخ

إن قصة صعود وسقوط نظرية نهاية التاريخ تقدم لنا عدة دروس مهمة في سياق مناهضة التغريب:

أولاً / التاريخ لا ينتهي. فالتاريخ البشري ليس خطاً مستقيماً يتجه نحو نموذج واحد، بل هو تيه معقد من التجارب المتنوعة والمتضاربة. وكما يقول المثل: ” الثابت الوحيد في العالم هو المتغير “.

ثانياً / النموذج الغربي ليس نهائياً ولا كاملاً. فإذا كانت الليبرالية الديمقراطية، كما يعترف فوكوياما، تعاني من “أزمة” و”تراجع”، فهذا يعني أنها ليست النموذج النهائي الذي تتصوره النظرية، بل هي مجرد مرحلة تاريخية، مثلها مثل غيرها من النماذج.

ثالثاً/ التنوع الثقافي ليس عائقاً أمام التقدم، بل هو ثروة. فكما يرى لاتوش أن الثقافات المقهورة “لا تختفي تماماً، بل تنزوي في التربة الزلقة لتظهر من جديد”، يثبت واقع صعود الشعبوية أن النموذج الغربي لم يستطع استيعاب الجميع، مما أدى إلى تمردات من داخله.

رابعاً / التغريب ليس قدراً محتوماً. فكما يقول لاتوش: ” إن استحالة التغريب ليست أنطولوجية، إنها تاريخية خالصة “، أي أن التغريب ليس قدراً محتوماً، بل هو خيار يمكن رفضه، ومشروع يمكن مقاومته. وصعود ترامب، رغم كل أخطاره، هو دليل على أن النموذج الغربي نفسه يعاني من أزمات داخلية قد تؤدي إلى إعادة تشكيل جذرية للعلاقات الدولية.

وفي النهاية، يمكننا القول إن نهاية التاريخ لم تكن سوى وهماً كبيراً، وأن التاريخ، بإرادته العنيدة، يواصل كتابة فصوله، رغم محاولات البعض إغلاق الكتاب. وكما عبر فوكوياما نفسه بتفاؤل حذر: “لقد واجهنا انتكاسات في الثلاثينيات، وفي السبعينيات من قبل. لذا أعتقد أن القصة لم تكتمل بعد”. لكن السؤال الذي يبقى معلقاً: من سيكتب الفصول القادمة من هذه القصة؟ هل سيواصل الغرب محاولاته لتغريب العالم، أم أن الشعوب الأخرى ستجد طريقها الخاص، بعيداً عن وهم “نهاية التاريخ ” ؟

يقول فرانسيس فوكوياما: “الناس لا يريدون ببساطة أن يكونوا ذلك الإنسان الأخير… يريدون المزيد. يريدون أن يُعترف بهم. يريدون تأكيد كرامتهم “

 

نقلا عن موقع رأي اليوم

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى