تقارير

إيلات في مرمى الحسابات الإسرائيلية: ماذا يجري عند بوابة البحر الأحمر؟

إيلات في مرمى الحسابات الإسرائيلية: ماذا يجري عند بوابة البحر الأحمر؟

 

■ بيروت _ أحمد موسى

 

رفع الجهوزية العسكرية في أقصى الجنوب الإسرائيلي يفتح باب الأسئلة حول طبيعة التهديدات التي يستعد العدو الإسرائيلي لمواجهتها في واحدة من أكثر النقاط حساسية في الشرق الأوسط.

 

لا تبدو إيلات، في هذه المرحلة، مجرد مدينة إسرائيلية حدودية تستعد لتدريب أمني اعتيادي. فالموقع الجغرافي للمدينة، عند رأس خليج العقبة وبالقرب من الحدود المصرية والأردنية، يجعل أي تحرك عسكري أو أمني فيها جزءاً من معادلة أوسع تتصل بأمن البحر الأحمر وبالتوترات المتصاعدة على امتداد الإقليم.

 

المعطيات التي أوردتها وسائل إعلام إسرائيلية تتحدث عن رفع مستوى الاستعداد لدى وحدات قتالية في إيلات، بالتوازي مع تدريبات تحاكي سيناريوهات من بينها التسلل، الاختطاف واحتجاز الرهائن. وهي سيناريوهات تبدو، في ظاهرها، دفاعية، لكنها تكشف في مضمونها عن اتساع دائرة التهديدات التي تضعها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في حساباتها.

 

إيلات.. حين يتحول الموقع إلى عامل تهديد

 

تكمن أهمية إيلات في أنها تقع عند نقطة جغرافية شديدة الحساسية. فالمدينة تطل على خليج العقبة، وتتجاور حدودياً مع الأردن، فيما تقترب من الحدود المصرية، بينما تقع السعودية على الضفة المقابلة للخليج.

 

وهذا الموقع يمنحها أهمية تتجاوز حجمها الجغرافي. فهي بوابة إسرائيل إلى البحر الأحمر، وممر حيوي للتجارة والملاحة، كما أنها نقطة تلتقي عندها حسابات أمنية واقتصادية إقليمية متشابكة.

 

ولذلك، فإن أي تغيير في مستوى الانتشار أو الجهوزية داخلها يستحق القراءة ضمن المشهد الإقليمي، لا باعتباره إجراءً محلياً معزولاً.

 

من «الحدود» إلى «التهديدات المتحركة»

 

اللافت في التدريبات الإسرائيلية ليس فقط وجودها، بل طبيعة السيناريوهات التي تحاكيها.

 

فالتعامل مع عمليات اختطاف أو احتجاز رهائن أو تسلل مسلح يعني أن المؤسسة الأمنية لا تبني استعدادها على فرضية مواجهة عسكرية تقليدية فقط، وإنما على احتمال وقوع عمليات محدودة وسريعة، يصعب التنبؤ بمكانها وطبيعتها.

 

وهذا النوع من التهديدات يفرض على القوات المنتشرة في المنطقة أن تكون قادرة على الانتقال خلال وقت قصير من حماية الحدود والمنشآت إلى تنفيذ عمليات اعتراض وإنقاذ وملاحقة.

 

وبعبارة أخرى، فإن المعادلة الأمنية في إيلات تبدو أكثر تعقيداً من مجرد مراقبة خط حدودي.

 

البحر الأحمر يدخل المعادلة

 

لا يمكن فصل التطورات في إيلات عن التحولات التي شهدها البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة.

 

فالممر البحري الذي يربط المحيط الهندي بقناة السويس أصبح أحد أبرز مسارح التوتر الإقليمي، مع تنامي التهديدات التي طالت حركة السفن والمصالح التجارية الدولية، وتداخل الملفات اليمنية والفلسطينية والإيرانية في معادلة أمن الملاحة.

 

ومن هنا، تتحول إيلات إلى نقطة مراقبة متقدمة بالنسبة لإسرائيل. فاستقرار البحر الأحمر لا يتعلق فقط بأمن الملاحة، وإنما بمصالح اقتصادية وأمنية إسرائيلية مباشرة.

 

هل ثمة رابط مع المشهد الإقليمي؟

 

لا توجد، وفق المعطيات المتاحة، أدلة كافية تسمح بالقول إن إسرائيل تستعد لعمل عسكري محدد انطلاقاً من إيلات أو ضد دولة عربية بعينها.

 

لكن توقيت رفع الجهوزية يفرض سؤالاً أكثر أهمية: هل تعيد إسرائيل بناء منظومتها الدفاعية على أساس أن التهديدات المقبلة قد لا تأتي من الجبهات التقليدية؟

 

هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً في ظل تعدد بؤر التوتر المحيطة بإسرائيل، من غزة ولبنان وسوريا إلى البحر الأحمر واليمن، إضافة إلى المواجهة الاستراتيجية مع إيران.

 

فالمعادلة الجديدة التي تواجهها تل أبيب تقوم على احتمال انتقال التهديد بين الساحات، بحيث لا تبقى الجبهة الجنوبية منفصلة عن التطورات في الجبهات الأخرى.

 

السعودية.. حضور جغرافي وسياسي في المشهد

 

رغم عدم وجود حدود مباشرة بين إسرائيل والسعودية عند إيلات، فإن الموقع السعودي على البحر الأحمر يجعل المملكة جزءاً من البيئة الجغرافية والاستراتيجية التي تحيط بخليج العقبة والبحر الأحمر.

 

وهنا تتداخل الجغرافيا مع السياسة. فالتطورات التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، ومحاولات إعادة رسم العلاقات والتحالفات، جعلت البحر الأحمر مساحة تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاقتصادية للدول العربية وإسرائيل والقوى الدولية.

 

وبالتالي، فإن أي ارتفاع في مستوى الاستعداد الإسرائيلي في هذه المنطقة يكتسب أهمية إضافية عندما يوضع ضمن هذا السياق الأوسع.

 

ما الذي تكشفه التدريبات فعلياً؟

 

المؤشر الأكثر أهمية ربما لا يكمن في حجم القوات التي جرى تعزيزها، بل في نوعية المخاطر التي تتدرب عليها.

 

اختطاف، رهائن، تسلل بري، تهديدات بحرية، واحتمالات هجوم من اتجاهات متعددة؛ كلها سيناريوهات تشير إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتعامل مع بيئة تهديد مفتوحة، لا يمكن اختزالها في جبهة واحدة.

 

لكن من الخطأ أيضاً تحويل هذه التدريبات تلقائياً إلى مؤشر على حرب وشيكة. فالجيوش تتدرب على السيناريوهات الأسوأ تحديداً لمنع وقوعها أو تقليل آثارها إذا حدثت.

 

المؤكد أن إيلات أصبحت جزءاً من الحسابات الأمنية الإسرائيلية الأكثر حساسية، وأن البحر الأحمر لم يعد هامشاً جغرافياً في معادلة الصراع الإقليمي.

 

إشارة أمنية أم استعداد لمرحلة جديدة؟

 

بينما تواصل إسرائيل مراقبة جبهاتها المتعددة، تبدو إيلات أمام اختبار مختلف: كيف تحمي بوابتها الجنوبية في منطقة تتغير فيها قواعد الأمن بسرعة؟.

 

رفع الجهوزية والتدريب على سيناريوهات التسلل والرهائن لا يثبت وحده وجود تهديد وشيك، لكنه يكشف عن ارتفاع مستوى القلق الإسرائيلي من احتمالات غير تقليدية في الجنوب.

 

والسؤال الذي يستحق المتابعة خلال المرحلة المقبلة ليس فقط ما إذا كانت إسرائيل ستبقي على هذا المستوى من الاستعداد، بل ما إذا كانت ستترجمه إلى انتشار عسكري دائم، أو تعزيزات استخبارية، أو إجراءات أمنية جديدة على حدودها الجنوبية ومياهها في البحر الأحمر.

 

عندها فقط يمكن تحديد ما إذا كان ما يجري في إيلات مجرد تدريب احترازي، أم جزءاً من إعادة تموضع أوسع في خريطة الأمن الإسرائيلية والإقليمية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى