الجنوب بين صولة أو جولة من المستفيد؟

الجنوب بين صولة أو جولة من المستفيد؟
بقلم هنادي عباس
بين موعدٍ متداول للمفاوضات في فلوريدا في 20 تشرين الأول، وانتخابات إسرائيلية في 27 تشرين الأول، يدخل الجنوب أسبوعين قد يكونان من أكثر الأسابيع حساسية.
السؤال لم يعد فقط: هل ستُعقد الجولة؟
بل: إذا عُقدت، هل ستكون جولة للوصول إلى نتيجة، أم جولة لشراء الوقت وترحيل الحل إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية؟
المعطيات حتى الآن تحمل تناقضًا واضحًا. لبنان يريد إبقاء المسار التفاوضي قائمًا، ويطالب بوقف الاعتداءات والانسحاب وتطبيق الاتفاق الإطار. وفي المقابل، لا يتراجع الضغط العسكري الإسرائيلي على الأرض.
وبتحديداً تكمن العقدة هنا.
إذا كانت إسرائيل ذاهبة فعلًا إلى تفاوض عسكري قبل الانتخابات، فلماذا تستمر في رفع الضغط الميداني قبل الجلوس إلى الطاولة؟
هناك قراءتان محتملتان:
الأول يقضي أن التصعيد الحالي هو رفع لسقف التفاوض؛ أي محاولة للوصول إلى الجولة المقبلة بأكبر قدر ممكن من أوراق القوة، ثم مقايضة التهدئة والترتيبات الأمنية بانسحابات أو التزامات لبنانية.
وإما أن الجولة نفسها ليست سوى محطة لضبط الاشتباك، فيما القرار السياسي الكبير مؤجل إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، عندما تتضح هوية الحكومة المقبلة وقدرتها على اتخاذ قرارات تتعلق بالانسحاب والترتيبات النهائية.
وهنا يصبح توقيت 20 تشرين الأول أهم من مكان الاجتماع نفسه.
سبعة أيام فقط تفصل الموعد المتداول للجولة عن الانتخابات الإسرائيلية. وهي مدة ضيقة جدًا أمام ملفات بحجم الانسحاب، وقف العمليات العسكرية، تثبيت وقف النار، الأسرى والترتيبات الأمنية.
لذلك، حتى لو انعقدت الجولة، فإن انعقادها وحده لا يعني أن التسوية اقتربت.
قد تكون أهميتها في منع الانفجار، تثبيت قناة الاتصال، وربما انتزاع خطوات ميدانية محدودة؛ أما التسوية السياسية الأكبر فقد تبقى رهينة ما بعد صناديق الاقتراع الإسرائيلية.
لكن الاحتمال الأخطر يبقى في مكان آخر:
ماذا لو لم تصل الجولة أصلًا إلى 20 تشرين؟
ماذا لو ارتفع التصعيد في الأيام المقبلة إلى مستوى يجعل واشنطن تؤجل الاجتماع؟ وماذا لو كان استمرار الضغط العسكري نفسه وسيلة لفرض وقائع جديدة قبل أن تصبح الانتخابات ذريعة لتجميد المسار كله؟
عندها لن يكون الجنوب أمام جولة تفاوض مؤجلة فحسب، بل أمام فراغ سياسي قد يمتد إلى ما بعد الانتخابات، فيما الميدان لا ينتظر.
وهنا تصبح المعادلة دقيقة جدًا:
إذا انعقدت الجولة قبل الانتخابات، فالاختبار ليس في الصورة التي ستخرج من فلوريدا، بل في أول خطوة إسرائيلية على الأرض بعدها.
هل يتراجع التصعيد؟
هل يبدأ انسحاب فعلي؟
هل تُترجم التفاهمات إلى إجراءات؟
أم نعود إلى المعادلة نفسها: تفاوض في الخارج، ونار على الأرض؟
فالجنوب اليوم يقف فعلًا بين صولة وجولة.
جولةٌ إذا استطاعت واشنطن تثبيت موعد التفاوض وفرض خطوة عملية تفتح الطريق لما بعدها.
وصولةٌ إذا تحولت الأيام الفاصلة عن الانتخابات إلى مساحة عسكرية مفتوحة لتحسين الشروط قبل تجميد السياسة.
المشكلة لم تعد في موعد المفاوضات، بل في السباق بين ساعتين: ساعة 20 تشرين على طاولة فلوريدا، وساعة 27 تشرين في صندوق الاقتراع الإسرائيلي.
وأيّهما يسبق الآخر سياسيًا، قد يحدد ما إذا كان الجنوب ذاهبًا إلى بداية تسوية، أم إلى جولة جديدة من الصراع.
كاتبة وباحثة سياسية






