المنطقة على حافة التصعيد: سباق بين الدبلوماسية والاستعداد للحرب… اليمن يفرض المعادلة ولبنان في قلب الحسابات

المنطقة على حافة التصعيد: سباق بين الدبلوماسية والاستعداد للحرب… اليمن يفرض المعادلة ولبنان في قلب الحسابات
■ بيروت _ أحمد موسى
تتزايد المؤشرات على ارتفاع منسوب التوتر في الشرق الأوسط، وسط تقارير عن استعدادات عسكرية أميركية وإسرائيلية لاحتمال استئناف الضربات ضد إيران، بالتوازي مع تحركات تقودها قطر وباكستان لمحاولة إعادة فتح قنوات التفاوض. وبين المسارين العسكري والدبلوماسي، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحسابات النووية والأمنية مع مصالح الطاقة والممرات البحرية ومستقبل التوازنات الإقليمية.
وفيما تتحدث تقارير إعلامية عن خطط محتملة لشن هجمات جديدة، لا يزال توقيت أي تحرك عسكري وقرار تنفيذه غير محسومين علناً. وقد نقلت وسائل إعلام أميركية عن مصادر مطلعة أن واشنطن وتل أبيب أعدّتا تصورات لعمليات جديدة ضد إيران، مع الإشارة إلى أن التحضيرات العسكرية قد تشكّل أيضاً وسيلة ضغط لدفع طهران نحو تسوية سياسية.
مفاوضات تحت ضغط الميدان
في المقابل، تستمر الاتصالات الدبلوماسية سعياً إلى صيغة تفاهم تحدّ من احتمالات تجدد المواجهة. وتتداول تقارير إعلامية مقترحاً يتضمن ترتيبات مرتبطة بالأموال الإيرانية المجمّدة في قطر، وإجراءات تفتيش نووية، في محاولة لتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران.
لكن هذه الطروحات لم تتحول، وفق المعلومات المنشورة، إلى اتفاق نهائي معلن، كما أن الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني والعقوبات والضغوط العسكرية لا تزال تعقّد فرص التوصل إلى تسوية. وكانت وكالة رويترز قد أفادت في 18 تشرين الأول باستمرار الخلاف حول شروط إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف المفاوضات.
وتكمن المفارقة في أن التحرك الدبلوماسي يجري بالتزامن مع تعزيز الجاهزية العسكرية، ما يفتح الباب أمام احتمالين متوازيين: استخدام الضغط الميداني لتحسين شروط التفاوض، أو تعثر الاتصالات بما يفسح المجال أمام جولة جديدة من العمليات العسكرية.
واشنطن وتل أبيب: حسابات التوقيت والنتائج
تتجه الأنظار إلى طبيعة القرار الأميركي في المرحلة المقبلة، ولا سيما في ضوء التقارير التي تتحدث عن تنسيق عسكري مع إسرائيل واستعدادات لعمليات محتملة بعد الانتخابات النصفية الأميركية المقررة في 3 تشرين الثاني.
غير أن الحديث عن خطط عسكرية لا يعني أن قرار التنفيذ قد اتُّخذ بصورة نهائية، كما أن التحركات العسكرية وحدها لا تكفي لتحديد موعد الضربة أو نطاقها. وتبقى المواقف الرسمية والتطورات الميدانية الفعلية، إلى جانب مصير الاتصالات الدبلوماسية، عناصر أساسية في تقدير المسار المقبل.
في المقابل، ترفع التصريحات الإسرائيلية سقف التهديدات، فيما تؤكد طهران استعدادها لمواجهة أي هجوم، وتلوّح بقدرات عسكرية جديدة وبإمكانية توسيع نطاق الرد. ويعكس هذا التبادل في الرسائل محاولة كل طرف التأثير في حسابات الطرف الآخر، سواء عبر الردع أو الضغط السياسي والعسكري.
إيران ومضيق هرمز: ما وراء المواجهة العسكرية
لا تقتصر تداعيات أي تصعيد محتمل على المنشآت العسكرية أو النووية، إذ يشكل مضيق هرمز أحد أبرز مفاتيح التأثير في الاقتصاد العالمي، نظراً إلى أهميته في حركة تجارة النفط والغاز.
ومن هنا، فإن اتساع المواجهة قد ينعكس على أسعار الطاقة والنقل والتأمين وسلاسل الإمداد، فضلاً عن زيادة الضغوط الاقتصادية على دول المنطقة. كما أن انتقال العمليات إلى الممرات البحرية أو البنى التحتية للطاقة قد يجعل احتواء الأزمة أكثر تعقيداً.
وفي هذا السياق، لا يمكن التعامل مع التهديدات المتبادلة بوصفها دليلاً قاطعاً على حتمية الحرب، لكنها تشير إلى أن هامش الخطأ في الحسابات العسكرية والسياسية بات أكثر حساسية، وأن أي حادث ميداني قد يفرض إيقاعاً مختلفاً على مسار الأزمة.
اليمن والخليج: اتساع دائرة المخاطر
على خط موازٍ، تتزايد المخاوف من امتداد المواجهة إلى ساحات إقليمية أخرى، في ظل التوترات المرتبطة باليمن والبحر الأحمر والخليج.
وقد نقلت تقارير إعلامية تصريحات منسوبة إلى القيادي في حركة أنصار الله اليمنية محمد البخيتي، تحدث فيها عن طرح خيار الهجوم البري على السعودية. وتبقى هذه التصريحات، في حال تأكدت دقة نقلها، مؤشراً إلى مستوى التصعيد في الخطاب السياسي والعسكري، من دون أن تشكل بحد ذاتها دليلاً على اتخاذ قرار عملياتي بالتنفيذ.
أما الحديث عن تحركات مالية خليجية لدعم البحرين في مواجهة التداعيات الاقتصادية للحرب، فيسلّط الضوء على جانب آخر من الأزمة، يتمثل في كلفة المواجهة على الاستقرار المالي والاقتصادي لدول المنطقة، حتى تلك التي لا تكون طرفاً مباشراً في العمليات العسكرية.
لبنان أمام استحقاق سياسي حساس
لبنان، الذي يواجه أصلاً تداعيات الاعتداءات الإسرائيلية والأزمة الأمنية والاقتصادية، لا يستطيع فصل واقعه عن مسار المواجهة الإقليمية. فأي توسع في الحرب قد يرفع مستوى المخاطر الأمنية والإنسانية والاقتصادية، ويضع الدولة أمام تحديات إضافية في حماية المدنيين وتأمين الخدمات الأساسية والحفاظ على الاستقرار الداخلي.
وفي هذا الإطار، تكتسب المعلومات المتداولة عن لقاء السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى مع عدد من النواب في عوكر أهمية سياسية، ولا سيما ما نُقل عن طرح يتعلق بإلغاء قوانين مقاطعة إسرائيل، وفي مقدمتها قانون عام 1955.
وإذا صحّت هذه المعلومات، فإنها تفتح نقاشاً يتجاوز البعد التشريعي إلى طبيعة الخيارات السياسية المطروحة أمام لبنان، وحدود أي تغيير في مقاربته للعلاقة مع إسرائيل، ومدى ارتباط هذه الخطوات بوقف الحرب أو بتسوية إقليمية أوسع. غير أن تفاصيل اللقاء ومواقف المشاركين فيه تحتاج إلى توثيق واضح، كما ينبغي عدم افتراض وجود توافق نيابي على أي اقتراح قبل إعلان المواقف رسمياً.
ويطرح هذا الملف سؤالاً أساسياً: هل يمكن لأي تعديل تشريعي أن يشكل جزءاً من مسار تسوية يضمن وقف الاعتداءات وحماية السيادة اللبنانية، أم أن الأولوية يجب أن تبقى مرتبطة بوقف الأعمال العدائية وتثبيت الاستقرار وتوفير الضمانات اللازمة؟
الضفة الغربية: جبهة أخرى في المشهد
بالتزامن مع التصعيد المرتبط بإيران، نُقلت تصريحات عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحدث فيها عن عملية واسعة محتملة في الضفة الغربية، واصفاً إياها بأنها قد تكون غير مسبوقة منذ عام 1967، مع الإشارة إلى أن توقيت تنفيذها سيُحدد لاحقاً.
وفي حال المضي في عملية واسعة، فإن تداعياتها قد تتجاوز الضفة الغربية، في ظل ترابط الملفات الأمنية والسياسية في المنطقة، وما يمكن أن تثيره من ردود فعل فلسطينية وإقليمية ودولية.
بين التسوية والانفجار
في المحصلة، لا يبدو المشهد الإقليمي محكوماً بمسار واحد. فهناك استعدادات عسكرية وتقارير عن خطط لضربات محتملة، تقابلها وساطات واتصالات تبحث عن تسوية، فيما تتواصل التهديدات المتبادلة وتتسع المخاوف من انتقال المواجهة إلى ساحات جديدة.
ولا يكفي تعدد المؤشرات العسكرية للجزم بأن الحرب باتت حتمية، كما لا تكفي الاتصالات الدبلوماسية للقول إن التسوية أصبحت قريبة. فالمسار النهائي سيبقى مرتبطاً بقرارات الأطراف المعنية، وبقدرتها على التوصل إلى تفاهمات تحول دون اتساع المواجهة.
وبين لغة التهديد ومحاولات الوساطة، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح الدبلوماسية في تحويل الاستعدادات العسكرية إلى ورقة ضغط تقود إلى اتفاق، أم تتقدم الحسابات الميدانية على الاتصالات السياسية، فتدخل المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد يصعب احتواء تداعياتها؟.






