الوحدة اليمنية ومخاطر المشاريع الخارجية

الوحدة اليمنية ومخاطر المشاريع الخارجية
بقلم / محمد الصالحي
لا شك أن أخطر ما يهدد الوحدة اليمنية اليوم هو الدور الخارجي الساعي إلى تفكيك اليمن وتمزيق المنطقة العربية إلى كيانات ضعيفة ومتصارعة، ضمن مشاريع استعمارية قديمة ومتجددة، يأتي في مقدمتها مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي يقوم أساساً على إعادة رسم خرائط المنطقة وفق المصالح الأمريكية والغربية والصهيونية.
وكانت القضية الجنوبية إحدى أهم الأوراق التي استغلتها القوى الخارجية لضرب الوحدة اليمنية، عبر تغذية النزعات الانفصالية والدفع باتجاه إعادة اليمن إلى ما قبل 22 مايو 1990م.
ولو عدنا إلى الجذور التاريخية للقضية لوجدنا أن العامل الخارجي كان حاضراً فيها منذ البداية، فاليمن عبر تاريخه الطويل كان يمثل وحدة جغرافية وحضارية وسكانية واحدة، ولم يعرف التشطير إلا في ظل الاحتلال. فالاحتلالان البريطاني والعثماني هما من قاما بتقسيم اليمن إلى مناطق نفوذ، ثم جاءت بريطانيا لاحقاً لتكرّس هذا الانقسام بإطلاق مسمى “الجنوب العربي” كمشروع سياسي يهدف إلى سلخ جنوب اليمن عن هويته اليمنية وربطه بالمشروع الاستعماري البريطاني.
وخلال مرحلة الحرب الباردة استمر الانقسام اليمني نتيجة ارتباط النظامين القائمين آنذاك بمحاور الصراع الدولي، وهو ما أعاق تحقيق الوحدة اليمنية لسنوات طويلة، حتى تحققت الوحدة في 22 مايو 1990م باعتبارها إنجازاً وطنياً تاريخياً أعاد لليمن جزءاً من هويته الطبيعية.
غير أن السياسات الخاطئة التي أعقبت الوحدة، وما نتج عن حرب صيف 1994م من إقصاء وتهميش لكثير من الكوادر الجنوبية، خلقت حالة من الاحتقان السياسي والاجتماعي، تحولت لاحقاً إلى حركات احتجاجية رفعت شعارات حقوقية ثم تطورت لدى بعض الأطراف إلى المطالبة بفك الارتباط. وهنا وجدت القوى الخارجية فرصة جديدة لإعادة إحياء مشاريع التقسيم، عبر استثمار المظالم الحقيقية وتوجيهها بما يخدم أجنداتها السياسية.
ومع أحداث ما يسمى بالربيع العربي، ثم التدخلات الخارجية الواسعة في الشأن اليمني، تعقدت القضية الجنوبية بصورة أكبر، خصوصاً مع محاولات فرض مشاريع تقسيمية تحت عناوين سياسية مختلفة، كان أبرزها مشروع الأقاليم الذي طُرح خلال مؤتمر الحوار الوطني.
ثم جاءت ثورة 21 سبتمبر 2014م لتدفع القوى الخارجية إلى استخدام القضية الجنوبية بصورة أكثر وضوحاً في إطار الحرب على اليمن، حيث تحولت هذه القضية إلى أداة لإشعال الصراعات الداخلية، وتمزيق النسيج الوطني، وتمكين قوى الاحتلال من السيطرة على الجغرافيا اليمنية ونهب الثروات وإدامة حالة الفوضى والصراع بين اليمنيين أنفسهم، حتى بين الأطراف الموالية للخارج ذاته.
وبالتالي فإن مستقبل الوحدة اليمنية سيظل مرهوناً بقدرة اليمنيين على التحرر من الهيمنة الخارجية وإنهاء حالة الارتهان السياسي للخارج، لأن التجارب التاريخية أثبتت أن القوى الاستعمارية لا تنظر إلى اليمن بوصفه دولة مستقرة وموحدة ينبغي الحفاظ عليها، بل بوصفه موقعاً جغرافياً واستراتيجياً مهماً يجب إبقاؤه في حالة ضعف وانقسام دائم، حتى يسهل التحكم بقراره السياسي وثرواته وموقعه الحيوي.
فكلما ضعفت الدولة اليمنية وازدادت الانقسامات الداخلية، ازدادت قدرة القوى الخارجية على فرض نفوذها العسكري والسياسي والاقتصادي، وتحويل اليمن إلى ساحة صراع مفتوحة تخدم مصالحها الإقليمية والدولية. ولهذا فإن التدخلات الخارجية لا تعمل فقط على استغلال الانقسامات الموجودة، بل تسعى في كثير من الأحيان إلى صناعتها وتغذيتها وإبقائها مشتعلة، عبر دعم أطراف ضد أخرى، وإثارة النزعات المناطقية والمذهبية والسياسية، واستخدام الملفات الحقوقية والخلافات السياسية كأدوات لإعادة تشكيل الواقع اليمني بما يخدم مشاريع الهيمنة والتقسيم.
كما أن أخطر ما تفعله القوى الخارجية لا يتمثل فقط في احتلال الأرض أو السيطرة على الثروات، بل في صناعة حالة من العداء والكراهية بين أبناء الوطن الواحد، وتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات وجودية طويلة الأمد يصعب تجاوزها مستقبلاً. فحين يتم تفكيك الهوية الوطنية الجامعة، وتغليب الهويات الضيقة والمناطقية، يصبح المجتمع مهيئاً للدخول في دوامة صراعات لا تنتهي، وهو ما يهدد ليس فقط الوحدة اليمنية، بل وجود الدولة اليمنية نفسها.
ومن هنا فإن الحفاظ على الوحدة اليمنية لا يمكن أن يتحقق بالشعارات وحدها، ولا بالقوة العسكرية فقط، بل يتطلب مشروعاً وطنياً شاملاً يعالج الاختلالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تراكمت خلال العقود الماضية، ويعيد بناء الثقة بين أبناء الوطن على أساس الشراكة والعدالة والمواطنة المتساوية. فالوحدة الحقيقية ليست مجرد حدود جغرافية أو سلطة مركزية، وإنما شعور وطني جامع يقوم على العدالة واحترام الحقوق وإنصاف جميع المكونات اليمنية دون تمييز أو إقصاء.
وفي المقابل، فإن الاعتراف بوجود مظلومية حقيقية تعرض لها أبناء المحافظات الجنوبية لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تبنياً لمشاريع الانفصال أو التقسيم، بل هو اعتراف بواقع سياسي واجتماعي أفرزته ممارسات خاطئة وسياسات إقصائية ساهمت في تعميق الشعور بالغبن لدى شريحة واسعة من أبناء الجنوب، خصوصاً بعد حرب صيف 1994م وما ترتب عليها من تغييرات سياسية وإدارية واقتصادية أثرت بصورة مباشرة على كثير من الكوادر والمؤسسات الجنوبية.
غير أن تحويل هذه المظلومية إلى أداة لتمزيق اليمن يخدم في النهاية القوى الخارجية أكثر مما يخدم أبناء الجنوب أنفسهم، لأن مشاريع التقسيم لا تنتج دولاً مستقرة وقوية، بل كيانات هشة مرتبطة بالخارج سياسياً واقتصادياً وأمنياً. والتجارب في المنطقة العربية تؤكد أن الدول التي تم تفكيكها تحت شعارات مختلفة تحولت لاحقاً إلى ساحات نفوذ وصراعات وحروب داخلية مفتوحة.
ولهذا فإن الحل الحقيقي والعادل للقضية الجنوبية لا يمكن أن يأتي عبر الخارج، لأن القوى الخارجية لا تتحرك بدافع الحرص على حقوق الشعوب أو تحقيق العدالة، وإنما وفق حسابات المصالح والنفوذ. فالدول التي تتدخل اليوم تحت عناوين الدعم والمساندة هي نفسها التي ساهمت تاريخياً في صناعة الأزمات والانقسامات داخل اليمن، وهي تنظر إلى القضية الجنوبية باعتبارها ورقة ضغط وأداة سياسية أكثر من كونها قضية شعب يسعى لنيل حقوقه.
أما الحل الوطني الحقيقي، فيكمن في بناء دولة يمنية عادلة وقوية، تُنهي الفساد والإقصاء والتمييز، وتضمن شراكة حقيقية في السلطة والثروة، وتحفظ الكرامة والحقوق لجميع أبناء اليمن شمالاً وجنوباً. فالوحدة التي تقوم على العدالة والمساواة والاحترام المتبادل ستكون أكثر صلابة وقدرة على الاستمرار من أي وحدة تُفرض بالقوة أو تُدار بعقلية الغلبة والإقصاء.






