Uncategorized

حين قُصفت بيروت.. استيقظ باب المندب

حين قُصفت بيروت.. استيقظ باب المندب

كتب / عدنان باوزير

 

كان الإسرائيلي يظن أن المنطقة كلها قد دخلت مرحلة الترويض النهائي، وأن فائض القوة الذي يمتلكه بات يمنحه حق العبث بالجغرافيا كما يشاء، والقفز فوق الخطوط الحمراء كما يقفز طفل مدلل فوق برك الماء.

ضرب هنا، واغتال هناك، وهدد هذه العاصمة، وأهان تلك الدولة، حتى بدا وكأنه يمارس هواية يومية لا أكثر.

وكانت المفاجأة أن خصومه، رغم كل الاستفزازات، كانوا يبتلعون الغضب بصعوبة بالغة، إيران ضُربت، ولبنان نُكِّل به، وغزة تُذبح منذ سنوات، واليمن نفسه تعرض لما تعرض له من حصار وضغوط وابتزاز.

ومع ذلك ظل المشهد منضبطًا إلى حد أدهش الأصدقاء قبل الخصوم. لكن المشكلة القديمة في الغطرسة أنها تصيب أصحابها بالعمى. فالمغرور لا يرى الجدار إلا بعد أن يرتطم به.

ويبدو أن إسرائيل قررت أن تختبر هذه القاعدة بنفسها.

لقد تعاملت مع صبر خصومها كما لو كان خوفًا، ومع حكمتهم كما لو كانت عجزًا، ومع ضبط النفس كما لو كان استسلامًا.

وهنا كان الخطأ القاتل.

فثمة شعوب قد تتسامح طويلًا، لكنها لا تتخلى عن كرامتها.

وثمة رجال قد يصبرون كثيرًا، لكنهم لا يقبلون الإهانة إلى ما لا نهاية.

وحين وصلت الرسالة الإسرائيلية إلى بيروت بالنار، وصلت في الاتجاه المعاكس إلى صنعاء بالدم.

هناك تغير شيء ما، هناك انتهت مرحلة الحسابات الباردة، وهناك تذكّر اليمنيون أن النخوة ليست بندًا تفاوضيًا، وأن الوفاء للحلفاء لا يُقاس بموازين الربح والخسارة. كان أمام صنعاء ألف سبب كي تؤجل قرارها. ملفات سلام، ومفاوضات معقدة، وترتيبات سياسية، واستحقاقات قادمة، وصفقات أسرى تلوح في الأفق.

لكن يبدو أن بيروت كانت أكبر من كل تلك الملفات مجتمعة، فحين مست القذائف عاصمة العرب الجريحة، قررت صنعاء أن تخرج من مقاعد الإحتياط، وأن تكتب موقفها بلغتها المفضلة: لغة الأفعال.

فلم ترفع صوتها فقط نحو يافا بل صوبت صواريخها، ورفعت يدها أيضًا فوق عنق التجارة البحرية الإسرائيلية.

وفجأة تذكر العالم أن باب المندب ليس مجرد اسم يتكرر في نشرات الأخبار، بل بوابة عملاقة تقف على عتبتها إرادة يمنية عنيدة.

وأن هذا المضيق، الذي اعتاد البعض النظر إليه كخط أزرق على الخرائط، يمكن أن يتحول في لحظة إلى جملة سياسية كاملة، بل إلى خطاب استراتيجي لا يحتاج إلى مترجم.

لقد أرادت إسرائيل أن تقول إن بيروت وحيدة.

فجاءها الرد من أقصى جنوب الجزيرة العربية: كلا، بيروت ليست وحدها،

وليست لقمة سائغة. وليست مدينة متروكة على مائدة الغزاة.

أما الدرس الذي خرج به الجميع، فهو أن الحكمة شيء، ونفاد الصبر شيء آخر.

وأن اليمن، الذي صبر طويلًا على الاستفزازات، لم يغيّر موقفه حين تعرّضت المصالح للخطر، بل حين تعرّضت الكرامة للاختبار.

وحين يحدث ذلك… فإن باب المندب لا يبقى مجرد مضيق، بل يتحول إلى بيان سياسي مفتوح على البحر كله.

 

نقلا عن موقع الاحقاف نيوز

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى