مقالات وآراء

خريف المرتزقة

خريف المرتزقة

 

كتب / عدنان باوزير

يبدو أن خريفًا طويلًا قد حلّ على جبهات الحرب في اليمن؛ خريفٌ لا تتساقط فيه أوراق الشجر، بل أوراق الحشود، وأرتال المدرعات، وأوهام الانتصار التي ظلّت تُسقى بالمال والسلاح طوال سنوات.

فمنذ التحولات الأخيرة في الساحل الغربي، والتي أعلنت صنعاء خلالها السيطرة على مواقع واسعة وصولًا إلى مناطق استراتيجية عند باب المندب، بدا أن كثيرًا مما بُني خلال سنوات الحرب بدأ يتهاوى بوتيرة أسرع مما يستطيع أصحاب المشروع ترميمه. وقد وصفت تقارير حديثة هذه التطورات بأنها نقلت المبادرة العسكرية إلى الطرف المسيطر على الساحل، مع وصوله إلى جزيرة ميون ومناطق استراتيجية أخرى.

ومن قبل ومن بعد تتواصل عمليات استهداف حشود المرتزقة في غير مكان ، وقد جاءت عملية الطوال اليوم لتضيف فصلًا جديدًا إلى المشهد.

بحسب الإعلان الصادر عن صنعاء، استهدفت العملية بعشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة مواقع وتجمعات عسكرية في منطقة الطوال بجيزان، بينها غرف عمليات ومراكز قيادة ومستودعات أسلحة ومواقع إطلاق صواريخ. كما تحدثت الرواية نفسها عن خسائر بشرية ومادية كبيرة في صفوف القوات السعودية والقوات اليمنية والسودانية الموجودة في تلك المواقع.

ودوت على هامشها صفارات الإنذار في عدد من المناطق السعودية منها الطائف وينبع.

وثمة دلالة عسكرية وسياسية جلية هنا : فالجبهة لم تعد جبهة واحدة، والنيران لم تعد محصورة في خطوط التماس داخل اليمن، بل باتت تمتد إلى العمق السعودي، في وقت تؤكد فيه تقارير دولية استمرار الهجمات على أهداف سعودية، ووصولها في وقت سابق من هذا الشهر إلى الرياض نفسها.

وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا:

كم من الجبهات تستطيع الرياض أن تفتح، وكم من الحشود تستطيع أن تحشد، وكم من الوقت تستطيع أن تشتري؟

فالمرتزق، في نهاية المطاف، لا يملك إلا عمره وراتبه.

أما صاحب القرار فيجلس بعيدًا عن الخندق، ويصدر الأوامر من غرفة مكيفة، ثم يبحث عن دفعة جديدة من الرجال كلما انتهت الدفعة السابقة.

وهكذا تتحول الحرب إلى مصنع عجيب:

يُستورد السلاح،

وتُصدَّر الأوامر،

وتُستهلك الجيوش المحلية،

ثم يُعاد تشغيل المصنع من جديد.

حتى إن التقارير الأخيرة تتحدث عن طلب الرياض دعمًا عسكريًا خارجيًا، فيما وافقت بريطانيا على تقديم دعم جوي محدود يتعلق بإعادة التزود بالوقود، في مؤشر على أن المعركة لم تعد شأنًا يمنيًا محضًا.

ومحلياً ما زالت تحشد حتى أنه لم يبق ملتح واحد في الجنوب لم ترسله الى الجبهات، حتى أن (الحجوري) عزز بطلب منها بأعداد كبيرة من طلبته اليمنيين والعرب وحتى الأجانب كالقوقازيين الروس مثلا. ومثلها يفعل الاخوان المسلمون.

ومما يدل على عمق ازمتها أنها لجأت حتى للضغط على قوات ما يسمى بالنخبة الحضرمية للممشاركة في القتال، رغم ان هذه القوات لم تنشئ بحكم تكوينها أو تدريبها أو تسليحها لتؤدي مهام امنية داخل المدن كالشرطة وما شابه ذلك، وليس للقتال.

وقد هددت بالفعل منتسبي تلك التشكيلات بالامتثال للاوامر والتحرك للقتال في الجبهات والا فأنها سوف تقطع مرتباتهم.

واضح جداً من خلال المعطيات أن السعودية ستمضي في عدوانها وستقاتل حتى آخر مرتزق، لأن التوقف يعني الإقرار الصريح والمعلن بالهزيمة الساحقة، وبالتالي خسارة اليمن الى الأبد، ناهيك عن تحمل مسئولية جرائم وتبعات الحرب.

والأكثر إثارة للسخرية أن كل ذلك يحدث بينما تراهن الرياض، بحسب تقارير وتحليلات متداولة، على عامل الوقت وعلى احتمالات تغير المشهد الإقليمي وتدخل قوى خارجية بصورة أوسع.

لكن الوقت الذي يُفترض أن يكون حليفًا قد يتحول، في الحروب الطويلة، إلى خصم.

فكل يوم إضافي يعني جبهة جديدة محتملة، وحشدًا جديدًا، وكلفة جديدة، وهدفًا جديدًا، واحتمالًا جديدًا بأن تكتشف غرفة العمليات أن الخريطة التي كانت معلقة على الجدار لم تعد تشبه الخريطة الموجودة على الأرض.

أما أوراق المرتزقة، فتواصل التساقط.

ورقة هنا… وورقة هناك…فقد حل الخريف الذي لن يبقى فيه على الشجرة إلا من قرر أخيرًا أن يسأل:

من أجل ماذا سقط كل هذا؟

وحينها لن تكون المشكلة في عدد الأوراق التي سقطت، بل في السؤال الذي سيبقى معلقًا على الغصن:

كم ورقة أخرى تستطيع السعودية أن تحرقها قبل أن تدرك أن الشجرة نفسها بدأت تحترق؟

 

نقلا عن موقع الاحقاف نيوز

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى