موقع باب المندب ومحور المقاومة: إعادة رسم معادلات الأمن القومي والاستقلال السياسي*

*موقع باب المندب ومحور المقاومة: إعادة رسم معادلات الأمن القومي والاستقلال السياسي*
بقلم: أشرف شنيف
في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تتجلى إعادة تشكيل موازين القوى حول القضايا المحورية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. لقد ألقت المواجهات الميدانية الأخيرة الضوء على مفاهيم استراتيجية متعددة، يتعلق بعضها بمواقف القوى الإقليمية، والبعض الآخر بالأهمية الجيوسياسية للمضايق والمنافذ البحرية العربية، وفي مقدمتها مضيق باب المندب.
*شهادة القائد الشهيد يحيى السنوار ومسار الإسناد*
عندما انتخب الشهيد يحيى السنوار رئيسا للمكتب السياسي لحركة حماس، حرص على توجيه رسائل رسمية إلى قيادات جبهات الإسناد، وعلى رأسهم الشهيد السيد حسن نصر الله والسيد عبد الملك الحوثي، معربا فيها عن تقديره للجهود والعمليات العسكرية المساندة لقطاع غزة.
جاءت هذه الرسائل في توقيت حساس شهد فيه العالم -بما فيه المحيط العربي والإسلامي- عجزا إقليميا ودوليا عن وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية. وتعد هذه المواقف، بحسب مراقبين، شهادة ميدانية تعكس طبيعة التنسيق العسكري والسياسي بين أطراف ما يعرف بـ “محور المقاومة”، الذي يجمع قوى متباينة مذهبيا من السنة والشيعة تحت عنوان دعم القضية الفلسطينية ومواجهة المشاريع الخارجية.
*الأهمية الاستراتيجية لباب المندب وموازين القوى البحرية*
يشكل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات المائية الحاكمة للحرية الملاحية والتجارة الدولية. وقد أثبتت التطورات الأخيرة إمكانية توظيف هذا المنفذ الحيوي كأداة ضغط استراتيجية وعسكرية لتأدية أدوار في النزاعات الإقليمية:
– تأثير الملاحة على الاقتصاد: أدت العمليات التي نفذتها حركة «أنصار الله» في جنوب البحر الأحمر إلى فرض قيود على حركة السفن المرتبطة بإسرائيل، مما تسبب في أضرار اقتصادية ولوجستية ملموسة لموانئها وخطوط إمدادها.
– الصراع على النفوذ: يفسر هذا التأثير السعي المتزايد من قبل إسرائيل وحلفائها الدوليين لتأمين حضور دائم في جنوب البحر الأحمر. وقد تجلى ذلك في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين التي تؤكد أن أمنهم البحري مرتبط بالسيطرة أو التأثير المباشر على هذه المنطقة المائية الحيوية.
– تجاذبات التبعية والسيادة والصراع المحلي: تتداخل نظرة الأطراف المختلفة لسيطرة القوى اليمنية على باب المندب بين من يرى فيها أداة سيادية للضغط والإسناد العربي لغزة وفلسطين أو حتى الضغط على السعودية من خلال الحصار على سفنها حتى تكسر الحصار المفروض على اليمن منها (وهي رؤية أنصار الله)، وبين من يعتبرها تهديدا لسلامة الملاحة الدولية ومصالح التحالفات الإقليمية (وهي رؤية شرعية السعودية في اليمن والممثلة بالمجلس الرئاسي).
*التحالفات الإقليمية ومسألة التوازن في المنطقة*
تثير الانقسامات الحالية في العالم الإسلامي تساؤلات حول فاعلية الأطر والتحالفات القائمة:
1. التحالفات الرسمية والموقف من الأزمات: يواجه “التحالف الإسلامي” والتحالفات الإقليمية الأخرى انتقادات بشأن مستوى تدخلها في الأزمات الإنسانية والعسكرية كأزمة غزة؛ إذ يرى العارفون بالشأن السياسي أن هذه التحالفات غالبا ما تحكم بأولويات سياسية وأمنية خاصة بالدول القيادية فيها، وتتحاشى الصدام المباشر مع القوى الدولية.
2. شيطنة المقاومة ومفهوم التوازن: تمارس في وسائل الإعلام محاولات لشيطنة محور المقاومة -ومنها حركة أنصار الله- والتركيز على أخطائه السياسية أو أدواره في النزاعات الداخلية بالدول العربية، مقابل تبرئة السياسات الأخرى. ورغم أن القوى المحسوبة على هذا المحور كأنصار الله وحزب الله وإيران تقع بالفعل في أخطاء ولديها حسابات سياسية وتكتيكية داخلية وخارجية (فجل من لا يخطئ)، إلا أن تقييم دورها يجب أن يتسم بالواقعية دون إنكار لدورها الفعلي في مواجهة مشاريع التطبيع الصهيوني والإسناد الميداني.
*رؤية استراتيجية لباب المندب والتنمية المستدامة في اليمن*
تأكيدا لما أدركه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، يعتبر باب المندب ركيزة أساسية للأمن القومي العربي. ولتحقيق الاستفادة القصوى من هذا الموقع الفريد، يفترض العمل على استراتيجية يمنية شاملة تتضمن:
– الاستقلال السياسي والاستراتيجي: حماية الممر المائي من الخضوع للإملاءات الإقليمية أو الدولية التي تجعل اليمن تبعا لرؤى دول الجوار كالسعودية والإمارات، والتي قد تنظر إلى الاستقلال الاقتصادي والسياسي لليمن كعامل منافسة إقليمية.
– التنمية الاقتصادية والشراكات: بناء مشاريع تنموية واستثمارية كبرى على امتداد الساحل اليمني، وتطوير الموانئ والمناطق الحرة وإنشاء مناطق صناعية ومدن سياحية، وعقد شراكات إقليمية ودولية متوازنة تستغل الموقع الجغرافي لتحقيق التنمية المستدامة بدلا من اختزاله في البعد العسكري فقط.
إن قراءة واقع المنطقة تتطلب رؤية موضوعية تتجاوز التزييف الإعلامي، وتضع المصلحة العربية والإسلامية العليا في صدارة الأولويات، بما يضمن دعم حق الشعوب في المقاومة وحماية مقدراتها وسيادتها على منافذها الاستراتيجية.





