ثقافة

أيقونة العيد الخالدة

أيقونة العيد الخالدة

 

كتب / عدنان باوزير

ليست أغنية “آنستنا يا عيد” مجرد مقطوعة موسمية تُستدعى مع هلال الفرح، بل هي طقس وجداني، يكاد يُشبه صلاةً شعبيةً خفيفة الظل، يرددها اليمنيون كلما عاد العيد كضيفٍ عتيق يعرف الطريق إلى القلوب دون استئذان. في هذه التحفة التي صاغ كلماتها الشاعر (المطاع)، وغنّاها بصوته الموشّى بالشجن علي الآنسي، نحن أمام نصٍّ بسيطٍ حدَّ الشفافية، عميقٍ حدَّ النفاذ، كأن كلماته ليست مكتوبة بالحبر، بل منسوجة من خيوط الذاكرة الجماعية.

لغة الأغنية لا تتكلف الزينة، بل تتخفف منها، تمشي حافيةً على أرض الإحساس، وتصل. تخاطب العيد ككائن حيّ، كصديقٍ طال غيابه، أو كطفلٍ يحمل في يديه ضحكة البيوت القديمة. وهذه البساطة ليست فقراً تعبيرياً، بل ثراءٌ مُتقشّف، يختزل التجربة الإنسانية في أصدق صورها: الفرح حين يكون طاهراً، والحنين حين يكون شفيفاً لا يُثقل القلب بل يرفعه.

ولأن الفن العظيم لا ينفصل عن مكانه، فإن هذه الأغنية تُشبه صنعاء إلى حدٍّ مدهش؛ فيها روحها القديمة، ووقارها الهادئ، ودفء حجارتها العتيقة حين تحتفظ بأسرار الزمن. كما صنعاء، لا تصرخ هذه الأغنية لتُلفت الانتباه، بل تكتفي بأن تكون، فتُدهشك. فيها ذلك الصفاء الذي يشبه صباحات المدينة، وذلك الحنين الذي يتسلل من نوافذها المزخرفة، وذلك السكون الذي ليس فراغاً، بل امتلاءٌ بالحياة. كأن اللحن جالس على عتبة بيتٍ صنعاني قديم، والعود يهمس بين جدرانه، والصوت يتردد في أزقته الضيقة، فيعود إليك مضاعفاً بالدفء.

أما اللحن، فهو قطعة سمعية من سكونٍ مُنغّم، ينتمي إلى الروح اليمنية الأصيلة، حيث العود لا يُزاحمه شيء، والإيقاع لا يتعدى كونه نبضاً خافتاً يرافق المعنى ولا يزاحمه. لحنٌ سماعيٌّ هادئ، متّسق تماماً مع طبيعة النص والمناسبة، كأنه يهمس بدل أن يُغني، ويُلوّح بدل أن يصرخ. هنا تتجلّى عبقرية الفن اليمني: فلا أوركسترا صاخبة، ولا زينة لحنية زائدة—فالكمال أحياناً أن تكتفيه بالقليل، حين يكون القليل مُشبَعاً بالصدق.

ثم يأتي الصوت… صوت الآنسي، ذلك الصوت الذي لا يغني بقدر ما يُصغي إلى ما في داخلك. فيه بُحّةُ الأزقة القديمة، ودفءُ المجالس، ورجفةُ الحنين حين يمرّ على القلب مرور النسيم. صوته لا يفرض الطرب، بل يوقظه برفق، فيجعلك تتمايل دون أن تدري، كأنك تستجيب لنداءٍ خفيٍّ يسكن فيك منذ زمن.

وهكذا تلتقي العناصر الثلاثة—الكلمة، واللحن، والصوت—في انسجام نادر، أشبه بتآلف عناصر الطبيعة حين تصفو: لا شيء يعلو على الآخر، ولا شيء ينقص عنه. وكل عنصر فيها يُحسن الإنصات للآخر، فيخرج العمل ككائن حيّ، يتنفس ببطء، ويعيش طويلاً.

ولعل أعجب ما في هذه الأغنية أنها، رغم موسميتها، قد كسرت قانون الزمن. تُسمع أسبوعين في العام—في عيدي الفطر والأضحى—لكنها تبقى في الوجدان طوال السنة، كامنةً كعطرٍ في ذاكرة الروح، لا يحتاج إلى حضورٍ دائم كي يُثبت وجوده. مضت عليها عقود، وما تزال أيقونة العيد الأولى، لا على مستوى الغناء الصنعاني فحسب، بل على مستوى اليمن كله، بل تكاد تتجاوز حدود الجغرافيا لتفرض نفسها كأجمل ما قيل وغُنّي للعيد عربياً.

لم تستطع أغنية أخرى أن تُدانيها، لا لأن غيرها أقل جمالاً، بل لأن هذه الأغنية بلغت حدّ الاكتمال النادر، حيث لا يُمكن إضافة شيء دون أن يختلّ التوازن، ولا حذف شيء دون أن ينكسر السحر.

إنها أغنية تُشبه العيد نفسه: قصيرة الحضور، طويلة الأثر. تمرّ كنسمة، لكنها تترك في القلب فصلاً كاملاً من الفرح. وستظل—ما بقي في الناس شوقٌ إلى البهجة—حيةً في وجدانهم، تتجدد مع كل عيد، كأنها وُلدت لتكون العيد… لا أن تصفه فقط.

 

*الصورة: الفنان (علي الآنسي) بريشة يحيى الحمادي

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى