بين التهديد والصفقة: هل يعيد ترامب رسم خريطة الشرق الأوسط؟

بين التهديد والصفقة: هل يعيد ترامب رسم خريطة الشرق الأوسط؟
بيروت _ أحمد موسى
لم تكن الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين مجرد منصة لإلقاء الخطب وتبادل المواقف، بل تحولت إلى ساحة اختبار لموازين القوى الدولية ومسارات الحروب المفتوحة، من أوكرانيا وغزة إلى إيران ولبنان، وسط تساؤلات حول قدرة الدبلوماسية الدولية على إنتاج تسويات تتجاوز إدارة الأزمات إلى إنهائها.
وفي قلب هذا المشهد، جاء خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب محمّلاً برسائل تتجاوز حدود السياسة الأميركية التقليدية، إذ جمع بين استعراض القوة، والتهديد، والحديث عن إنهاء الحروب، وترك الباب مفتوحاً أمام التفاوض والصفقات.
المعادلة التي حملها الخطاب تبدو واضحة في ظاهرها، لكنها أكثر تعقيداً في مضمونها: ضغط إلى أقصى الحدود، ثم تفاوض من موقع القوة.
نيويورك… أكثر من منبر
في الأيام التي تستضيف فيها الأمم المتحدة قادة العالم، تتحول أروقة المنظمة الدولية إلى ما يشبه غرفة تفاوض دولية مفتوحة. فالخطابات العلنية لا تكشف بالضرورة كل ما يجري في الاجتماعات الثنائية والمغلقة، حيث تتقاطع الملفات الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية.
ومن هنا، فإن القيمة السياسية الحقيقية لهذه الدورة لن تُقاس فقط بما قيل من على المنبر، بل بما يمكن أن ينتج عن اللقاءات التي تعقد على هامشه، وخصوصاً تلك المرتبطة بالملفين الإيراني والشرق أوسطي.
ترامب… خطاب القوة وفتح باب التفاوض
اختار ترامب أن يقدم سياسته الخارجية من زاوية مختلفة، مستعيداً ما يعتبره إنجازات لإدارته، ومشدداً على قدرة الولايات المتحدة على استخدام قوتها لفرض واقع جديد.
لكن اللافت أن الحديث عن القوة لم يبلغ مفردات التفاوض.
في الملف الإيراني تحديداً، أعاد ترامب التأكيد على رفض امتلاك طهران السلاح النووي، بالتوازي مع إبقاء احتمال التوصل إلى اتفاق قائماً.
وهنا تبرز المفارقة الأساسية: واشنطن لا تغلق باب الحرب، لكنها لا تغلق باب الصفقة أيضاً.
وهذا يعني أن التصعيد قد لا يكون هدفاً نهائياً بقدر ما يمكن أن يكون أداة ضغط لتحسين شروط التفاوض.
إيران في قلب المعادلة
إيران تبدو العقدة الأكثر حساسية في المشهد.
فأي اتفاق أميركي–إيراني لا يمكن أن يبقى محصوراً في الملف النووي، نظراً إلى ارتباطه بملفات الصواريخ والنفوذ الإقليمي وأمن الخليج والعراق وسوريا ولبنان واليمن.
ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت واشنطن وطهران ستتفاوضان، بل بما إذا كان يمكن تحويل أي تفاهم ثنائي إلى ترتيب إقليمي أوسع.
وإذا كان ذلك ممكناً، فإن انعكاساته ستصل حكماً إلى الدول الواقعة على خطوط التماس، وفي مقدمتها لبنان.
الانتخابات الأميركية حاضرة خلف الستارة
لا يمكن قراءة السياسة الخارجية الأميركية بمعزل عن الحسابات الداخلية.
فانتخابات التجديد النصفي للكونغرس تشكل محطة سياسية أساسية في الولايات المتحدة، وأي إنجاز خارجي يمكن أن تقدمه الإدارة الأميركية لجمهورها الداخلي قد يتحول إلى ورقة سياسية.
ولهذا، فإن الحديث عن السلام وإنهاء الحروب لا ينفصل بالضرورة عن محاولة ترامب إثبات أن سياسة الضغط التي ينتهجها قادرة على إنتاج نتائج.
لكن تحويل هذه الرسائل إلى اتفاقات فعلية يبقى رهناً بالتطورات الميدانية ومواقف الأطراف الأخرى.
غزة… الاختبار الأصعب للشرعية الدولية
في المقابل، بقيت غزة واحدة من أبرز نقاط التناقض في المشهد الدولي.
فبينما تتحدث الولايات المتحدة عن السلام وإنهاء الحروب، لا تزال القضية الفلسطينية تمثل اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على تحويل القرارات والمواقف إلى إجراءات سياسية وقانونية فعالة.
كما أن مسألة تعامل الولايات المتحدة مع المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين أثارت مجدداً النقاش حول ازدواجية المعايير في الوصول إلى المؤسسات الدولية، وحول الحدود الفعلية لتأثير القانون الدولي عندما يصطدم بمصالح القوى الكبرى.
وهنا تظهر أزمة أعمق من الحرب نفسها: أزمة الثقة بقدرة النظام الدولي على تطبيق القواعد بصورة متساوية.
أوكرانيا… الحرب التي لم تنتهِ بالوعود
أما الحرب الروسية–الأوكرانية، فتظل اختباراً آخر لمدى قدرة الإدارة الأميركية على تحويل خطاب إنهاء الحروب إلى مسار تفاوضي قابل للتنفيذ.
فالحرب لا تُنهيها الرغبة السياسية وحدها، وإنما تحتاج إلى تفاهمات حول الأرض والأمن والضمانات وترتيبات ما بعد الحرب.
وهذا ما يجعل الملف الأوكراني مقياساً حقيقياً لأي استراتيجية أميركية تقوم على فكرة «السلام عبر الضغط».
الأمم المتحدة أمام سؤال الدور
وفي الجهة المقابلة، تحاول الأمم المتحدة الدفاع عن دورها في نظام دولي يشهد تحولات عميقة.
فالحديث عن إصلاح مجلس الأمن، وتوسيع التمثيل، وتعزيز قدرة المنظمة الدولية على التعامل مع الأزمات، لم يعد مجرد مطلب مؤسساتي، بل أصبح جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل النظام الدولي نفسه.
السؤال لم يعد فقط: كيف تنهي الأمم المتحدة حرباً؟.
بل أصبح: هل لا تزال تملك الأدوات السياسية والقانونية لفرض حلول عندما تتعارض مع مصالح القوى الكبرى؟.
لبنان… أين يقع في خريطة التسويات؟
وسط هذه الصورة المعقدة، يجد لبنان نفسه مرة أخرى داخل دائرة التأثر المباشر بالتحولات الإقليمية، وإن لم يكن طرفاً مقرراً في معظمها.
فالملف اللبناني يرتبط عملياً بأي تفاهم أميركي–إيراني، وبأي ترتيبات مستقبلية بين إسرائيل والدول العربية، وبمصير الجبهة الجنوبية، وبشكل العلاقة بين الدولة اللبنانية والقوى المسلحة، فضلاً عن مستقبل الترتيبات الأمنية على الحدود.
ومن هنا، فإن أي تسوية إقليمية كبرى يمكن أن تفتح أمام لبنان فرصاً، لكنها قد تحمل أيضاً التزامات وضغوطاً جديدة.
والرهان الحقيقي بالنسبة إلى الدولة اللبنانية هو ألا تتحول مرة أخرى إلى متلقٍ لنتائج التسويات التي تُصنع خارج حدودها.
الكلمة الفصل ليست على المنبر
في نهاية المطاف، قد يكون خطاب ترامب في الأمم المتحدة مهماً، لكنه لا يكفي وحده للحكم على اتجاه المرحلة.
فالكلمات ترسم العناوين، أما الاتفاقات فتُكتب في الغرف المغلقة، وتُختبر على الأرض.
ومن هنا، فإن الأيام المقبلة في نيويورك ستكشف ما إذا كانت واشنطن تتجه فعلاً إلى مسار تفاوضي واسع مع طهران، وما إذا كان هذا المسار يمكن أن يمتد إلى ملفات غزة ولبنان وسائر أزمات المنطقة، أم أن الحديث عن السلام سيبقى جزءاً من استراتيجية الضغط الأميركية.
المعادلة التي تفرض نفسها اليوم ليست بين الحرب والسلام فقط، بل بين القوة والتفاوض، والضغط والصفقة، والقرار الأميركي وموازين القوى الإقليمية.
ويبقى السؤال الأهم بالنسبة إلى لبنان: إذا كانت المنطقة تتجه نحو إعادة ترتيب كبرى، فهل سيكون لبنان حاضراً في صناعة التسوية، أم سيكتفي بانتظار ما ستقرره العواصم الكبرى؟.





