مهرجان_الاستغاثة

مهرجان_الاستغاثة
كتب / عدنان باوزير
لم يعد يُخفى على أحد أن الرياض قررت كعادتها أن تخوض معركةً من نوعٍ جديد: معركة البحث عن من يخوض المعركة عنها!
فبعد أن دارت السعودية دورةً دبلوماسيةً حول العالم، واستنفرت الحلفاء، واستدعت الاتفاقيات، وحشدت البيانات، وفتحت أبواب الاستغاثة على مصاريعها، صار المشهد أشبه بمسؤولٍ نسي أن يطفئ النار في مطبخه، ثم أخذ يطرق أبواب الحي طالبًا من الجميع أن يأتوا بطفاياتهم!
تركيا وباكستان دخلتا معها في اتفاق دفاع مشترك في مكة، وسوريا ترسل دواعشها، والسودان يفعّل جنجويده، ومصر تُستنفر سياسيا، والعرب وجامعتهم، والمؤتمر الإسلامي من وراء ذلك ظهير.
والعالم كله وأممه المتحدة تصطف، وبريطانيا توافق، وفرنسا أعلنت إرسال جنود ورادارات وأنظمة دفاع لحماية ينبع، وتقارير أمريكية تحدثت عن وجود أكثر من مئة مستشار عسكري أمريكي في السعودية لتقديم الدعم الاستخباراتي ودعم الاستهداف. والصهاينة من خلف واحيانا من أمام الكواليس، وما زالت القائمة مفتوحة…
وفي الداخل لم تترك أحد من مرتزقتها وفصائلها المسلحة في المناطق المحتلة إلا وشحنته الى الجبهات.
مشايخ الوهابية يفتون، وقنوات ووسائل الإعلام تُشترى، والأقلام تُجيّر، والسياسة تُوظف، والدبلوماسية تُسخر ..الخ.
لكن يبدو أن كل هذا لم يكن كافيًا!
فها هي الرياض تعود اليوم إلى أبوظبي، وتفتح معها صفحةً جديدة بعد أشهر من التوتر والخلاف حول اليمن، حتى إن وكالة رويترز أشارت إلى أن الدعوة السعودية تأتي وسط تساؤلات عما إذا كان المقصود إعادة التعاون العسكري بين الطرفين.
يا للهول! تركيا وباكستان لم تكفيا، وفرنسا لم تكفِ، والدعم الأمريكي لم يكفِ… فهاتوا الإمارات!
وكأن الرياض تقول للعالم:
«يا جماعة، المسألة بسيطة جدًا… نحن فقط نريد أن نهزم أولئك اليمنيين، فلماذا كل هذا التعقيد؟!»
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق أن تُعلّق في متحف السياسة العسكرية:
منذ سنوات، والحرب في اليمن تُخاض بأحدث الطائرات، وأحدث الأسلحة، وأضخم الإمكانات، وبشبكة واسعة من القوى المحلية والإقليمية والدولية.
ثم تأتي المفارقة الكبرى:
كلما طال أمد الحرب، ازداد عدد الذين يُطلب منهم إنهاؤها!
حتى تحولت الحكاية من «تحالف عسكري» إلى ما يشبه إعلان وظيفة دولي:
مطلوب بشكل عاجل: حليف، أو شريك، أو مستشار، أو رادار، أو منظومة دفاع، أو أي شخص يعرف كيف يتعامل مع صاروخ يمني!
والآن جاء الدور على الإمارات.
الإمارات التي كانت شريكةً في حرب اليمن، ثم افترقت مع الرياض في ملفات يمنية عديدة، تعود اليوم إلى الصورة من بوابة «الأخوّة» و«التنسيق» و«المصير المشترك».
وهذا وحده كفيل بأن يجعل التاريخ يجلس في آخر القاعة ويقول:
يا جماعة، أنا نفسي لم أعد أفهم شيئًا!
لكن بعيدًا عن السخرية، يبقى السؤال الأهم:
إذا كانت كل هذه التحالفات، وكل هذه الإمكانات، وكل هذا الحشد الإقليمي والدولي، لم يحسم المسألة حتى الآن…
فما الذي بقي؟
فرقة موسيقية عسكرية؟
أم مؤتمر دولي بعنوان:
«كيف نهزم اليمنيين؟ ــ النسخة الخامسة عشرة»؟
ثم تأتي المفارقة الأكثر إثارة للسخرية:
كل هذه الضجة الهائلة تدور في نهاية المطاف حول يمنيين يقول خصومهم إنهم مجرد جماعة صغيرة محدودة الإمكانات!
فإذا كانوا كذلك فعلًا…
فلماذا يحتاج إسكاتهم إلى كل هذا العالم؟!
هذه ليست مسألة عدد صواريخ فقط.
إنها مسألة إرادة.
وحين تعجز القوة الهائلة عن كسر إرادة خصم محدود الإمكانات، تبدأ السياسة في البحث عن تفسير، وتبدأ الدبلوماسية في البحث عن حليف، وتبدأ غرف العمليات في البحث عن منظومة دفاع جديدة…
ويبدأ الإعلام في البحث عن عنوانٍ آخر للقصة!
أما القصة نفسها فما زالت تقول:
كلما اتسعت دائرة الحشد حول اليمن، بدا أن المشكلة ليست في قلة من يقاتلون… بل في صعوبة إخضاع من يقاتلون.
نقلا عن موقع الأحقاف نيوز






