حين يتجسس الحليف على الحليف… هل دخلت العلاقات الأميركية – الإسرائيلية مرحلة الشك الأمني؟
ملف استخباراتي حساس يهزّ أروقة واشنطن

ملف استخباراتي حساس يهزّ أروقة واشنطن
حين يتجسس الحليف على الحليف… هل دخلت العلاقات الأميركية – الإسرائيلية مرحلة الشك الأمني؟
■بيروت_أحمد موسى
لطالما قُدّمت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل باعتبارها واحدة من أكثر التحالفات متانة في العالم. غير أن ما كشفته تقارير أميركية حديثة يفتح الباب أمام أسئلة غير مسبوقة حول حدود الثقة بين الطرفين، بعدما تحوّل ملف التجسس الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة من مجرد اتهامات متفرقة إلى قضية أمن قومي تتعامل معها المؤسسات الأميركية بجدية متزايدة.
ففي الوقت الذي تتقاطع فيه المصالح الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب في ملفات الشرق الأوسط، تشير معطيات أمنية وإعلامية إلى وجود معركة صامتة تدور خلف الكواليس، عنوانها جمع المعلومات واختراق دوائر صنع القرار الأميركي، خصوصاً في القضايا المرتبطة بإيران والحسابات الإقليمية الحساسة.
من هم المسؤولون الذين أثاروا قلق الأجهزة الأميركية؟
بحسب ما أوردته صحيفة “نيويورك تايمز”، فإن تقارير أمنية دفعت وزارة الدفاع الأميركية إلى رفع مستوى التهديد المرتبط بالنشاط الاستخباراتي الإسرائيلي إلى درجة “حرج”، بعدما تبيّن أن شخصيات أميركية رفيعة المستوى أصبحت ضمن دائرة الاهتمام الاستخباراتي الإسرائيلي.
وتضم القائمة، وفق التقرير، ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى جانب إلبريدج كولبي، أحد أبرز مهندسي السياسات الدفاعية داخل البنتاغون، ومايكل ديمينو المسؤول عن ملفات الشرق الأوسط في وزارة الدفاع الأميركية.
وتكمن حساسية هذه الأسماء في أنها تقع في قلب عملية صنع القرار المتعلقة بإيران وبالملفات الإقليمية الأكثر تعقيداً، ما يجعل أي محاولة للوصول إلى معلوماتها أو مواقفها الاستراتيجية ذات قيمة استخباراتية عالية.
أزمة ثقة أم صراع نفوذ؟
اللافت في التقرير أن المخاوف الأميركية لا تقتصر على مراقبة مواقف المسؤولين أو متابعة تحركاتهم، بل تمتد إلى الاشتباه بمحاولات تنصت واختراق إلكتروني استهدفت أجهزة وهواتف مسؤولين أميركيين.
وتحدثت المعطيات عن اكتشاف برامج تنصت زُرعت سراً على هواتف بعض المسؤولين خلال وجودهم في إسرائيل، ما دفع الأجهزة الأمنية الأميركية إلى تشديد بروتوكولات الحماية الإلكترونية وتعزيز الإجراءات الوقائية الخاصة بالوفود والعاملين في الملفات الحساسة.
هذه الوقائع أعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً يتكرر داخل المؤسسات الأمنية الأميركية: إلى أي مدى يمكن الفصل بين التحالف السياسي والتنافس الاستخباراتي؟
وقائع تتجاوز الخلافات السياسية
ما يزيد من حساسية الملف أن تقرير وكالة استخبارات الدفاع الأميركية لم يكتفِ بالإشارة إلى مخاوف عامة، بل استعرض حوادث سابقة قيل إنها مرتبطة بمحاولات تجسس مباشرة.
ومن بين تلك الوقائع، إشارات إلى حادثة عام 2021 تتعلق بمحاولة زرع جهاز تنصت داخل مقر تابع لوكالة استخبارات الدفاع الأميركية، إضافة إلى معلومات عن واقعة أخرى طالت مركبة تابعة لجهاز الخدمة السرية الأميركية.
وبحسب مسؤولين أميركيين، فإن النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي شهد تصاعداً ملحوظاً منذ أواخر عام 2024، بالتزامن مع الخلافات المتعلقة بالحرب في غزة، واستمر لاحقاً مع احتدام النقاشات داخل إدارة ترامب بشأن آليات التعامل مع إيران.
إيران… العقدة المركزية
رغم أن الوثائق الأمنية لا تربط بشكل مباشر بين عمليات التجسس والمفاوضات الأميركية – الإيرانية، فإن عدداً من التقارير الاستخباراتية الأميركية يرى أن تل أبيب تسعى إلى فهم أدق لتوجهات إدارة ترامب حيال طهران، خصوصاً بعد مؤشرات على تراجع مستوى التنسيق التقليدي بين الطرفين في هذا الملف.
وتشير تسريبات إعلامية متقاطعة إلى شعور متزايد داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأنها لم تعد مطلعة بالكامل على تفاصيل المفاوضات والاتصالات الأميركية المرتبطة بإيران، ما دفع بعض دوائر القرار إلى البحث عن مصادر معلومات بديلة لفهم اتجاهات واشنطن المستقبلية.
الهواتف الشخصية… الحلقة الأضعف
التقرير الأميركي سلّط الضوء أيضاً على نقطة اعتبرتها الأجهزة الأمنية مصدر قلق كبير، وهي اعتماد عدد من كبار المسؤولين على الهواتف الشخصية والطائرات الخاصة في إدارة ملفات حساسة تتعلق بالأمن القومي.
وبحسب مسؤولين أميركيين، فإن هذه الممارسات جعلت بعض المسؤولين أهدافاً سهلة أمام أجهزة الاستخبارات الأجنبية، سواء كانت تابعة لدول حليفة أو خصمة، ما كشف عن ثغرات أمنية داخلية لا تقل خطورة عن التهديدات الخارجية نفسها.
نفي رسمي… وأسئلة مفتوحة
في المقابل، نفت الحكومة الإسرائيلية والبيت الأبيض صحة الاتهامات المتداولة، إلا أن استمرار التسريبات والتقارير الأمنية يشير إلى أن الملف لم يُغلق بعد داخل المؤسسات الأميركية.
ويبدو أن القضية تتجاوز مجرد خلاف استخباراتي عابر، لتلامس جوهر العلاقة بين واشنطن وتل أبيب في مرحلة إقليمية دقيقة تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع المفاوضات النووية والصراعات العسكرية والتحولات الجيوسياسية المتسارعة.
صراع التحسس لم يسقطه الحلفاء
يكشف الجدل الدائر حول مزاعم التجسس الإسرائيلي على مسؤولين أميركيين أن التحالفات الاستراتيجية لا تلغي دائماً هواجس الشك وانعدام الثقة داخل عالم الاستخبارات. وبين النفي الرسمي والتقارير الأمنية المتزايدة، تبرز حقيقة أساسية مفادها أن الصراع على المعلومات بات أحد أبرز عناوين المرحلة الحالية، حتى بين أقرب الحلفاء. وفي حال ثبتت هذه المعطيات أو توسعت تداعياتها السياسية، فقد تجد العلاقات الأميركية – الإسرائيلية نفسها أمام اختبار أمني غير مسبوق، تتجاوز نتائجه حدود الخلافات التقليدية إلى إعادة رسم قواعد الثقة بين الطرفين.






