قبل روما… 700 طن من المتفجرات لنسف الشقيف أم لنسف «اتفاق الإطار»؟

قبل روما… 700 طن من المتفجرات لنسف الشقيف أم لنسف «اتفاق الإطار»؟
■ بيروت | أحمد موسى
لم يكن الانفجار الذي حوّل ليل جنوب لبنان إلى ما يشبه الزلزال مجرد عملية عسكرية عادية. فالتفجير الذي أعلنت إسرائيل أنها نفذته باستخدام نحو 700 طن من المتفجرات لتدمير شبكة أنفاق أسفل قلعة الشقيف، جاء في توقيت بالغ الحساسية، قبل أيام من جولة مفاوضات مرتقبة في روما بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية، ما فتح الباب أمام تساؤلات سياسية وأمنية تتجاوز الهدف العسكري المعلن.
فالعملية، التي سجل مركز الجيوفيزياء التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية ارتداداتها بما يعادل هزة أرضية بلغت قوتها 3.8 درجات على مقياس ريختر، بدت وكأنها رسالة تتجاوز تدمير منشآت تحت الأرض، لتلامس مباشرة مسار التفاوض وآلية تنفيذ “اتفاق الإطار” الذي تعمل واشنطن على تثبيته.
عملية عسكرية… أم إعادة رسم قواعد التفاوض؟
أعلن رئيس الوزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أن الجيش دمّر شبكة أنفاق تابعة لحزب الله أسفل قلعة الشقيف، فيما أكد الجيش الإسرائيلي أن هذه الشبكة كانت تمثل مركزاً عملياتياً لوحدة “بدر” التابعة للحزب، وأنها استخدمت في إدارة عمليات عسكرية وإطلاق طائرات مسيرة وصواريخ مضادة للدروع.
لكن توقيت العملية يفرض سؤالاً محورياً: لماذا الآن؟
فالنسف الواسع سبق مباشرة جولة روما، التي يُنتظر أن تبحث ملفات الحدود البرية، وآليات تثبيت وقف إطلاق النار، والخروقات الميدانية، وإعادة الإعمار، والدور الذي ينفذه الجيش اللبناني جنوب الليطاني.
رسائل بالنار قبل الجلوس إلى الطاولة
في علم التفاوض، كثيراً ما تلجأ الأطراف إلى تعزيز أوراقها الميدانية قبل بدء أي جولة حوار. ومن هذا المنطلق، يقرأ مراقبون العملية باعتبارها محاولة إسرائيلية لفرض وقائع جديدة على الأرض، وإظهار أن قدرتها العسكرية ما زالت قادرة على الوصول إلى أهداف استراتيجية رغم التفاهمات القائمة.
في المقابل، ترى الدولة اللبنانية أن استمرار عمليات التفجير الواسعة ينسف عملياً الثقة المطلوبة لإنجاح أي مسار تفاوضي.
وقد عبّر رئيس الجمهورية عن هذا الموقف في رسالة إلى الجانب الأميركي، مؤكداً أن استمرار إسرائيل في التفجيرات وتجريف المنازل يعرقل المفاوضات ويمنع تقدمها، فيما وصف رئيس الحكومة نواف سلام هذه العمليات بأنها خرق واضح لوقف إطلاق النار وانتهاك للسيادة اللبنانية.
أما رئيس مجلس النواب نبيه بري، فاعتبر أن استخدام مئات الأطنان من المتفجرات وما خلّفه من ارتدادات شعر بها اللبنانيون وصولاً إلى بيروت، يشكل تصعيداً خطيراً لا يجوز السكوت عنه.
روما… أكثر من مفاوضات حدود
المعطيات تشير إلى أن الوفد الأميركي سيكون موسعاً، ويضم إلى جانب الدبلوماسيين خبراء في الحدود والاقتصاد، في مؤشر إلى أن المفاوضات تتجاوز البعد العسكري، لتشمل ملفات تثبيت الحدود، وإعادة الإعمار، والاستثمارات المستقبلية في جنوب لبنان.
كما يُنتظر أن يقدم الوفد العسكري اللبناني خرائط وتقارير توثق انتشار الجيش اللبناني وما أنجزه جنوب الليطاني، إلى جانب ملف موثق بالخروقات الإسرائيلية، في محاولة لإثبات أن العائق الأساسي أمام تنفيذ التفاهمات لا يكمن في الجانب اللبناني، بل في استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية.
بين القوة العسكرية والضغط السياسي
توقيت النسف وحجمه يضعان علامات استفهام حول الرسالة المقصودة. فمن جهة، تعلن إسرائيل أنها دمرت بنية تحتية عسكرية تعتبرها استراتيجية، ومن جهة أخرى، يأتي ذلك في لحظة تفاوضية دقيقة قد تؤثر في أجواء المحادثات المرتقبة.
ولا يمكن الجزم بأن الهدف من العملية هو “نسف اتفاق الإطار” نفسه، لكن من الواضح أن هذا التصعيد يضيف تعقيدات جديدة إلى مسار التفاوض، ويمنح كل طرف أوراقاً إضافية يسعى إلى توظيفها على الطاولة السياسية.
ميدان يتقدم على السياسة
بين انفجار سُجل على أجهزة الرصد الزلزالي كهزة أرضية، ومفاوضات يفترض أن تبحث تثبيت الاستقرار على الحدود، يقف جنوب لبنان أمام مفترق حساس. فالميدان عاد ليتقدم على السياسة، والتصعيد العسكري جاء في توقيت يصعب فصله عن المسار التفاوضي الجاري برعاية أميركية.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة: هل كان تفجير الشقيف مجرد عملية تستهدف بنية عسكرية، أم رسالة ضغط سياسية وعسكرية هدفها تحسين الموقع التفاوضي قبل جولة روما؟.
الإجابة النهائية ستتوقف على ما ستسفر عنه المفاوضات، وما إذا كانت الأطراف ستتمكن من احتواء التصعيد، أم أن الميدان سيواصل فرض إيقاعه على السياسة.






