مقالات وآراء

معاشيق.. قصرٌ على خطّ النار

معاشيق.. قصرٌ على خطّ النار

 

كتب عدنان باوزير

ثلاث ضربات، بحسب ما يُتداول بعد التصعيد السعودي الأخير، تكفي لطرح سؤالٍ لا يحتاج إلى خبير استراتيجي ولا إلى لجنة تحقيق: إذا كانت حكومة الفنادق حريصة على عدن، فلماذا تُصرّ على تحويلها إلى قاعة اجتماعات مفتوحة على الاحتمالات؟

بدأت الحكاية من البريقة، حيث التحشيدات والاجتماعات، ثم امتدت إلى خور مكسر، بالقرب من معسكر بدر، وصولًا إلى قصر معاشيق، حيث يُقال إن اجتماعًا عسكريًا كبيرًا كان منعقدًا حين تعرّض للاستهداف.

ثلاث محطات، في مدينة أنهكتها الحروب، وكأن جغرافيا عدن لم تعد تُقرأ على الخريطة، بل على شاشة الرصد والاستهداف!

أما معاشيق، فله حكاية تستحق أن تُروى.

ذلك القصر الذي تتخذه حكومة الفنادق مقرًا لها كلما حلّت ضيفةً على عدن، يبدو أنه بدأ يفقد هيبته البروتوكولية المفترضة؛ فلم تعد الأسوار العالية ولا الحراسات المشددة ولا الألقاب الرسمية كافيةً لمنح أصحابه شعورًا مطلقًا بالأمان.

فالقصر، مهما اتسعت غرفه وقاعاته، يظل عنوانًا لمكان، وليس صكّ حصانةٍ من السماء.

وليس في الأمر ما يدعو إلى الابتهاج بخطرٍ يتهدد مدينةً يمنيةً وأهلها؛ فعدن ليست ثكنةً عسكرية، ولا منصةً لتصفية الحسابات، ولا فندقًا سياسيًا يُستدعى إليه المسؤولون كلما أرادوا عقد اجتماع ثم يغادرونه إلى ملاذاتهم الآمنة.

عدن مدينةٌ دفعت من دمها وخرابها ما يكفي، ولا ينقصها أن تتحول مقارّ الحكم فيها إلى عناوين إضافية على خرائط الحرب.

لقد عرفت هذه المدينة من الويلات ما يجعل مجرد التفكير في جولة جديدة من الدمار جريمةً بحق ذاكرتها وأهلها. بيوتها ليست جدرانًا زائدة في المشهد، وشوارعها ليست ممراتٍ عسكرية، وأطفالها ليسوا تفصيلًا هامشيًا في حسابات السياسيين والعسكريين.

ومن هنا، فإن كان ثمة من يرفع شعار الحرص على عدن، فليبدأ بترجمة الشعار إلى سلوك، لا أن يكتفي بتعليقه على أبواب القصور.

أما حكومة الفنادق، فإن كانت تريد حقًا تجنيب عدن مخاطر التصعيد – وهذا زعم كاذب – ، فلتجعل اجتماعاتها بعيدًا عن الأحياء السكنية ومراكز التجمعات المدنية، ولتبحث عن ترتيبات سياسية وعسكرية لا تجعل المدينة وأهلها عرضةً لتبعات قرارات لا يملكون التحكم فيها، ويحرصون على عدم تحويلها الى منصة متقدمة للعدوان على صنعاء. وكل فعل دائما ردة فعل مضاد.

وليذهب هؤلاء المرتزقة المتهافتون على السلطة إلى مواضع أخرى لا تعرّض المدنيين للخطر، بدل أن تُحمَّل عدن فاتورة كل اجتماع، وتُترك لأهلها مهمة إحصاء الخسائر وإعادة ترميم ما تهدّم.

فليس من الحكمة أن يتحول القصر إلى مركز استقطاب للمخاطر، ثم يُطلب من المدينة أن تدفع الثمن بصمت.

وإذا كانت هذه الضربات، وفق الروايات المتداولة، قد كشفت عن هشاشة الشعور بالأمان في بعض مواقع الاجتماعات والتحشيدات، فإن الدرس الأهم ليس في عدد الضربات ولا في أسماء المواقع، بل في ضرورة منع اتساع دائرة الخطر، وحماية المدنيين قبل أن تتحول المفارقة السياسية والعسكرية إلى مأساة إنسانية جديدة.

ولعلّ أكثر ما يثير السخرية المرّة أن مرتزقة السعودية يتعاملون مع السلطة كما لو أنها امتيازٌ دائم، ومع القصور كما لو أنها جزرٌ معزولة عن العالم؛ بينما تذكّرهم الحروب، على طريقتها القاسية، بأن الجغرافيا لا تعترف بالألقاب، وأن الجدران لا تستطيع وحدها أن تصنع الأمان.

يا سادة معاشيق، عدن ليست ملكيةً خاصة، ولا درعًا بشريًا، ولا غرفة انتظارٍ لمشاريعكم التآمرية.

إن أردتم إنقاذ المدينة، فلا تجعلوا منها مسرحًا لمعارككم، ولا تراهنوا على أن الخطر سيظل دائمًا بعيدًا عن أبوابكم. فالحكمة السياسية ليست أن تختبروا حدود الخطر، بل أن تمنعوا وصوله إلى الناس.

وعدن، التي أنهكتها الجولات السابقة، تستحق أن تتنفس قليلًا؛ أن تستعيد شوارعها من ضجيج السلاح، وبيوتها من قلق الأرض والسماء، وحياتها من قبضة الحسابات العسكرية.

أما معاشيق، فليظل قصرًا في مدينة، لا عنوانًا دائمًا للمخاطر.

فالوطن ليس قصرًا ينجو ساكنوه، بينما يدفع الناس ثمن الحروب؛ والوطن الحقيقي هو أن ينجو الناس، قبل أن تُحصى سلامة القصور.

فلتنقلوا اجتماعاتكم العدوانية هذه الى أحدى جبهات القتال إن كنتم فعلاً شجعان، وتحرصون حقاً على سلامة عدن.

أذهبوا واجتمعوا في عرض البحر، لا أن تستجلبوا الويلات على عدن، ثم تذرفوا عليها دموع التماسيح.

واينما ذهبتم فلن تسلموا، فعيون الأنصار مفتوحة وترصد كل تحركاتكم، وأياديهم طولى، وستنال منكم اينما حللتم.

وكفى ..

 

نقلا عن موقع الأحقاف نيوز

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى