مقالات وآراء

أبو كرم… رجلٌ صدق ما عاهد الله عليه ومضى ثابتًا بين ميادين الجهاد وابتلاءات المرض حتى لقي ربه*

*أبو كرم… رجلٌ صدق ما عاهد الله عليه ومضى ثابتًا بين ميادين الجهاد وابتلاءات المرض حتى لقي ربه*

 

*بقلم: أ. محمد البحر المحضار*

 

ليست كلُّ السير تُكتب بالحبر، فبعض الرجال تكتبهم المواقف، وتحفظهم الذاكرة الجمعية للأوطان، وتخلدهم صفحات التضحية والبذل والوفاء. وعندما يرحل الرجال الذين عاشوا للمبدأ قبل أن يعيشوا لأنفسهم، فإن الحديث عنهم لا يكون من باب الرثاء المجرد، بل من باب الإنصاف والتذكير بسيرة رجالٍ نذروا أعمارهم لقضايا آمنوا بها، ومضوا عليها ثابتين حتى آخر لحظات حياتهم.

 

عظم الله أجر الجميع في وفاة المجاهد الصابر السيد علي أبوبكر سالم بجخ المحضار، المكنى بـ”أبي كرم”، ورحمه الله رحمة الأبرار، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء على ما قدم وبذل وضحّى في سبيل الله.

 

لقد رحل عن هذه الدنيا رجلٌ عرفته ميادين المواجهة أكثر مما عرفته المنابر، وشهدت له ساحات الجهاد قبل أن تشهد له الكلمات. رجلٌ لم يكن يبحث عن منصبٍ ولا جاهٍ ولا مكافأة، ولم يكن ينتظر من أحدٍ ثناءً أو تقديرًا، لأنه كان يتعامل مع الله وحده، ويرى أن ما يقدمه إنما هو واجبٌ يؤديه ابتغاء مرضاة الله ونصرةً للمستضعفين.

 

لقد كانت للفقيد صولاتٌ وجولات في مختلف الميادين والجبهات، من عدن إلى عتق وشبوة وبيحان، ومن البيضاء إلى الحديدة وناطع ومأرب وغيرها من ساحات المواجهة التي يعرفها رفاق الدرب وأهل الميدان. وكان له دورٌ مشهود في محطاتٍ مفصلية وأحداثٍ جسام، ومن أبرزها الأحداث التي شهدتها العاصمة صنعاء خلال فتنة ديسمبر، حيث كان من الرجال الذين ثبتوا في مواقعهم دفاعًا عن أهم المواقع الاستراتيجية، وفي مقدمتها دار الرئاسة، التي رابط في محيطها وفي أحد تبابها مرابطًا ثابتًا لا يبرح موقعه، يواجه الخطر بعزيمة المؤمن ويستمد الثبات من يقينه بالله، في وقتٍ كانت فيه الظروف بالغة الصعوبة والتعقيد.

 

ومن المواقف التي ستظل شاهدةً على صدق عزيمته وثبات يقينه، تلك المرابطة البطولية في أحد التباب خلال أيامٍ عصيبة، حين انسحب من حوله الجميع وبقي وحيدًا في موقعه، يجابه المهاجمين بما تيسر له من سلاح، ثابت الجنان، قوي الإيمان، لا يرى أمامه إلا واجبه الذي آمن به، رافضًا التراجع أو الاستسلام أو التفريط بالموقع الذي أوكلت إليه مسؤوليته، حتى كتب الله النصر وثبتت المواقع التي كان يدافع عنها. وهي واحدة من مواقف كثيرة ربما لا يعرفها الناس جميعًا، لكنها محفوظة في سجل الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

 

ولم يقتصر جهاد أبي كرم وعطاؤه على الجانب العسكري والقتالي فحسب، بل امتد ليشمل الجانب الأمني الداخلي بكل ما يحمله من مسؤولياتٍ وأعباء. فقد كان له حضورٌ فاعل في أعمال التأمين والنقاط الأمنية وأقسام الشرطة والمهام الميدانية وحالات الطوارئ وعمليات الضبط والربط والمداهمات الأمنية، كما عمل في مجالات البحث والتحري والمتابعة الأمنية، وأسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار كلما دعت الحاجة إلى ذلك. وقد عُرف بين زملائه ومن عرفه عن قرب بحسه الأمني العالي وقدرته الفائقة على قراءة الوقائع واستشراف المخاطر والتعامل معها بحكمةٍ ويقظة، حتى أصبح ذلك من أبرز الصفات التي تميز بها خلال مسيرته العملية والجهادية.

 

ولم تكن تلك المواقف البطولية سوى نماذج من مسيرة طويلة حافلة بالبذل والتضحية، سطر خلالها أبو كرم صفحاتٍ مشرقة من الثبات والإقدام والإخلاص، مقدمًا الواجب على الراحة، ومؤثرًا مصلحة القضية التي آمن بها على كل اعتبار شخصي، دون أن يبحث عن شهرة أو مكسب أو مقابل من أحد.

 

ولم تقتصر تضحيات أبي كرم على ميادين المواجهة والجبهات فحسب، بل امتدت إلى حياته الشخصية بكل ما فيها من استقرارٍ وراحة. فقد كان من أولئك الذين دفعوا أثمان مواقفهم من أعمارهم وأرزاقهم وأوطانهم، إذ اضطر إلى النزوح والهجرة من أرضه وبلده، وترك خلفه منزله وممتلكاته وحلاله وأهله، متمسكًا بموقفه الذي آمن به، ورافضًا للعدوان على اليمن ولكل أشكال التدخل الخارجي في سيادته واستقلال قراره. وقد اختار أن يتحمل مرارة التهجير والغربة ومشقة الحياة على أن يتخلى عن قناعاته أو يساوم على ما كان يراه حقًا وواجبًا، فكان ثابتًا على موقفه كما كان ثابتًا في ميادين المواجهة.

 

ومع كل ما قدمه من تضحياتٍ وجهودٍ ومواقفٍ مشهودة، فقد ابتُلي في سنواته الأخيرة بمرضٍ عضال استمر معه قرابة عامين، فكان مثالًا للصبر والاحتساب والرضا بقضاء الله وقدره. تحمل آلام المرض ومشاق العلاج بصبر المؤمنين، وتنقل بين المستشفيات والأطباء داخل الوطن وخارجه، وخاض رحلة علاجية شاقة وطويلة، لكنه ظل ثابت القلب، قوي اليقين، مؤمنًا بأن ما عند الله خير وأبقى.

 

ولم تكن معاناته في سنواته الأخيرة هي الابتلاء الوحيد في حياته، فقد عرفته ميادين المواجهة جريحًا ومصابًا في أكثر من محطة، كما عرفته ساحات الصبر مريضًا ومبتلى في سنواته الأخيرة. وبين جراح الميدان وآلام المرض ظل ثابتًا لا يتزحزح، صابرًا محتسبًا، مؤمنًا بأن ما عند الله خير وأبقى، وأن طريق التضحية لا يخلو من المشقة والابتلاء.

 

ولعل أكثر ما يؤلم في هذه القصة أن كثيرًا من الرجال يُحتفى بهم بعد رحيلهم أكثر مما يُلتفت إليهم في أيام ضعفهم وحاجتهم. فكم من مجاهدٍ يجد من يصفق له في ساعات القوة، ثم يقل من يلتفت إليه في ساعات المرض والابتلاء. وهذه ليست رسالة عتبٍ على أحد بقدر ما هي دعوة للمراجعة والتأمل، وتذكير بأن الوفاء الحقيقي لا يكون في مراسم الوداع فقط، بل في الوقوف إلى جانب الإنسان حين يشتد به الألم وتضيق به السبل.

 

لقد واجه أبو كرم ـ رحمه الله ـ في سنوات مرضه ابتلاءً مضاعفًا؛ ابتلاء الجسد بما أنهكه من ألمٍ ومعاناة، وابتلاء الإهمال والجفاء من بعض من عرفوا تضحياته وشهدوا مواقفه. ورغم ما تعرض له من تهميشٍ من بعض المتنفذين، ورغم توقف مخصصات الإيجار التي كانت تُصرف له في وقتٍ من الأوقات، ورغم أن جهوده الكبيرة وتضحياته الجسام لم تنل ما تستحقه من تقديرٍ وإنصاف، إلا أن ذلك كله لم يغيّر من مبادئه شيئًا، ولم يبدل من قناعاته قيد أنملة.

 

فقد بقي ثابتًا كما عرفه الميدان، صابرًا كما عرفته المحنة، محتسبًا كما عرفه المقربون منه، لا يحمل في قلبه ضغينة على أحد، ولا يتخذ من التقصير الذي لحق به سببًا للتراجع أو التبدل أو التنكر للطريق الذي اختاره. بل ظل مؤمنًا بقضيته، متمسكًا بمواقفه، ناظرًا إلى ما عند الله قبل نظره إلى ما عند الناس، لأن الرجال العظام لا تصنعهم الظروف المواتية، وإنما تكشف معادنهم الحقيقية ساعات الشدة والابتلاء.

 

ويبقى في النفس تساؤل مشروع يفرضه الواقع وتفرضه المواقف أكثر مما تفرضه الكلمات؛ إذ إن العجيب والغريب أن هناك من بدأ يتواصل بعد رحيله للحديث عن ترتيب وضعه وإنصافه وإعادة الاعتبار لما قدمه. وهنا يبرز السؤال الذي لا يخص أبا كرم وحده، بل يخص كل المخلصين الذين أفنوا أعمارهم في ميادين البذل والتضحية: لماذا لم يحدث ذلك وهو على قيد الحياة؟ ولماذا لم يكن هذا الاهتمام حاضرًا في أيام مرضه وعنائه ومكابدته الطويلة؟ ولماذا ينتظر البعض حتى يغيب الرجل عن الدنيا ليبدأ الحديث عن إنصافه أو رد اعتباره؟

 

إنها ليست دعوة للخصومة مع أحد، ولا محاولة لفتح أبواب اللوم، بقدر ما هي دعوة صادقة لمراجعة ثقافةٍ اعتاد الناس عليها؛ ثقافة الاحتفاء بالرجال بعد رحيلهم أكثر من الوقوف معهم وهم أحياء. فتكريم المناضلين والمجاهدين والمخلصين لا ينبغي أن يكون بعد الوفاة فقط، ولا أن يقتصر على كلمات الرثاء أو الأوسمة والرتب والتوصيفات التي تأتي بعد انقضاء الأعمار، بل يكون أولًا بالوفاء لهم في حياتهم، والوقوف إلى جانبهم في ساعات حاجتهم، وإنصافهم قبل أن يتحولوا إلى ذكرى وحديث.

 

ولعل ما يزيد من مكانة هذا الرجل في النفوس أنه لم يسمح للمرض أن يغير من روحه أو يثنيه عن مبادئه، فقد ظل قلبه معلقًا بميادين الجهاد وأخبار المجاهدين، لا يسمع خبرًا لهم إلا دعا لهم بالنصر والثبات، ولا يذكر نفسه إلا بالدعاء أن يمنّ الله عليه بالعافية ليعود إلى مواقع العزة والكرامة التي أحبها وعاش لها.

 

وكان أبو كرم ـ رحمه الله ـ يردد في مجالسه أن أول ما سيفعله إن كتب الله له الشفاء هو العودة إلى ميادين الجهاد دون تردد أو تأخير، وفاءً للعهد الذي قطعه على نفسه أمام الله، وإيمانًا منه بأن طريق التضحية والبذل لا يتوقف ما دام في العمر بقية.

 

لقد رحل السيد علي أبوبكر سالم بجخ المحضار، المكنى بـ”أبي كرم”، بعد رحلة طويلة من الجهاد والصبر والاحتساب، تاركًا خلفه سيرةً عطرة ومواقف ناصعة ستبقى شاهدة على إخلاصه وثباته ووفائه لما آمن به. رحل جسدًا، وبقيت مواقفه حيةً في ذاكرة رفاقه ومحبيه وكل من عرفه عن قرب، ونحسبه عند الله من الشهداء والصالحين، ولا نزكي على الله أحدًا.

 

*#أما_بعد …*

 

فإن الرجال لا تُقاس أعمارهم بعدد السنوات التي عاشوها، وإنما بما تركوه من أثرٍ في حياة الناس، وبما قدموه من تضحياتٍ في أوقات الشدة، وبما ثبتوا عليه حين تبدلت المواقف وتغيرت الأحوال. وأبو كرم ـ رحمه الله ـ كان واحدًا من أولئك الرجال الذين اختاروا طريق البذل فدفعوا ثمنه راضين، واختاروا طريق المبدأ فثبتوا عليه حتى النهاية، فاستحقوا أن يُذكروا بكل خير، وأن تبقى سيرتهم حاضرةً في وجدان من عرفهم وعرف قيمة ما قدموه.

 

رحم الله أبا كرم رحمة الأبرار، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما أصابه رفعةً في درجاته، وجزاه عن الإسلام والمسلمين وعن كل ما قدمه من تضحياتٍ وجهادٍ وصبرٍ خير الجزاء، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.

 

*#رفعت_الجلسة …*

*مدير عام مكتب التخطيط م/ شبوة*

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى