رحلة أبوظبي السرية: ماذا أراد نتنياهو من محمد بن زايد؟

رحلة أبوظبي السرية: ماذا أراد نتنياهو من محمد بن زايد؟
■ – ميديا برس ليبانون _ أحمد موسى
لم تكن الرحلة الخاطفة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أبوظبي، في نهاية الأسبوع، مجرد محطة دبلوماسية عابرة. فالزيارة التي أُحيطت بسرية مشددة قبل أن تتسرب إلى الإعلام الإسرائيلي، جاءت في توقيت بالغ الحساسية: أزمة سياسية داخل إسرائيل، جدل متصاعد حول إخفاقات ما قبل هجوم 7 تشرين الأول 2023، واقتراب موعد انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول المقبل.
والأهم أن الزيارة جاءت بعد أسابيع من تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، زعم أن رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد أبلغ نتنياهو، قبل هجوم 7 تشرين الأول، بتحذير يتعلق بعملية كبيرة كانت حركة حماس تستعد لتنفيذها. نتنياهو نفى تلقي مثل هذا التحذير، فيما أكدت أبوظبي أنها لا تعلق على التقارير الإعلامية المتعلقة بمحادثات قادة الدول.
هنا تبدأ الأسئلة، لا الأجوبة: هل كانت أبوظبي محطة أمنية ـ سياسية مرتبطة مباشرة بملف 7 تشرين الأول؟ أم أن نتنياهو أراد توظيف العلاقة الإماراتية في إدارة أزمة سياسية تتجاوز حدود إسرائيل؟.
زيارة سرية… ثم تسريب قبل عودة الطائرة
أكدت وكالة أنباء الإمارات رسمياً أن الشيخ محمد بن زايد استقبل نتنياهو، وأن البحث تناول العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها وتطويرها. ولم تتضمن الرواية الإماراتية الرسمية أي إشارة إلى التقرير المتعلق بالتحذير السابق لهجوم 7 تشرين الأول، لكن خلف البيان الرسمي ظهرت رواية أكثر تعقيداً.
فبحسب تقارير إسرائيلية وأميركية، كانت الزيارة مقررة بسرية، وكان من المفترض أن يبقى الإعلان عنها إلى حين عودة الوفد الإسرائيلي إلى إسرائيل. غير أن خبر الرحلة تسرّب إلى الإعلام قبل عودة الطائرة، الأمر الذي دفع جهاز «الشاباك» إلى تقديم شكوى بشأن كشف مسار رئيس الوزراء أثناء وجوده في الجو، باعتبار أن ذلك قد يعرّضه والوفد المرافق للخطر.
وتكشف هذه الواقعة وحدها أن الزيارة لم تكن عملية بروتوكولية عادية؛ فقد رافق نتنياهو، وفق تقارير إسرائيلية، رئيس الموساد رومان غوفمان، ومستشار الأمن القومي شموئيل بن عزرا، إلى جانب مسؤولين أمنيين آخرين. كما تحدثت تقارير عن اجتماع استمر ساعات، فيما أشارت روايات أخرى إلى اجتماع أقصر؛ وهو تضارب لم تُحسم تفاصيله علناً حتى الآن.
عقدة 7 تشرين الأول… لماذا الآن؟
اللافت أن الزيارة جاءت في ظل عودة ملف التحذيرات السابقة لهجوم 7 تشرين الأول إلى صدارة النقاش السياسي الإسرائيلي.
فتقرير «هآرتس» الذي صدر في أيلول زعم أن الشيخ محمد بن زايد تحدث مع نتنياهو قبل الهجوم بنحو عشرة أيام، محذراً من عملية كبيرة تخطط لها حماس، ومشيراً تحديداً إلى يحيى السنوار، وفق الرواية التي نقلتها الصحيفة. وتقول التقارير إن نتنياهو نفى هذه الرواية بشدة، فيما رفضت أبوظبي الخوض في تفاصيل الاتصالات بين القادة.
وبحسب وكالة «أسوشيتد برس» وتقارير أخرى، فإن إحدى الروايات حول زيارة أبوظبي تقول إن نتنياهو طلب من الرئيس الإماراتي إصدار نفي علني لما ورد في التقرير الإسرائيلي. لكن مكتب نتنياهو رفض أن تكون الزيارة مخصصة لهذا الغرض، بينما بقيت الرواية الإماراتية الرسمية مركزة على العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية.
وهنا تكمن أهمية الفصل بين ما هو مثبت وما هو متداول: اللقاء نفسه أصبح مؤكداً رسمياً، أما هدفه التفصيلي، ولا سيما ما إذا كان ملف التحذير قد احتل موقعاً مركزياً في المحادثات، فلا يزال في نطاق الروايات المنقولة والتسريبات المتعارضة.
نتنياهو بين الأمن والانتخابات
لا يمكن فصل توقيت الرحلة عن المشهد السياسي الإسرائيلي.
فنتنياهو يدخل المرحلة الأخيرة قبل انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول، فيما يواجه مجدداً سجالاً حول المسؤولية السياسية والأمنية عن الإخفاقات التي سبقت هجوم 7 تشرين الأول. وفي الوقت نفسه، عاد نتنياهو إلى استخدام خطاب «الأمن القومي» والتحذير من هجمات محتملة قبل الانتخابات، قائلاً إن هناك مؤشرات إلى احتمال محاولة أعداء إسرائيل شن هجوم في تلك الفترة.
وفي هذا السياق، تصبح أي معلومة مرتبطة بما كانت تعرفه القيادة الإسرائيلية قبل 7 تشرين الأول ذات قيمة سياسية كبيرة، لأنها تتصل مباشرة بالسؤال الأكثر حساسية في الداخل الإسرائيلي: ماذا كانت القيادة السياسية تعرف؟ ومتى عرفته؟ وماذا فُعل بهذه المعلومات؟
لكن الإجابة النهائية عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تُبنى على تسريبات إعلامية وحدها، بل تحتاج إلى تحقيق رسمي مستقل ووثائق يمكن التحقق منها.
من أبوظبي إلى غزة… رسائل متوازية؟
في اليوم نفسه تقريباً الذي تصاعد فيه الاهتمام بزيارة نتنياهو إلى الإمارات، رفع وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس سقف تهديداته لقادة حماس الموجودين خارج قطاع غزة، معلناً أنهم «في مرمى الأهداف» الإسرائيلية، في إشارة إلى استمرار سياسة استهداف القيادات خارج ساحات القتال المباشر.
التزامن لا يعني بالضرورة وجود رابط مباشر بين الحدثين، لكنه يضعهما داخل مشهد إقليمي واحد: إسرائيل تشدد خطابها الأمني، ونتنياهو يتحرك على قنوات إقليمية مغلقة، بينما تبقى ملفات إيران وغزة والأمن الإقليمي حاضرة في صلب الاتصالات.
وبحسب مصادر إسرائيلية نقلتها «رويترز»، فإن اللقاء الإماراتي تناول أيضاً تحديات إقليمية، مع تركيز على إيران، فيما قالت الرئاسة الإماراتية رسمياً إن المحادثات تناولت العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها.
أبوظبي… شريك دبلوماسي أم مساحة لاستخدام الرسائل؟
منذ إقامة العلاقات الرسمية بين الإمارات وإسرائيل في إطار «اتفاقات أبراهام» عام 2020، أصبحت أبوظبي إحدى القنوات الإقليمية المفتوحة أمام تل أبيب. لكن هذه العلاقة لا تعني بالضرورة تطابق الحسابات السياسية بين الطرفين.
بل إن الموقف الإماراتي المعلن في أيلول شدد على أن أبوظبي لا تعلق على التقارير المتعلقة بمحادثات القادة، مع تأكيدها استمرار قنوات الاتصال المباشر مع الجانب الإسرائيلي والتنسيق عند الحاجة.
وهذا يفسر، جزئياً، لماذا يمكن لأبوظبي أن تستضيف اجتماعاً عالي المستوى مع نتنياهو، وفي الوقت نفسه تمتنع عن تقديم إجابة علنية بشأن قضية شديدة الحساسية داخل إسرائيل.
فبالنسبة إلى الإمارات، العلاقات مع إسرائيل ملف دولة ومصالح إقليمية، وليست بالضرورة أداة لحسم معركة سياسية داخلية إسرائيلية.
السؤال الأكبر: ماذا حمل نتنياهو معه إلى أبوظبي؟
إذا كان البيان الرسمي يتحدث عن العلاقات الثنائية والتحديات الإقليمية، وإذا كانت التقارير تتحدث عن ملف التحذير السابق لـ7 تشرين الأول، وإذا كانت المصادر الإسرائيلية تتحدث عن نقاشات أمنية واسعة، فإن الصورة النهائية تبدو أكبر من مجرد زيارة بروتوكولية.
قد تكون أبوظبي بالنسبة إلى نتنياهو مساحة لبحث إيران والأمن الإقليمي، وقد تكون أيضاً قناة لمعالجة تداعيات سياسية مرتبطة بأحداث 7 تشرين الأول، وقد يجتمع الملفان في لقاء واحد.
لكن المؤكد حتى الآن هو أن نتنياهو ذهب سراً، والتقى الشيخ محمد بن زايد، وتسربت الرحلة قبل عودته، ثم خرج الإعلان الرسمي بصياغة دبلوماسية مقتضبة، بينما بقيت قضية التحذير الإماراتي بلا حسم علني.
وهذه الفجوة بين البيان الرسمي وما تقوله التسريبات هي تحديداً ما يجعل رحلة أبوظبي أكثر من خبر دبلوماسي عابر.
العلاقة بين الاختبار والقنوات السرية
في السياسة الإقليمية، أحياناً لا تكمن أهمية الاجتماع في ما يُعلن عنه، بل في الملفات التي تبقى خارج البيان.
زيارة نتنياهو إلى أبوظبي فتحت مجدداً ملفاً ثقيلاً يتعلق بما سبق 7 تشرين الأول، ووضعت العلاقة الإسرائيلية ـ الإماراتية أمام اختبار حساس: هل تستطيع القنوات السرية احتواء تداعيات أزمة سياسية إسرائيلية متصاعدة، أم أن الأسئلة المتعلقة بالتحذيرات السابقة ستبقى معلقة إلى حين ظهور وثائق وتحقيقات قادرة على حسمها؟.
وفي انتظار ذلك، تبقى الرحلة الخاطفة واحدة من أكثر التحركات غموضاً في المشهد الإسرائيلي ـ الإقليمي، ليس لأن كل ما قيل عنها ثبت، بل لأن ما لم يُكشف بعد قد يكون أهم مما أُعلن.






