الأخبار

كلمة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي بمناسبة يوم الولاية 1447م

كلمة السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي بمناسبة يوم الولاية 1447م

الجمعة، 19 ذو الحجة 1447هـ الموافق 05 يونيو 2026

 

أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.

 

أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:

 

السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛

 

في هذه المناسبة العظيمة الدينية المباركة: مناسبة الغدير ويوم الولاية، أتوجَّه إلى شعبنا اليمني المسلم العزيز، وإلى كلِّ أمَّتنا الإسلامية بأطيب التهاني والتبريك.

 

وشعبنا العزيز أحيا هذه المناسبة في هذا اليوم المبارك إحياءً عظيماً في مختلف المحافظات الحرَّة، كما يحييها في كلِّ عام؛ لأنها من المناسبات الدينية الأصيلة، ومن الموروث الإيماني، من الموروث الإيماني لشعبنا اليمني المسلم العزيز، الذي قال عنه رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ”: ((الْإِيْمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّة)).

 

ولذلك فهذه المناسبة ليست طارئةً على شعبنا العزيز، بل هو يحييها عبر الأجيال، وعلى مدى قرونٍ من الزمن، في إطار انتمائه الإيماني الأصيل والراسخ، ويستمر على ذلك؛ باعتبارها مناسبةً عظيمةً، ذات أهمية كبيرة من جوانب متعدِّدة، نشير إلى بعضٍ منها.

 

وهو شعبٌ يهتم بالمناسبات الدينية، وفي مقدِّمتها: ذكرى المولد النبوي الشريف… وغيرها من المناسبات الدينية:

 

– يستفيد من عطاء المناسبات في ترسيخ الإيمان الواعي، في الحفاظ على الهوية الإيمانية.

 

– ويستفيد منها في مكتسباتها المهمة، من الوعي والبصيرة، وترسيخ المفاهيم القرآنية الصحيحة، والاستفادة من عطائها التربوي… وغير ذلك.

 

– وكذلك يعطيها أهميةً؛ لأنها من التقدير لنعم الله تبارك وتعالى، والاعتراف بعظمة دينه “جَلَّ شَأنُهُ”، وهو امتن به على عباده، كما قال “جَلَّ شَأنُهُ” في القرآن الكريم: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}[يونس:58].

 

يوم الغدير: الحادثة، والنص، والبلاغ التاريخي العظيم فيه، هو من الحقائق التاريخية الثابتة، بالاتِّفاق بين المؤرِّخين، والمحدِّثين، والتراث الإسلامي بشكلٍ عام، فليست قضيةً مشبوهةً، أو محل شكٍ وارتياب؛ ولذلك فهو إحياءٌ لمناسبة أصيلة مؤكَّدة، هي من الحقائق التاريخية الثابتة بلا شك.

 

وأهمية مناسبة الغدير، هذا اليوم الأغر: يوم الولاية، من جوانب كثيرة كما أسلفنا:

 

في مقدِّمتها: الاحتفاء بهذه المناسبة؛ باعتبار الشهادة بكمال الدين، وتمام النعمة، كما قال الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}[المائدة:3]، في يوم الغدير، وفي مناسبة الولاية، وهذا من التقدير لنعمة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”؛ لأن كمال الدين، وتمام النعمة، أمرٌ يترتب عليه الخير كله في الدنيا والآخرة، إن اتَّجهت الأمة في مسيرة حياتها على هذا الأساس، بدلاً من أن تتَّجه اتِّجاهاً منقوصاً في دينها، وقد أكمله الله لها، واتِّجاهاً منقوصاً في التعامل مع نعم الله الكبرى، وفي مقدِّمتها هذه النعمة: نعمة كمال الدين، في أمور مهمة ذات تأثير كبير في حياة الناس، وفي فاعلية وحيوية الدين بكل تفاصيله ومجالاته، الممتدة إلى شؤون حياة الناس، وإلى واقع الأنفس.

 

فالأمة إذا اتَّجهت الاتِّجاه الكامل؛ تحظى فعلاً بتمام النعمة في كل مجالات حياتها:

 

– نعمة العزَّة.

 

– نعمة التحرُّر من ولاية الطاغوت.

 

– نعمة الكرامة الإنسانية.

 

– نعمة الخير والبركات التي وعد الله بها في الدنيا.

 

– نعمة الفوز العظيم بما وعد الله به في الآخرة.

 

نتائج ذات أهمية كبيرة جداً للإنسان.

 

فالاحتفاء والشهادة لله بكمال دينه، وتمام نعمته، هذا من المهم جداً، من الفوائد لهذه المناسبة المباركة حينما تقام بشكلٍ واع.

 

من أهمِّ ما في المناسبة: أنَّها توثيقٌ للبلاغ التاريخي، الذي بلَّغه النبي “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ” امتثالاً لأمر الله، وأتى الأمر به في القرآن الكريم، في الآية المباركة التي سنتلوها ونتحدَّث على ضوئها، بما يعطي هذا البلاغ أهمية كبيرة جداً واستثنائية، إلى درجة أن يقول عنه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}[المائدة:67]، هذا البلاغ العظيم، الذي تدل الآية المباركة على عظمته، وأهميته القصوى، يستحق منا العناية به، وبتوثيقه بالحديث عنه، وبأن يكون من الأمور المهمة في هذه المناسبة أن نتحدَّث عنه، أن نذكره للناس، وأن نتحدَّث عنه.

 

الرسول “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” أيضاً كان حريصاً على ذلك، وهو الذي قال لتلك الجموع من الحجيج، وهم عشرات الآلاف، قال لهم: ((فَلْيُبَلِّغُ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ))، ولهذه المسألة أهميتها الكبيرة.

 

فعملية التوثيق، والإعلان لهذا البلاغ، والحديث به وعنه، من الفوائد المهمة لهذه المناسبة؛ لأنه في واقع الحال، وإن كان من الحقائق الثابتة، الدامغة، التي ليس فيها شكٌ ولا ارتياب، لكنه يحارب، يحارب في معناه، في مدلوله، في مضمونه، في كيفية الاستفادة منه في واقع الأمة، يحارب لفصل الأمة عن الاستفادة منه وتجميده.

 

أيضاً من الفوائد المهمة لهذه المناسبة: الشهادة للنبي “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم” بأنَّه امتثل أمر الله، وبلَّغ هذا البلاغ العظيم، وهو استشهد تلك الجموع الحاضرة، التي بلَّغها أولاً بهذا البلاغ الذي بُلِّغ ليبقى يتردَّد في الأجيال، قال لهم وهو يخاطبهم ويستشهدهم: ((أَلَا هَل بَلَّغْتُ؟ قَالُوا: نَعَم. قَال: اللَّهُمَّ فَاشْهَد))، فهو استشهد شهادة الله عليهم بأنه قد بلَّغ هذا البلاغ العظيم.

 

ثم أيضاً مع ذلك، مع عملية الشهادة للنبي بالبلاغ، والحديث عن هذا البلاغ التاريخي العظيم وعن محتواه، هناك أهمية كبيرة جداً في إقامة هذه المناسبة، تتمثَّل في الترسيخ لمفهوم الولاية كما هو في القرآن الكريم، بما يحصِّن الأمة الإسلامية من الموالاة لليهود والنصارى، ومن التولِّي لهم كجهات في موقع الأمر، والنهي، والتوجيه، والتحكُّم بالأمة في كل مجالاتها.

 

والقرآن الكريم ركَّز على هذه المسألة في مفهوم الولاية، إلى درجة أن يجعل هذا الموضوع بكله في هذا السياق، يعني: جعل موضوع الولاية في القرآن الكريم، فيما يتعلَّق بـ (سورة المائدة)، وإلَّا فموضوع الولاية حظي باهتمام كبير في سور أخرى، وآيات كثيرة، ولكنه في هذا السياق أيضاً أتى به في (سورة المائدة)، في سياق الحديث عن خطورة التولي لليهود والنصارى، والموالاة لهم، التولي لهم بالتعامل معهم كجهات أمر، ونهي، وقرار في واقع الأمة، يأمرون، وينهون، ويتحكَّمون بشؤونها، ويفرضون إملاءاتهم عليها، ويتَّخذون قراراتهم في مختلف شؤونها، والموالاة لهم بالتأييد لهم، بالوقوف معهم، بالمناصرة لهم، بالمعية، المعية في التأييد في الموقف… وغير ذلك، هذا يشكِّل خطراً كبيراً جداً على الأمة، ويخضعها تلقائياً لولاية الطاغوت، يبعدها عن التولي لله إلى ولاية الطاغوت، بكل ما هو شرٌّ وخطرٌ عليها، وانحراف رهيب جداً، وهذا من النقاط التي سنسلِّط الضوء عليها إن شاء الله، ونركِّز عليها في الحديث في السياق نفسه.

 

في سياق الآية المباركة أيضاً في (سورة المائدة)، أتى أيضاً الترسيخ لمفهوم الولاية في القرآن الكريم، في دوره في عزَّة ومنعة وحماية الأمة الإسلامية، وفي تعزيز صلتها بالله تعالى؛ لتكون من حزبه الموعود بالغلبة، في مواجهة الخطر الآتي من اليهود وأعوانهم من النصارى، كما في الآية المباركة: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}[المائدة:56]، والأمة كذلك في أمسِّ الحاجة إلى ذلك، فنجد الصلة المهمة لهذه المناسبة بواقعنا، وفي ظروفنا، وفي واقع حياتنا، وفي طبيعة التحديات والمخاطر التي تواجهها أمَّتنا.

 

ولذلك فهي مناسبة ذات أهمية كبيرة تتصل بواقعنا على مستوى الواقع والتحديات والأخطار، تتصل بمبادئنا الإسلامية ذات الأهمية الكبيرة في ديننا، تستحق منا الاهتمام بها، والعناية بها، والاستفادة منها، في مقابل أنَّ الأمة في بعض البلدان تهتم بمناسبات تافهة، بعضها مناسبات يهودية، ذات محتوى فاسد، يفسد النفوس، ويرسِّخ حالة الولاء لليهود والارتباط بهم.

 

عودةً إلى البلاغ التاريخي العظيم؛ باعتبار أنَّه- كما قلنا- من الفوائد المهمة لهذه المناسبة: أن يتم الحديث عنه، والتذكير به، هذا مهمٌ جداً، والبلاغ التاريخي العظيم له ارتباطٌ بحجة الوداع، حجة الوداع التي حجَّ فيها النبي “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ” في السنة العاشرة للهجرة، وكانت حَجَّة تميزت بأمرين:

 

• الأول: النفير العام لها، وبشكلٍ غير مسبوق:

 

فرسول الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، حرص وعمل على أن يكون الوافدون للحج من المسلمين، بأكبر عددٍ ممكن، عمل استدعاء عاماً، ونفيراً عاماً للحج في ذلك العام، وأكَّد على ذلك، وأرسل الكثير من الرسل إلى كثيرٍ من المناطق والقبائل يستنفرها للحج، وفعلاً تحقق ذلك، بأن كان الحج في ذلك العام بشكلٍ غير مسبوقٍ في تاريخ العرب على الإطلاق فيما قبله، يعني: لم يسبق أن حضر الحج ذلك العدد الكبير من الناس في تاريخ الحج الإسلامي، من عصر نبي الله إبراهيم، إلى زمن خاتم الأنبياء وسيِّد المرسلين محمد “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ”، مقارنةً بعدد السكان آنذاك، السكان في الجزيرة العربية- في بعض التقديرات- كانوا يقدَّرون بما يقارب الخمسمائة ألف إنسان، فأن يكون الحجيج ما يقارب مائة ألف أو أكثر، فهذه نسبة كبيرة من الحجاج، عدد كبير جداً، هذه ميزة لتلك الحجة: النفير العام، الاستدعاء الواسع للمسلمين ليشاركوا ويحضروا في ذلك الحج؛ لأنه سيقدَّم فيه تعليمات مهمة جداً.

 

• والميزة الثانية لتلك الحجة هي: أنَّها مثلما سميِّت بـ (حِجَّة الوداع)، ودَّع النبي “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” فيها أمَّته:

 

وهذا كان نبأً محزناً جداً، ولكنها سنَّة الله في عباده، كما قال “جَلَّ شَأنُهُ”: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}[الزمر:30]، وقال “جَلَّ شَأنُهُ”: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}[آل عمران:144]، {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}[الرحمن:26]، سُنَّة الله في كلِّ عباده، كما هو حال الرسل والأنبياء من قبله صلوات الله عليهم أجمعين، فكان وداعه لأمته، وإشعاره لهم بقرب رحيله، كان في سياق التأكيد على الترتيبات المهمة الضامنة لمستقبل الأمة، ليس فقط هكذا لمجرَّد إخبارهم ليحزنوا، بل لهذا ارتباط بهذه المسألة بالذات؛ لأنه سيقدِّم لهم من التعليمات المهمة ما فيه الضمانة لمستقبلهم فيما بعده “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”؛ لأن هذا الموضوع هو الموضوع المهم الذي يبرز في مثل تلك الحالة، حينما يتحدَّث عن قرب رحيله، ويقول لهم: ((إِنِّي أُوشِكُ أَنْ أُدعَى فَأُجِيبُ))، ويقول لهم: ((وَلَعَلِّي لَا أَلقَاكُم بَعْدَ عَامِي هَذَا))، فهو في هذا السياق: في إطار تعليمات وترتيبات تضمَّن مستقبل الأمة ما بعد وفاة رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ”، وما يتركه رحيله من فراغ كبير جداً في واقع الأمة، لا يمكن أن يترك فيه الأمة هملاً، وتكون تداعيات ذلك كبيرة جداً على واقع الأمة بتقصير في هداية الله، أو في حكمة الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، في ما يقدِّمه لعباده، إذا حصل من جانب الأمة هي انحراف أو متغيرات، تتحمَّل هي المسؤولية؛ أمَّا الله فلا تقصير عنده، ورسوله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” ليس من جانبه أي تقصير.

 

فما قدَّمه النبي من تعليمات في إطار وداعه لأمته، كان كما قلنا يتعلَّق بمستقبلهم، وفعلاً بمثل ما نبَّه عليه رسول الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” وأخبرهم به من قرب رحيله، لم يتم ثلاثة أشهر إلى حين رحيله من دار الفناء، من هذه الدنيا، بعد عودته من الحج ومن غدير خم، لم تطل الفترة، يعني: توفي “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” على اختلاف الروايات في آخر شهر صفر، أو بداية شهر ربيع من العام الذي يليه، يعني: عاد في شهر ذي الحجة، وبقي إلى شهر محرم وشهر صفر.

 

في حجة الوداع، قدَّم النبي “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” تعليمات مهمة جداً، على مستوى التعليمات المتصلة بالحج، وعلى مستوى التعليمات المتعلِّقة بعلاقة الأمة فيما بينها، في وضعها الداخلي، وأعلن في خطبة الوداع أيضاً في يوم عرفة، في خطبة حِجَّة الوداع، أعلن إعلاناً مهماً يتعلَّق بأنه تاركٌ في هذه الأمة الثقلين، قال لهم: ((إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَقَلَين، مَا إِنْ تَمَسَكتُم بِهِ لَنْ تَضِلُّوا مِنْ بَعْدِيَ أَبَدًا))، ثم تحدَّث عن الثقلين: ((كِتَابَ الله حَبْلٌ مَمدُود مِنَ السَّمَاء، طَرَفٌ بِيَدِ الله، وَطَرَفٌ بِأَيدِيكُم))، وحثَّ على الاعتصام بكتاب الله، وأثنى عليه،ـ ثم قال ما بعد ذلك: ((وَعِترَتي أَهلَ بَيْتِي، إِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ نَبَّأَنِيَ أَنَّهُمَا لَنْ يَفتَرِقا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوض)).

 

في عودة رسول الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” من حجَّة الوداع، وحينما وصل (الجُحْفَة)، وفي الجحفة في موضعٍ منها يدعى بـ [غدير خم]، وهذا الموضع قبل أن يتفرَّق الحجيج باتِّجاه بلدانهم المختلفة، نزل على رسول الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” قول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}[المائدة:67]، محتوى هذه الآية المباركة يدل على أمرٍ بالغ الأهمية، في تأثيره على مستوى ما قد بلَّغه رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ” من الرسالة كلها، والذي قد بلَّغه- والمسألة كما قلنا في آخر أيام حياته- الذي قد بلَّغه رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ” من الرسالة إلى ذلك الزمن، إلى تلك المرحلة بالتحديد، هو العقائد، هو الشرائع، عقائد الإسلام في مقدِّمتها: التوحيد، ومبادئه الكبرى، والأسس الإيمانية الكبرى، في مقدِّمتها: التوحيد لله، ومعرفة الله وما يتصل بذلك، وكذلك في ما يتعلَّق بشرائع الإسلام كاملةً، وأيضاً فيما يتعلَّق بالمواقف، المواقف من أعداء الإسلام في إطار عملي، في إطار حركة جهادية لضرب أعداء الإسلام، الذين حاربوا الإسلام، وصدوا عن سبيل الله، وتحرَّكوا بكل عدوانية لمنع إقامة دين الله، ولمحاربة رسالة الله، قد بيَّن المواقف تجاههم في إطارٍ عمليٍ بالجهاد ضدهم، بالمحاربة لهم، ونصره الله عليهم، واجه مشركي العرب، واجه اليهود، واجه قوى الكفر النصرانية آنذاك… وغير ذلك.

 

ولذلك فالآية القرآنية عندما يقول الله فيها: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}[المائدة:67]، هناك أمر له تأثيره على مستوى ما قد تم تبليغه من الرسالة، إن لم يتم تبليغه؛ فسيؤثِّر على ما قد بُلِّغ، هذا يكفينا في أن نستوعب- إذا تأملنا- الأهمية البالغة لهذا الأمر.

 

ثم حينما قال له أيضاً: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}[المائدة:67]، هذا أيضاً يدل على أنَّ الموضوع حسَّاسٌ جداً لدى الناس، وفي البداية أولئك الذين سيتلقون هذا البلاغ، ذلك المجتمع الذي سيتلقَّى في البدء هذا البلاغ، أنها مسألة حسَّاسة لديهم، وحساسيتها عامة، يعني: ليست مثلاً لدى الكافرين فقط، أو لدى المنافقين فحسب، أو لدى فئات معينة، حساسيتها عامة، يعني: في واقع البشر وبشكلٍ عام لهذا الأمر حساسيته الكبيرة عندهم، وهم حسَّاسون جداً تجاهه في ردود فعلهم، وفي مستوى مواقفهم، وما ينتج عن ذلك، وهذا هو الواقع، سنلحظ ذلك- إن شاء الله- في سياق الحديث عن هذه المسألة.

 

الله عندما قال لرسوله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}[المائدة:67]، أعطاه دفعةً مهمةً، وطمأنةً بالتأييد له في هذا البلاغ، وفي ألَّا يكون هناك ردة فعل ذات تأثير خطير فيما بعد إعلان هذا البلاغ.

 

{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}[المائدة:67]، فهو سيحظى بالتأييد في عملية التبليغ لهذا البلاغ، وهذا الموضوع سيتَّضح لنا من خلال النص النبوي ما هو، ويتَّضح لنا أيضاً كم هو حسَّاس في واقع البشر عبر الأجيال، وفي كلِّ زمان ومكان، هو دائماً الموضوع الأكثر حساسية بين الناس بمختلف فئاتهم، يعني: موضوع ولاية الأمر، وموضوع الولاية، هو الموضوع الأكثر حساسية عند أيِّ قوم بكل فئاتهم، يعني: عند السياسيين منهم، عند الثقافيين، عند من يتحرَّكون بصفة أهل علم، من يتحرَّكون بصفة اجتماعية… الكل بالنسبة لهم هذا الموضوع هو الأكثر حساسيةً، وردود الفعل فيه، والتعامل معه، والتشدد فيه، هو أكثر من أيِّ موضوع آخر، وهذه مسألة معروفة بشكلٍ واضح في واقع الناس.

 

ما هو هذا البلاغ؟ ما هو هذا المحتوى: {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}[المائدة:67]، في آخر حياة النبي “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، الذي قد بلَّغ القرآن، بلَّغ الشرائع، بلَّغ العقائد، بلَّغ المواقف، بلَّغ معظم الدين، إن لم يكن هناك استثناءات في بعض التفاصيل- والله أعلم- البسيطة جداً يعني مقارنةً بغيرها.

 

على كلٍّ، حينما نزلت هذه الآية المباركة على الرسول “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، قام على الفور بإجراءات للترتيب لإقامة هذا البلاغ، وإعلان هذا البلاغ، كانت إجراءات عجيبة، تتناسب مع هذا الخطاب في الآية المباركة، الذي يعطي الموضوع بالغ الأهمية.

 

الترتيبات والإجراءات من رسول الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” لإعلان هذا البلاغ، كانت أيضاً كلها تصب في اتِّجاه التحسيس والإشعار بأهمية هذا البلاغ، وأن ما سيتم تبليغه هو أمرٌ مهمٌ جداً:

 

– أمر رسول الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” بالاجتماع الفوري للحجيج، والاجتماع الطارئ العام، وفي وقتٍ هو قبيل الظهيرة، يعني: في شدة الحر في ذلك اليوم، أمر من قد تقدَّموا من الحجيج أن يعودوا على الفور، وللمتأخرين أن يبادروا لحضور الاجتماع العام.

 

– عمل على التجهيز في الساحة في ذلك الموضع (موضع غدير خم)، في ساحةٍ مفتوحةٍ مستوية، وأمر بتجهيز مكان الإعلان بكنس ما تحت عددٍ من الأشجار من الشوك، دوحاتٌ هناك أشجار قمَّ ما تحتهن، وتم رص أقتاب الإبل بأمرٍ من رسول الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، وهي من الدلائل على كثرة الحجيج والحاضرين، أن يسوَّى منها منبر، منبر لإلقاء البلاغ.

 

حضر المسلمون الحجيج بأجمعهم، من قد تقدَّموا، ومن تأخروا، واستعدوا لصلاة الظهر، وصلَّى بهم رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ” صلاة الظهر حينما دخل وقت الظهر، بعد صلاة الظهر كان المسلمون ينتظرون لسماع خطابٍ تاريخيٍ استثنائيٍ، يتضمَّن أمراً مهماً للغاية، استدعى التعامل معه من النبي “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” بكل ذلك الاهتمام وتلك العناية.

 

وصعد رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” فوق أقتاب الإبل، ومعه عليٌّ “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، أخذه معه، وخطب خطبةً عظيمة؛ لأنه في العادة يأتي التركيز على موضع الشاهد منها، والجموع مصغية، في الخطاب نفسه أكَّد على ما ذكره في حجة الوداع من قرب رحيله من هذه الدنيا دار الفناء، أبلغهم أيضاً من جديد بأنه تاركٌ فيهم الثقلين، وصل إلى محتوى البلاغ المهم، فقدَّمه بما يلفت النظر إليه أنه هو الموضوع الرئيسي للخطبة نفسها، فقال “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”: ((يَا أَيُّهَا النَّاس، إِنَّ اللَّهَ مَوْلَايَ، وَأَنَا مَولَى المُؤمِنِين، أَولَى بِهِم مِنْ أَنفُسِهِم، فَمَن كُنتُ مَولَاهُ، فَهَذَا عَلِيٌّ))، وأخذ بيد عليٍّ “عَلَيْهِ السَّلَامُ” ورفعها مع يده، ((فَهَذَا عَلِيٌّ مَولَاه، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاه، وَعَادِ مَنْ عَادَاه، وَانصُر مَنْ نَصَرَه، وَاخذُل مَنْ خَذَلَه)).

 

الرسول “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” مع هذا البلاغ استشهدهم- استشهد الحاضرين الحجيج، وهم بعشرات الآلاف- على أنَّه بلَّغ: ((أَلَا هَل بَلَّغْتُ؟ قالوا: نعم. قال: اللَّهُمَّ فَاشْهَد))، أمرهم أيضاً أن ((يُبَلِّغ الشَّاهِد مِنْهُم))، يعني: الحاضر، ((الغَائِب)): من لم يحضروا؛ ليصل هذا البلاغ إلى كلِّ المسلمين، ما بعد هذه الخطبة، وما بعد نزول رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ” من على أقتاب الإبل واستقراره في الموضع نفسه، نزل قول الله تبارك وتعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}[المائدة:3].

 

من المعلوم أنه لا يمكن أن نقول: أنَّ هذه الآية المباركة قد نزلت ما قبل قوله عن ذلك الأمر المهم: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}[المائدة:67]، يعني: لا يستقيم بأيِّ حال أن يكون قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}[المائدة:3]، نزل في موضوع آخر قبل أن يبلِّغ النبي ما أمره الله بإبلاغه، والذي قال عنه الله: {وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ}[المائدة:67]، كيف يمكن كمال الدين، وهناك نقص له هذه الأهمية في البلاغ والتبليغ؟!

 

هذا البلاغ المهم، أهميته الكبرى أنَّه حدَّد للأمة الإسلامية مساراً مستقبلياً مضموناً إن التزمت به، إن التزمت به، تحظى بكمال الإسلام في واقعها، وبثمرته العظيمة؛ لأن الإسلام دينٌ له ثمرته، ثمرته في نفوس الناس، في السمو بهم، وفي واقع حياتهم، وهذا ما سنشير إلى بعضٍ منه في هذا السياق، الثمرة العظيمة التي وعد الله بها في القرآن الكريم فيما يتعلَّق بهذه الدنيا، وفيما يتعلَّق بالآخرة.

 

البلاغ التاريخي في الغدير:

 

– له سابقات مهمة جداً، من النصوص التي تؤكِّد على مقام أمير المؤمنين عليٍّ “عَلَيْهِ السَّلَامُ” في الأمة، من مثل قول رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ”: ((أَنتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي))، ونصوص أخرى: ((عَلِيٌّ مَعَ القُرْآنُ، وَالقُرْآنُ مَعَ عَلِي))، ((عَلِيٌّ مَعَ الحَقّ، وَالحَقُّ مَعَ عَلِي))، ((لَا يُحِبُّكَ إِلَّا مُؤمِن، وَلَا يُبغِضُكَ إِلَّا مُنَافِق))… ونصوص كثيرة معروفة بين المسلمين.

 

– وله أصله المهم في القرآن الكريم، في الآيات القرآنية المباركة، ولا سيَّما ما ورد في (سورة المائدة)، كما سبق الإشارة إليه، وفي سياقٍ مهم، ونحن بحاجة إلى أن نستوعب أهمية هذا الأمر فيما يتعلَّق بهذا السياق؛ لأنه يعنينا في هذه المرحلة بشكل كبير جداً، هو يعني المسلمين في كل مرحلة؛ لأنه كان سيقي الأمة مما وصلت إليه في وضعها، وفي صراعها مع أعدائها من اليهود والنصارى.

 

في القرآن الكريم في (سورة المائدة) أتى قول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}[المائدة:55]، وهذا تأكيد على مسألة الولاية، وتقديمٌ لها في القرآن الكريم؛ ولذلك يعتبر نص الغدير توأماً لهذا النص القرآني المبارك، وتفصيلاً له، وأتى التوجيه الإلهي هنا، والأمر من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” في موضوع الولاية لهذه الأمة بعد ذلك، بقوله “جَلَّ شَأنُهُ”: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}[المائدة:56].

 

السياق المهم لموضوع الولاية يبين لنا أهميتها- كما قلنا- بالنسبة لنا، أهميتها الكبيرة جداً؛ لأنها أتت:

 

– في سياق التحذير من التولي لليهود والنصارى: {لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}[المائدة:51].

 

– وفي سياق يبيِّن لنا حتمية الصراع معهم، أنَّهم جهة تشكِّل خطورة حقيقية على هذه الأمة، تستهدف هذه الأمة بالعداء الشديد، بالاستهداف الشامل، وفق التفاصيل التي ذكرها القرآن عنهم: أنهم يريدون أن يحوِّلوا هذه الأمة إلى أمة ضالة ضائعة في هذه الحياة، وأن تكون مجرَّدة من شرف حمل الرسالة الإلهية، وأن تكون أمةً مستعبدةً، مقهورةً، مغلوبةً، مستذلة، يسحقونها، يقهرونها، يظلمونها، يفسدونها، يضلونها… إلى آخر ما ورد في القرآن الكريم من التفاصيل التي تبين لنا كيف توجهات أولئك تجاه هذه الأمة بشكلٍ عدواني رهيبٍ جداً، وخطورتهم في أساليبهم في الإضلال والخداع، وأساليبهم في الإفساد والتمييع، وطبيعة الصراع معهم، وعن شرهم، وخطورتهم الكبيرة على هذه الأمة.

 

فمبدأ الولاية في الإسلام له أهميته القصوى: في فاعلية الإسلام في حياة المسلمين، وفي تحقيق ثمرته في الوعد الإلهي في الدنيا والآخرة، ومن ذلك: التحصين لهذه الأمة من التولي لأعدائها من اليهود والنصارى أولياء الشيطان، على مستوى الموالاة التي يترتب عليها نتائج عملية، الموالاة لليهود وأعوانهم من النصارى، {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}[المائدة:51]، كما قال الله عنهم، يتحرَّكون بشكلٍ منسَّق وجماعي لاستهدافنا كأمةٍ مسلمة.

 

الموالاة لهم ليست مجرَّد موقفٍ سياسيٍ مجرَّد، لا يمتد أثره السلبي إلى شؤون حياتنا المختلفة، على حساب مبادئنا الدينية، وقيمنا الدينية، وتعاليم الله لنا “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.

 

الموالاة لهم نتائجها الخطيرة تمتد إلى كلِّ شؤون حياتنا؛ لأنهم عادة يتَّجهون هم في إملاءاتهم على هذه الأمة، بما يتدخَّلون به في كلِّ شؤون حياتها، إلى مستوى المجالات التعليمية، والتثقيفية، والتربوية، والخطاب الديني، والالتزام الديني، وإلى مستوى الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والدين هذا ميدانه، ميدانه الشؤون الاقتصادية والسياسية والاجتماعية… ومختلف شؤون الحياة، فالموالاة لهم يمتد أثرها في إملاءاتهم، وفي سياسة الاسترضاء لهم إلى كل شؤون حياتنا، وهم يتَّجهون لاستهدافنا في ذلك، وفق سياسة هادفة، تهدف إلى تجريدنا من كلِّ عناصر القوة، وإلى إزاحة كل ما له أهمية من الدين، في أن نكون أمةً مستقلةً، منيعةً، عزيزةً، قويةً، عصيَّةً عليهم، عصيَّةً على نفوذهم وسيطرتهم… وغير ذلك، فالمسألة خطيرة جداً.

 

الموالاة لهم يترتب عليها نتائج عملية، هي ارتداد عن مسيرة الدين لصالح الأعداء، ولغير مصلحة الأمة، لما يضر بالأمة، لما يضعفها، لما يذلها، لما يشتتها، لما يقهرها، بما فيه إضلالها، بما فيه الإفساد لها، بما فيه التمييع لها، بما فيه الانحطاط لها، بما فيه التجريد لها من شرف حمل مسؤولية الرسالة الإلهية، وإرث الأنبياء والرسل، وهذا شيء خطير جداً.

 

ولذلك يقترن مع الموالاة لهم، اتِّخاذهم أولياء، والتمكين لهم بأن يكونوا هم في موقع الأمر والنهي، والتدخل في شؤون هذه الأمة، والتوجيه لها، ولكن من موقعهم كأعداء، يعني: ليسوا ناصحين لهذه الأمة، هم أولئك الذين أخبرنا الله عنهم في القرآن الكريم، والله هو أصدق القائلين، أنهم لا يريدون لنا أي خير، وإذا كانوا لا يريدون لنا أي خيرٍ؛ فمعناه: أنهم يريدون لنا بديلاً عنه كل شر، البديل عن الخير هو الشر، لا يريدون لنا أيّ خيرٍ، وهم يريدون لنا كل شر، وهذا ما ينجحون فيه، ويركِّزون عليه، وعلاقة الكثير من الأنظمة والحكومات وبالمعية معها شعوبها، تحولَّت إلى هذه الحالة: يتلقُّون الإملاءات اليهودية، من صهاينة العصر، الذين هم امتداد للحركة اليهودية في العالم على هذا الأساس في كل مجالات الحياة، في كل شؤونها، وهذه مسألة خطيرة للغاية، خطورتها رهيبة جداً على المسلمين، يعني: هي الخطر الكبير جداً الذي يشكل تهديداً شاملاً على أمتنا الإسلامية في الدين والدنيا، ولذلك لا ينبغي تجاهله إطلاقاً، بل يفترض أن تكون الأمة حريصةً جداً على الاهتمام بهذا الأمر، على ما يحصِّنها منه، ويقيها منه؛ لأنه يترتب على ذلك ارتداد عن مبادئ الدين لأجلهم، يعني: من أجل أعداء سيئين، مجرمين، حاقدين، وهم يركِّزون على إزاحة تلك المبادئ الدينية ذات الأهمية الكبيرة في تحصين الأمة من شرِّهم، في تقويتها لمواجهة خطرهم، في بنائها لتكون بمستوى مواجهة التحديات والمخاطر الآتية منهم.

 

ولذلك حينما تستجيب الأمة؛ فهي تستجيب لهم بما هو شرٌّ عليها، بما يضعفها، بما يبعدها عن تأييد الله ورعايته، بما يجرِّدها من كل عناصر القوة، والنتيجة هي المصادرة لحرية هذه الأمة، ومصادرة استقلالها، الذي ينبغي أن يكون على أساسٍ من هويتها الإيمانية والإسلامية، وانتمائها الديني، وتخسر بالتالي دينها ودنياها، والاستعباد للأمة؛ لأن هذه حالة استعباد، حينما يتحول واقع المسلمين إلى أمةٍ خاضعة لأعدائها اليهود والنصارى، تخضع لإملاءاتهم، لأوامرهم، حتى على حساب دينها، فهم أولئك هم أعداء حاقدون جداً، يتجهون إلى استعباد هذه الأمة، وإلى إذلالها، هم لا يحترمونها أبداً، لا يحترمون حتى من يواليهم بجدِّيَّة، بإخلاص إلى درجة الحب لهم، {هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ}[آل عمران:119]، كما أخبر الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وهو من يعلم السر في السماوات والأرض، وهو العليم بذات الصدور، يعملون على قهر هذه الأمة، وأن تكون أمةً مغلوبة، مقهورة، ومستذلة، وهذا أمرٌ واضحٌ ومؤكدٌ ولا شك فيه.

 

ولذلك يفترض بهذه الأمة أن تكون حسَّاسةً جداً، ومنزعجةً للغاية تجاه مسألة التولي لليهود والنصارى، وتجاه مسألة أن يكونوا هم من يتحكَّمون في ولاية أمرها، وفي شؤونها المختلفة، أن يكونوا هم في موقع القرار، والأمر، والنهي، بكل ما هم عليه من سوء، وإجرام، وشر، وفساد، وإضلال، وتباين تام مع هذه الأمة على مستوى القيم والأخلاق؛ لأن أولئك يعادون المبادئ الإلهية، القيم الإلهية، الأخلاق الإلهية، التعليمات الإلهية التي أتى بها الله في رسالته، وفي محتواه العظيم القرآن الكريم، فهذا التباين يجعل المسلمين في الموقع الذي يفترض بهم أن يكونوا مباينين لأولئك الأعداء، ولا يقبلوا بهم لأن يكونوا هم في ما هم عليه من سوء، وشر، وطغيان، وكفر، وضلال، وإفساد، وحقد شديد على هذه الأمة، أن يكونوا في موقع الآمر لهذه الأمة، الناهي لهذه الأمة، المتدخل في كل شؤونها؛ لأن لهذا أيضاً مخاطره الكبرى على هذه الأمة، ويفترض أن تحرص هذه الأمة على ما يحصِّنها من ذلك.

 

والخلاصة: أنَّ التولي لهم، والقبول بهم في موقع الآمر الناهي المتحكِّم بهذه الأمة، الذي يفرض إملاءاته في كل شؤونها، والذي أيضاً يريد لهذه الأمة أن تكون مؤيدةً له، مستغلةً له، مستباحةً له، أن نعرف أن ذلك بكله يتَّجه بمن يقبلون به، إلى الدخول تحت ولاية الطاغوت، ولاية الطاغوت التي هي متنافية تماماً مع مسار الإيمان، انفصال عن التولي لله، دخولٌ تحت ولاية الطاغوت الظلامية المفسدة، التي مآلها إلى نار جهنم، بما لا شك فيه، كما أكَّد الله في القرآن الكريم.

 

ليس المفترض بهذه الأمة أن تكون حسَّاسةً ومعقَّدة تجاه الحديث عن ولاية الله، يعني: البعض من أبناء هذه الأمة مجرَّد أن يسمع هذا العنوان يتعقَّد، يستاء، ينفر، ولا يريد أن يسمع أي شيء عن الموضوع، وحتى في سياق الآيات القرآنية حينما تتلى على مسامعه، لا ينسجم مع أي شيءٍ يتعلَّق بهذا الموضوع، لا من القرآن، ولا مما قاله الرسول “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ”، في سياق ما فصَّله على أساس القرآن الكريم، ولا في سياق الحقائق التي يشهد لها الواقع، لا يريد أن يسمع أي شيءٍ عن هذا الموضوع.

 

ولاية الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” قُدِّمت لنا في القرآن الكريم، وهو الشيء الذي ينبغي أن تركِّز عليه الأمة، كيف قدِّمت في القرآن الكريم، وفي الثابت المتَّفق عليه عن رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ”؛ وسنجد أنها قدِّمت لنا بشكلٍ جذَّاب وعظيم، قائم أولاً على أساس التكريم لهذا الإنسان، الله “جَلَّ شَأنُهُ” حينما قال في القرآن الكريم آية قرآنية: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ}[المائدة:55]، يخاطب من؟ الذين آمنوا، من يتجهون على أساس الإسلام، والإقرار بالرسالة الإلهية، وبالقرآن الكريم، وبالإسلام العظيم، هل أساء إلينا؟ هل هذا تعبيرٌ يسيء إلينا كمسلمين: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ}[المائدة:55]؟! هذا شرف كبير لنا جداً، أن يكون الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” وهو ربنا العظيم هو ولينا:

 

– الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” الذي قال في القرآن الكريم: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}[الإسراء:70].

 

– الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” الذي قال لنا في القرآن الكريم: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}[المنافقون:8].

 

– الله الذي قال لنا في القرآن الكريم ويتحدَّث لنا عن عظمة هذه الرسالة في قرآنها، في مهمة رسولها، وفي إطار ولاية الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}[إبراهيم:1]، يهبنا من عزته، يهبنا من حمده.

 

– الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” الذي هو أرحم الراحمين، الرحيم بنا، الذي صدَّر سور كتابه الكريم بقوله: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، وأكَّد في كثيرٍ من آياته المباركة على أنَّه يعلِّمنا ما يعلمنا، ويأمرنا بما يأمرنا، وينهانا عما ينهانا، من منطلق رحمته بنا، وهو أرحم الراحمين، ومظاهر رحمته نراها متجلية تجلياً عظيماً في كلِّ واقع حياتنا.

 

– الله ذو الكمال المطلق، بعظمته، بجلاله، بكماله، وهو ملك السماوات والأرض، رب السماوات والأرض، الذي له الدنيا والآخرة، الذي بيده حياتنا وموتنا، وإليه مصيرنا، هو ولينا، {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ}[المائدة:55]، لماذا ينفر البعض حتى من سماع هذه العبارة، من سماع هذا العنوان؟!

 

هذا المفهوم القرآني العظيم، بالرغم من أنَّه جذَّاب، وعظيم، ومشرِّف، وفيه تكريم لنا، تكريم كبير لنا، لأهميته وتأثيره؛ لأنه يحرِّرنا من العبودية للطاغوت، ووجه بحملات دعائية كبيرة جداً من اليهود والنصارى والمنافقين، ويواجه باستمرار بحملات دعائية مسيئة؛ لتشويهه بالدعايات الباطلة، بالأكاذيب والافتراءات، بالصد عنه، وأكثر من أيِّ مفهومٍ آخر بين قائمة المفاهيم الإسلامية، بين كل المفاهيم الإسلامي، هذا المفهوم يلقى من المحاربة والصد والتشويه ما لا يلقاه مفهومٌ آخر.

 

حينما نتحدَّث عن ولاية الله، تحدَّث الله عنها كثيراً في القرآن الكريم، كل ما ورد عنها جذَّاب، وعظيم، ومؤثِّر، الله يقول في القرآن الكريم: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}[البقرة:257]، وهذا الإخراج من الظلمات إلى النور، إخراج بالهداية وبثمرة الهداية ونتائجها في الواقع، يعني: ثمرة عظيمة ومهمة جداً.

 

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[البقرة:257]، فنجد النتيجة العظيمة المؤكَّدة لولاية الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: الإخراج من الظلمات إلى النور في هذه الدنيا، وفي الآخرة الجنة؛ بينما البديل عنها تلقائياً هو ولاية الطاغوت، الخروج عن ولاية الله هو خروجٌ إلى ولاية الطاغوت، وولاية الطاغوت هي شر، هي ظلم، هي إفساد، هي إضلال، هي انحراف، هي باطل، هي طغيان، ومآلها إلى جهنم، هي خسران للإنسان؛ لأنه يولي عليه أعداءه، يتولى أعداءه، الذين لا يريدون له الخير.

 

يقول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ}[آل عمران:150]، يعني: لا تسمعوا لأعدائكم الكافرين، لا تخضعوا لهم، لا تطيعوهم لأن يكونوا هم من يأمرونكم، من يفرضون عليكم في إملاءاتهم ما يبعدكم عن مبادئكم الدينية العظيمة المقدَّسة، عن تعاليم الله المباركة القيِّمة، عن الهدى العظيم الذي ينبغي أن تسيروا عليه في هذه الحياة، فينحرفوا بكم لإذلالكم، ليتمكنوا من جهركم، ليتمكنوا من السيطرة عليكم، من الإخضاع لكم، وهم أعداؤكم، وهم مصدر شر، وكفر، وضلال، وإفساد، وطغيان، وإجرام، ليسوا جهةً خيِّرة؛ أمَّا الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” فهو ربكم، الذي يتولاكم برعايته، ومن ذلك التأييد لكم والنصر لكم.

 

فإذاً حينما نعود إلى قول الله تعالى في الآية المباركة من (سورة المائدة): {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ}[المائدة:55]، هذه تبيِّن لنا صلة المؤمنين بولاية الله، أنَّها صلة كاملة وتامة، يعني: ليست مجرَّد إقرار في ولاية الله على الكون بالخلق والمِلْكِ والتكوين، والتدبير التكويني في حركة الشمس، والقمر، والمطر، والنجوم… نحو ذلك، مما كان يقرُّ به حتى المشركون.

 

الميزة في الإيمان والانتماء الإيماني، هو: أنَّ الإقرار والإيمان بولاية الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” يمتد إلى مسألة الهداية والتشريع، ومختلف شؤون الحياة، أمَّا مجرَّد الإقرار بأنَّ الله هو الخالق للسماوات والأرض، وهو الذي يدير حركة هذا الكون، في حركة نجومه وأقماره، وما فيه من كل ما يتَّصل بأمور التكوين: حركة الرياح، حركة الشمس والقمر، حركة الليل والنهار، الإحياء والإماتة… وغير ذلك، هذا أمر يقر به اليهودي، يقر به النصراني، يقر به بقية المشركين، حتى الوثنيين؛ ولذلك يقول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}[الزخرف:87]، هذا الإقرار ليس ما يمتاز به فقط المسلمون، الذين يقرُّون بالرسالة الإلهية، وبالقرآن الكريم، بل كان المشركون يقرُّون بأن الله هو الخالق، الذي خلقهم، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ}[الزخرف:9]، {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ}[يونس:31]، فهم يقرُّون بذلك، لكنهم لا يريدون الإقرار بمقتضاه: بولاية الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” في أمر التشريع.

 

فالإقرار بولاية الله في الخلق، والرزق، والإحياء والإماتة، وتدبير حركة الكون، هو مشتركٌ بين البشر، لكن ميزة المؤمنين، هي: الإيمان بولاية الله الكاملة، التي تشمل مختلف شؤون الحياة، بالهداية والتشريع، والأمر والنهي، كما قال “جَلَّ شَأنُهُ”: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ}[الأعراف:54]، فهو بما أنَّه هو الخالق، المالك، الرازق، المحيي، المميت، المدبِّر لشؤون السماوات والأرض، وشؤون هذا الكون على أرقى مستوى، وهو المالك الحصري، الذي له الملك الحصري لكل هذا الكون، من له الحق في الأمر والنهي، والتشريع لعباده، وإدارة شؤون حياتهم المختلفة؛ ولهذا كانت نتيجة رفض الكافرين لولاية الله، كانت النتيجة أن يخضعوا لولاية الطاغوت، لولاية الشيطان، وأن يكون اتِّجاههم في هذه الحياة على أساس الأهواء، أهواء المجرمين والمضلين.

 

فحينما نعود إلى الآية المباركة، وهو يخاطبنا كمؤمنين: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ}[المائدة:55]، فهو ربكم، الذي يملك فيكم هذا الحق، وهو الأولى بكم، هو ربكم الرحيم، العظيم، الكريم، الذي يكرِّمكم، الذي يهبكم من عزته وحمده، الذي تسمو بكم ولايته على أرقى مستوى إن توليتموه، فهو إذاً من ينبغي أن تتولوه، بالإيمان به، والمحبة له، والالتجاء إليه، والثقة به، والتوكل عليه في كلِّ أموركم، والطاعة له، والالتزام بهديه وتعليماته، والامتثال لأمره ونهيه، هذا هو التولي لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، هذه الصلة الإيمانية التي تجعلنا نسير في هذه الحياة على أساس هديه وتعليماته، واثقين به، ملتجئين إليه، مطيعين له، مستقيمين على أمره ونهيه.

 

{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}[المائدة:55]، ورسوله امتداد الولاية فيما يتعلَّق بالهداية، وإدارة شؤون هذه الحياة في مجالاتها العملية، الامتداد للولاية إلى رسول الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” من موقعه في الرسالة، ومن موقعه في العبودية لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، فهو رسولٌ من الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، يبلِّغنا رسالة الله، ويعمل على إقامتها في واقع حياتنا، بما يحقِّق لنا هذا التولي الإيماني لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، الذين هو طاعةٌ لله، التجاءٌ إلى الله، خضوعٌ لأمر الله ونهيه، استجابةٌ عمليةٌ لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.

 

ولهذا لم تكن ولاية الرسول منفصلة أو مستقلة عن ولاية الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”؛ إنما كانت امتداداً لولاية الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ولكن- كما قلنا- من موقع الرسول في الرسالة، وهو موقع يتولَّى هو فيه التبليغ للرسالة الإلهية، والعمل على إقامتها، وهو في موضع القدوة والأسوة في هذا الالتزام، وهذا العمل؛ ولهذا قال الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}[الأحزاب:6]، وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ}[النساء:64]، {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}[التوبة:128]، ولاية قائمة على أساس هذه القيم العظيمة، رسولٌ من الله، يمتلك هذه الرحمة، هذا الحرص، هذا الاهتمام بأمركم، في إطار ولاية الله التي عنوانها الكبير هو الرحمة بكم، وإرادة الخير لكم، هو السعي بكم نحو ما فيه الفلاح والنجاة والفوز.

 

فإذاً الرسول “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” من موقعه في الرسالة، ومن موقعه في العبودية لله، وهو كان ملتزماً بأمر الله، متَّبعاً لهدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، يقدِّم الأسوة والقدوة على أرقى مستوى في ذلك، الله علَّمه أن يقول: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ}[الأنعام:50]، قال له: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ}[الأنعام:106]، {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ}[يونس:109]؛ ولهذا فامتداد مسار الهداية والأمر والنهي في مسيرة الرسالة الإلهية، كان في القرآن والرسول، الرسول “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ” هو القائم على هذا المشروع الإلهي الذي هو القرآن الكريم في الهداية به، في السير بالناس على أساسه، كما قال: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}[إبراهيم:1]، في العمل على تطبيق هذه المهمة المتصلة بولاية الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.

 

ولهذا فمسيرة الإسلام التي ينبغي أن يسير عليها المسلمون، قائمة على أساس التَّمسك بالقرآن الكريم، والاهتداء به، والاتِّباع له في كل شؤون حياة المسلمين، يعني: ليست المسألة أن نعود إلى ما كان عليه حال المشركين من الإقرار لله بالولاية التكوينية، ثم الانفصال في مسيرة حياتنا عن كتابه الكريم، عن نبيه الكريم، عن ولايته الممتدة في مسيرة الهداية لنا على هذا الأساس، بل مسيرة الإسلام قائمة على أساس التَّمسك بالقرآن الكريم، والاهتداء به، والاتِّباع له في كل شؤون حياتنا، وأن يتحرَّك المسلمون في إطار ذلك للنهوض بمسؤولياتهم المقدَّسة الكبرى.

 

المسلمون علاقتهم بدينهم ليست مجرَّد علاقة التزام عملي محدود، بل أكثر من ذلك: رسالة، تقديم النموذج المميز في الواقع البشري، وحمل هذه الرسالة إلى العالمين.

 

الرسول الخاتم محمد “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، قال عنه الله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}[الأنبياء:107]، المسلمون أصحاب رسالة، أصحاب مهمة مقدَّسة عظيمة، يجب أن يلتفتوا إليها، ألَّا ينحط بهم اليهود والنصارى إلى درجة أن يفقدوا حتى مسألة الالتزام بدينهم في داخل حياتهم، في ساحتهم، في واقعهم، انحطاط رهيب جداً من مقام أراده الله لهم أن يكونوا هم الأمة التي تحمل رسالة الله، وتتحرك في أوساط العالمين، تدعو إلى الخير، تأمر بالمعروف، تنهى عن المنكر، تجاهد في سبيل الله، تعمل على إقامة القسط في هذه الحياة، مهام عظيمة، مقدَّسة، مشرِّفة لهذه الأمة، وتحظى فيها بمعية الله، بتأييد الله، بالنصر من الله، كما وعدها الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.

 

ولهذا كان لابدَّ من امتداد هذه الولاية؛ لأن مسيرة المسلمين قائمة على هذا الأساس، ليست مسألةً مؤقَّتةً بعصرٍ محدود، هي تلك المرحلة التي تحرَّك فيها رسول الله بالأمَّة قائماً على هذا المشروع العظيم، للتحرك بالمسلمين فيه؛ ولهذا أتى في الآية المباركة نفسها: {وَالَّذِينَ آمَنُوا}[المائدة: 55]، وأتى التفصيل في حديث الولاية في غدير خم، الذي يبيِّن هذا الامتداد: {وَالَّذِينَ آمَنُوا}[المائدة: 55]، امتداد مسيرة الهداية في الأمة، في إطار الإيمان والمؤهلات الإيمانية الراقية، بدءاً بالنموذج الأكمل والأرقى: أمير المؤمنين علياً “عَلَيْهِ السَّلَامُ”، من موقع الكمال الإيماني، وموقع الهداية والاهتداء بالقرآن الكريم، عليٌّ الذي قال عنه رسول الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”: ((عَلِيٌّ مَعَ القُرْآنُ، وَالقُرْآنُ مَعَ عَلِي))، هذا التلازم، الذي ثمرته تأتي في إطار هذه المهمة للأمة نفسها، عليٌّ الذي قال عنه رسول الله: ((أَنتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي))، عليٌّ الذي قال عنه: ((عَلِيٌّ مَعَ الحَقّ، وَالحَقُّ مَعَ عَلِي))، قال عنه: ((يُحِبهُ الله وَرَسُوْلَه، وَيُحِبُ اللهَ وَرَسُوْلَهُ)).

 

نصوص كثيرة معروفة في الأمة بشكلٍ عام، قال عنه في غدير خم ما قال في ذلك البلاغ العظيم: ((يَا أَيُّهَا النَّاس، إِنَّ اللَّهَ مَوْلَايَ، وَأَنَا مَولَى المُؤمِنِين، أَولَى بِهِم مِنْ أَنفُسِهِم، فَمَن كُنتُ مَولَاهُ، فَهَذَا عَلِيٌّ مَولَاه، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاه، وَعَادِ مَنْ عَادَاه، وَانصُر مَنْ نَصَرَه، وَاخذُل مَنْ خَذَلَه))، وفي إطار السنة الإلهية الممتدَّة في عباد الله، كما قال الله لرسوله: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}[الرعد:7]، هدى وهداة، لا تنقطع مسيرة الولاية في الهداية للناس على أساس هدى الله ونوره، وتتجمَّد من بعد وفاة الرسول إلى قيام الساعة، وتتحوَّل المسألة إلى مسألة فوضوية، يدخل فيها المظلُّون، والظلاميون، والمنافقون، المفسدون في الأرض، وصولاً إلى أن يتصدَّر الواقع أعداء هذه الأمة من اليهود، فيتحوَّلوا هم إلى جهة توجِّه هذه الأمة في كل شؤون حياتها، وتتحكَّم حتى بمناهجها الدراسية وخطابها الديني، وتتحكَّم عليها في مختلف شؤون حياتها، أي كارثة وطامَّة وعمى خطير على الأمة جداً.

 

ولهذا نحن نؤمن بأنها لم تتعطل مسيرة الهداية، الدور هنا للإمام علي “عَلَيْهِ السَّلَامُ” من هذا الموقع: من موقع الكمال الإيماني، الذي أهله للامتداد بهذه المسيرة في ولاية الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، في الهداية بالقرآن الكريم، في الهداية بالدين، في الحركة بالأمة على هذا الأساس، امتداد لولاية الرسول، ممتدةً لهذه الولاية التي قال عنها {وَرَسُولُهُ}، ثم قال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا}[المائدة:55]، ليست منفصلةً أبداً عن ولاية الرسول “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، لم تتعطل مسيرة الهداية، ولم تكن محدودةً للجيل المعاصر لرسول الله محمد “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، بل لها امتدادها المتَّصل برسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، ليست منفصلةً عنه، بل هي تحدِّد لنا حلقة الوصل به، وامتداده في الأمة وفق المسار الصحيح، في إطار ذلك تتحرَّك الأمة المسلمة، المتولية لله، وهي منفصلة عن ولاية الطاغوت، ومتحصِّنة بولاية الله، للنهوض بمسؤولياتها الكبرى والمقدَّسة، فتحظى من الله بالتأييد والمعونة، والنصر والتمكين والغلبة؛ لأنها تتحرَّك بهذه العناوين، بهذه القضايا، بهذه المسؤوليات المقدَّسة العظيمة، تحمل الحق، وتتحرَّك به في مواجهة الباطل وأهله، تدعو إلى الخير، وتلتزم به، وتتحرَّك على أساسه في مواجهة الشر وأهله، تتحرَّك بالعدل والسعي لإقامة القسط، في مواجهة الطغاة والطغيان، والظلم والظالمين، وتتحرَّك بهذه العناوين الكبرى التي لها امتدادها في كل حياة الناس، ليست عناوين منفصلة عن واقع الحياة، عن ظروف الحياة، عن شؤون الحياة، بل هي ممتدة إلى كل شؤون الحياة، تسعى لهداية الناس بنور الله لإخراجهم من الظلمات.

 

هذا يجعل الأمة في هذا الموقع، الذي يحقِّق لها التولي لله، كما قال الله: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}[المائدة:56]، تكون حزب الله؛ لأنها تحمل رسالة الله، قضية لها في هذه الحياة، تتحرَّك، كما قلنا بالحق، لمواجهة أهل الباطل، بالنور، لمواجهة الظلاميين، الذين يعملون على إضلال الناس وإفسادهم ونشر الفساد في الأرض، تعمل لإقامة العدل والقسط في مواجهة الطغاة والظالمين، وهكذا تتحرَّك بقضايا تصلها بالله، وهذا يحقِّق لها التولي لله، وأن تكون حزب الله؛ فيتدخل الله لها بالتأييد، يُمْدِهُا بالنصر، يمكِّنها من الغلبة لأعدائنا.

 

وهذا ما يسعى الأعداء اليهود والنصارى إلى إزاحة المسلمين عنه، يريدون أن تكون هذه الأمة مجرَّدة من شرف حمل الرسالة، وشرف النهوض بتلك المسؤوليات العظيمة؛ فتتخلَّى الأمة عن أعظم عناصر القوَّة، وتنحط في اهتماماتها؛ وتكون بالتالي قابلة للإضلال والإفساد والتمييع، والنتيجة هي: أن تكون قابلةً بالاستعباد والإذلال، وأن تفقد صلة الإيمان بالله، وثمرة الإسلام في حياتها ووضعها، يكون انتماؤها للإسلام انتماء ليس له ثمرة في حياتها؛ لا عدل، ولا خير، ولا عزَّة، ولا كرامة، ولا قوَّة ولا شرف، بل تأتي كل العناوين الأخرى.

 

ثم في المقابل أيضاً نشاهد كيف أن أولئك الأعداء (اليهود والنصارى) هم من يحاولون أن يحملوا هذا العنوان: عنوان النور، في مواجهة الظلام والظلاميين، عناوين تعبِّر عن العدالة والحق، وهم أظلم الناس، وأضل الناس، أفسد الناس؛ لأنهم يسعون إلى إضلال كل الناس، إضلال وإفساد المجتمعات البشرية، ونشر كل الرذائل والجرائم والمفاسد فيها.

 

لماذا يسعى اليهود لذلك؟ لأنهم يعملون على كل هذه الأشياء، يعني: التجريد لهذه الأمة من شرف حمل الرسالة، من العناوين العظيمة والمقدَّسة، إلى درجة ان يتحوَّل واقع الكثير من أبناء الأمة إلى الخجل والنفور من هذه العناوين، وأن تكون من العناوين التي يعتبرها عناوين تعبِّر عن حالة التخلُّف، وعناوين ليست سائغةً لدى الكثير من أبناء الأمة، وهذا الأعداء اليهود يتحرَّكون في ذلك؛ لأنهم أعداء بكل ما تعنيه الكلمة، ويوجهون عداءهم في إطار حركة عملية هادفة، تصل بالأمة إلى الانهيار، وإلى الحضيض، إلى أسوأ مستوى، مجرَّدة من كل هذا الشرف، ثم قابلة قابلة للإفساد، للإضلال، فاقدة لكل عناصر القوَّة، يعملون على اختراقها والوصول بها إلى التطويع لهم، أن تتحوَّل هذه الأمة التي أراد الله لها أن تكون في هذا المستوى من الاستقلالية، والتي يترافق معها دورٌ مشرِّفٌ عظيم، تتحرَّك فيه الأمة بهذا الدور، بهذا الشرف: شرف حمل الرسالة الإلهية والالتزام بها، والنشر لها في العالمين، يتحوَّل دورها إلى دور آخر: إلى أمة مطيعة لمن؟ لأعدائها الذين هم أسوأ الناس، شرُّ البرية، الله وصفهم في القرآن بأنهم شرُّ البرية، وفعلاً هم شرُّ الناس، شرُّ الخلائق أجمعين، شر بكل ما تعني الكلمة، أن تتحوَّل هذه الأمة إلى أمة مطيعة لهم، مع التولِّي لهم، يعني: مع التأييد لهم، مع المعية والنصرة والتقبُّل لهذا الدور لهم، يتحوَّل هو إلى دور مقبول في هذه الأمة، أن يكونوا هم الجهة التي تأمر وتنهى، والجهة التي تؤيدهم الأمة في مواقفهم حتى في داخلها، تجاه من لا يقبل بذلك؛ فيكون البعض من أبناء هذه الأمة أعدى عدو لهم هو: من لا يقبل بالخضوع لليهود، بالطاعة لليهود والنصارى، بالاستسلام لليهود والنصارى، أعدى عدو لهم.

 

وهذه كارثة جداً؛ لأنها تمكِّنهم من استغلال هذه الأمة والاستعباد لها بسهولة، ومن موقعهم كأعداء لا يريدون لهذه الأمة أي خير، وكل مشاريعهم عدوانية إجرامية، وكل أجندتهم ومخططاتهم هي استهداف لهذه الأمة بشكلٍ تدميري، يضيع هذه الأمة، ويجعلها تخسر دنياها وآخرتها ودينها، هي كارثة بكل ما تعنيه الكلمة!

 

والشيء المؤسف جداً: أننا نرى الكثير من الأنظمة والحكومات، والنخب والأحزاب، وكثيراً من القوى نراها متقبِّلةً لهذا الدور، ولهذه العلاقة مع أمريكا وإسرائيل، مع اليهود الصهاينة، مع الغرب الذي يرزح تحت السيطرة الصهيونية، أن تكون علاقة قائمة على التبعية، على الطاعة، على التقبُّل، الإملاءات، على التأقلم مع كل ما يأتي من أولئك، وعلى حساب الدين، على حساب القيم الإلهية، على حساب التعليمات الإلهية، التي هي خير لهذه الأمة، وعز وشرف لهذه الأمة، وفلاح ونجاة، وصلة بالله، بولايته، برعايته، بنصره، بتأييده، وهذه كارثة، هذه طامة!

 

ولهذا نجد التعاطي الواضح، والصريح، والمكشوف، من كثير من الأنظمة والقوى، قائم على هذا الأساس، يتحدَّثون عنه هم في وسائلهم الإعلامية، عن محتوى لقاءاتهم باليهود والنصارى، محتوى هذه اللقاءات يمتد إلى مختلف شؤون الحياة: الشؤون السياسية، المواقف، الشؤون الثقافية، الشؤون التعليمية، الشؤون العسكرية، الشؤون الأمنية… مختلف شؤون هذه الحياة، والحالة فيها هي قائمة على أساس التلقِّي لتلك الإملاءات، والتقبُّل لها، والارتباط بأولئك الأعداء: بأمريكا، ببريطانيا، باليهود الصهاينة، بالغرب الذي يرزح للسيطرة الصهيونية، باليهود بشكل مباشر، في إطار ذلك: في إطار أن تكون هذه الأمة متقبِّلة لإملاءات وتوجيهات وتعليمات، على مستوى المواقف، على مستوى التوجُّهات.

 

ما الذي حكم موقف أكثر الحكومات والأنظمة، من العدوان الإسرائيلي بشراكة أمريكية على قطاع غزَّة، وارتكاب أبشع وأفظع الجرائم والتجويع في موقف الكثير من الأنظمة والحكومات، ومعها من معها؟ الذي حكم موقفهم هو الإملاءات الأمريكية، هو التعليمات الصهيونية، أن يخذلوا فلسطين، أن يتفرجوا على كل ما يجري، أن يتركوا الشعب الفلسطيني في غزَّة يتضور جوعاً، ويموت الكثير من أبنائه من الجوع، أن يشاهدوا الانتهاكات الفظيعة جداً: من إبادة جماعية، من قتل للأطفال الخُدَّج والرُّضَّع، ومن لا يزالون حملاً في بطون أمهاتهم، ومن قتلٍ في إبادةٍ جماعية للكبار والصغار، ومن أبشع الجرائم الفظيعة، الذي حكم الموقف هو الإملاء الأمريكي، التوجيه الأمريكي، الخضوع للتوجيهات الصهيونية، التوجيهات الأمريكية صهيونية، مرتبطة باليهود.

 

فهناك تقبُّل في واقع الأمة لأن يكون المتحكِّم في ولاية أمرها هم اليهود الصهاينة وأذرعهم في العالم: أمريكا، وبريطانيا، وإسرائيل، والغرب الذي يرزح تحت الصهيونية ويتحرَّك تحت الراية الأمريكية، وهذه مسألة واضحة حتى في التعيينات، حتى في الشكل الهرمي للحكومات والأنظمة، يتحوَّل الأمر إلى أن يكون لهم تدخُّل مباشر في التعيينات، فمن لا يقبلون به يحارب ويقصى، يكون المعيار في العالم العربي بالدرجة الأولى، وفي العالم الإسلامي في معظمه: أن يكون من يقبل بهم من مسؤولين في حكومات وزعماء، هم من هم مقبولين أمريكياً، وهذا رأيناه حتى في العراق في الآونة الأخيرة، رفض (ترامب) بشكلٍ صريح مسألة أن يكون المالكي رئيساً للوزراء، وفعلاً شُطِب من الترشيحات؛ لأن الأمريكي لا يقبل به، مع الوضع المتقدِّم في العراق، فما بالك بغيره، ما بالك بغيره!

 

الحالة خاضعة بشكلٍ كامل، إلى درجة أن يتحوَّل عنوان الشرعية مرتبط بالمقبولين أمريكياً، بالمقبولين أمريكياً، ومن ليسوا مقبولين أمريكياً وإسرائيلياً، لا شرعية لهم، حتى لو كانوا حُكَّاماً في بلدانهم ضمن أسس معيَّنة، سياسية في ذلك البلد أو ذاك، يعني: حكومة ونظام قائم مقبول به شعبياً في بلدٍ معيَّن، وحتى وفق ديمقراطية أو غيرها من العناوين السائدة في واقع الأرض، حينها إذا لم يكن مقبولاً أمريكياً، ولم يكن خاضعاً وموالياً لأمريكا وإسرائيل، ومتقبِّلاً للولاية الصهيونية، التي هي ولاية الطاغوت والشر والإجرام، فليس مقبولاً به، ولا شرعية له؛ أمَّا من هو موالٍ لأمريكا وإسرائيل، وخاضعاً لهم، وينفِّذ أجندتهم، ويسعى لخدمتهم، ويعبِّد نفسه لهم؛ فهو المقبول به كمسؤول، أو حاكم، أو زعيم، تدخُّل حتى في ولاية الأمر، يعني: هم يتَّجهون إلى إحكام ولاية الأمر والسيطرة على هذه الأمة وغيرها من الشعوب.

 

من الأخطاء الكارثية: أن تتحوَّل سياسة الاسترضاء لهم والتطويع والتدجين إلى أساسية لكثيرٍ من الحكومات وشعوبها؛ لأن هذا على حساب مبادئ الدين وقيمه، بل ليس فقط على مستوى أخلاق وقيم، في مستوى معيَّن، حتى على مستوى العلاقة بالقرآن الكريم، فيما يبقى من الآيات القرآنية في المناهج الدراسية الرسمية، وفيما لا يبقى، وهذا من أسوأ وأقبح وأفظع وأكثر وأجرم ما يحدث في بلدان عربية وإسلامية، تُنزع آيات قرآنية، وتزال، وتحذف، وتشطب، وتلغى من مناهج دراسية رسمية؛ استرضاءً لليهود، أن تكون العلاقة معهم، حتى على حساب ما يأتي في المناهج الدراسية من القرآن وما لا يأتي، ما لا يعتمد من القرآن الكريم في المناهج الدراسية وما يحذف، هذه كارثة، كارثة بكل ما تعنيه الكلمة! على مستوى العلاقة بالرسول، بالمقدَّسات، والحال حال رهيب جداً، هذا شيء مؤسف للغاية، وشيء خطير جداً.

 

ولذلك فمسار الإيمان بولاية الله، والتولي الواعي العملي لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، مهمٌ للأمة في كمال دينها، في حمايتها من الاختراق في موقع الأمر والنهي وولاية أمرها. وهذا أخطر الاختراقات، يعني: اليهود والصهيونية العالمية حينما تسعى إلى الاختراق للأمة في موقع ولاية الأمر، فهو أكبر اختراق؛ لأنه الاختراق الشامل، الاختراق الذي يمكِّنهم من التحكُّم الكامل في شؤون هذه الشعوب في كل مجالات حياتنا، أسوأ اختراق، أخطر اختراق، وأكبر اختراق، يترتب عليه الاختراق لهذه الأمة في كل المجالات: الثقافية والفكرية، والأخلاقية والقيمية، وفي مختلف المجالات، من شؤون سياسية، واقتصادية، واجتماعية… وغيرها. وبما يدمر هذه الأمة؛ لأنهم أعداء بما يفسدها، بما يضلها، بما يضيعها، بما يجرِّدها من كل عناصر القوَّة، بما يحقِّق أهدافهم التي هي أهداف عدوانية ضد هذه الأمة، ويحوِّلها إلى حالة الاستعباد لولاية الطاغوت المستكبر، فهذه حالة خطيرة.

 

مسار الإيمان بولاية الله، والتولي الواعي العملي للأمة، أن تتولى الله، مهمٌ لها:

 

– في كمال دينها.

 

– في حمايتها من ذلك الاختراق.

 

– في تأهيلها لأن تكون حزب الله.

 

– في دورها، ومهامها، وقضاياها، ومسؤولياتها.

 

– وما تحظى به من رعاية الله وهدايته، وتأييده ونصره؛ فتحظى بالغلبة لأعدائها، بدلاً من أن تكون مقهورة، مستذلة، مغلوبة على أمرها، أن تكون هي الغالبة، كما قال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}[المائدة:56].

 

من الواضح أنه كما يسعى اليهود والنصارى والكافرون لمحاربة ولاية الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، هذا المفهوم المهم القرآني، يسعى معهم المنافقون أيضاً، في سعيٍ دؤوبٍ لإخضاع هذه الأمة للتولي لليهود والنصارى والموالاة لهم، وهذه جناية رهيبة على الأمة: المولاة لأعدائها الأسوأ، الأشر، الأطغى، المستهدفين لها، جناية رهيبة على الأمة في دينها ودنياها، وخسارة حتى لهم في نهاية المطاف.

 

من المهم لأمتنا أن تصغي لله ولكتابه وهديه، ولا تسمع للمنافقين ولا تصدِّقهم، فمسارهم في سعيهم لإخضاع هذه الأمة للموالاة لليهود والنصارى، والخضوع في ولاية أمرهم لهم، هو مسار كارثي على هذه الأمة، خطير جداً في الدين والدنيا والآخرة، الأعداء اليهود، وشركاؤهم النصارى، الذين معهم في إطار الصهيونية، في إطار الولاء لبعضهم بعض ضد هذه الأمة، كما قال الله عنهم: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}[المائدة:51].

 

هم أعداء واضحون في سوئهم، في أنهم سيئون جداً، تُقدِّم لك جرائمهم في فلسطين، ولو على مستوى العامين الماضيين، ما بالك بكل ما سبق ذلك! ما بالك أيضاً بما فعلوه على مستوى تاريخهم، على مستوى ما عملوه في أقطار أخرى، وضد بلدان أخرى، وضد قوى أخرى، ما كتب عنهم من كتب، ما نشرت عنهم من حقائق معروفة، كلها تكشف مدى السوء الذي هم عليه، والشر والإجرام، وكذلك أهدافهم، تكشف أهدافهم العدوانية، تفاصيل الجرائم الرهيبة لهم كثيرة ويومية، وهي مستمرة- كما قلنا- في فلسطين، وتجاه لبنان، واستمرَّت في فلسطين بشكلٍ يومي:

 

– من قتل، واستباحة تامة لأمتنا في الإبادة الجماعية.

 

– جرائم الاغتصاب الفظيعة، التي أصبحت سلوكاً عدوانياً، من ضمن السلوك المستمر الذي يوسعون دائرته، إلى درجة أن ينشروا هم مشاهد لجرائم الاغتصاب لرجال، ونساء، وأطفال، وكبار وصغار، والتي يوثِّقونها وينشرونها.

 

– من احتلالهم للأوطان.

 

– من اغتصابهم للممتلكات.

 

التفاصيل اليومية التي يسمعها الكثير من الناس، واعتادوا على سماعها، وتكشف حقيقتهم، هم كذلك، هم بذلك المستوى من السوء والإجرام، من الظلم والطغيان، لا يرحمون أحداً: يعتدون على الطاعن في السن، على الأعزل من السلاح، على الأسرة التي هي في منزلها ومسكنها، لا تقوم بأي شيءٍ ضدهم، يستهدفون الناس في حياتهم، في أعراضهم، في ممتلكاتهم، يعملون ما يعملونه لمصادرة الأراضي واحتلال الأوطان، وانتهاب الممتلكات، لن يكونوا تجاه أي شعب بأحسن منهم مما هم فيه تجاه الشعب الفلسطيني، ولا تجاه حرمة بقية المقدَّسات كالبيت الحرام ومكَّة والمدينة، بأكثر مما هو عليه الحال تجاه المسجد الأقصى والقدس ومسجد الخليل.

 

يا أبناء أمتنا الإسلامية، نحن في مرحلةٍ مهمة، والصراع في ذروته، ويتطلب ذلك: درجةً عاليةً من الوعي أولاً، ومن المسؤولية ثانياً، كل الخيارات التي تُدفع اليها الأمة:

 

– وفي مقدِّمتها: مسار الخنوع والاستسلام، لا نجاة فيه لهذه الأمة، هو مطمعٌ للعدو، ومن البديهي أنه يمكِّن العدو من السيطرة على هذه الأمة، إضافةً إلى أنه مخالف لكتاب الله، وتعليمات الله، وهداية الله.

 

– مسار النفاق والخيانة: ليس مسار خيرٍ للأمة، ولا نجاة فيه لها؛ هو تسخيرٌ للنفس والإمكانات والجهود في خدمة عدوٍ لن يغيِّر عداوته، ولن يقدِّر لأحدٍ ذلك، الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أخبرنا عنهم في القرآن الكريم بهذه الحقيقة: {هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ}[آل عمران:119]، حتى ولو وصل الأمر إلى هذا المستوى.

 

النتيجة الحتمية اليقينية لمسار النفاق والخيانة: كما أخبر الله في القرآن الكريم، هي: الندم والخسران، كما قال الله: {فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ}[المائدة:52]، وكما قال عنهم: {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ}[المائدة:53]، لمن يتَّجهون لموالاة اليهود والنصارى.

 

النجاة والعز والفلاح في التولي لله، والانضواء تحت راية حزبه وأوليائه، والتَّمَسُّك بكتابه، والثقة بوعده الحق، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}[المائدة:56]، وكما قال تعالى عن مآلات وعاقبة الصراع مع اليهود الصهاينة، المستكبرين، المفسدين في الأرض: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا}[الإسراء:8].

 

في هذه المناسبة المباركة، وفي ختام هذه الكلمة، نؤكِّد على بعضٍ من النقاط المهمة:

 

• أولاً: على مواصلة العمل في تعزيز الارتباط بالقرآن الكريم، في إطار ولاية الله تعالى، واتِّباع نوره وهديه المبارك، والتحرُّر من ولاية الطاغوت الشيطانية، التي يحمل رايتها في هذا العصر اليهود الصهاينة، وأئمة الكفر (أمريكا، وإسرائيل).

 

• ثانياً: نؤكِّد ثباتنا على نهج القرآن الكريم في موقفنا من أعداء الإسلام والإنسانية: اليهود الصهاينة وأئمة الكفر (أمريكا، وإسرائيل)، يعني: موقفنا منهم هو موقفٌ قرآني، قائمٌ على أساس ما أمرنا الله به وهدانا إليه في القرآن الكريم، وما قدَّمه لنا في القرآن الكريم من حقائق تتعلَّق بذلك، هذا هو أساس موقفنا، وهذه حقيقة مؤكَّدة، يقينية وواضحة وبدهية، موقفنا منهم، ومن شرهم وإجرامهم وطغيانهم، من عدوانهم على أمتنا الإسلامية في فلسطين، ولبنان، وإيران، وعدوانهم على شعبنا اليمني، واستباحتهم لسوريا، وخطرهم على الأمة بكلها، على هذه المنطقة بأجمعها، تحت عنوانهم المعروف: [إقامة إسرائيل الكبرى، وتغيير الشرق الأوسط]، خطورتهم على المقدَّسات الإسلامية بكلها، بما في ذلك: مكَّة والمدينة، وهي مسألة واضحة، فموقفنا منهم في العداء لهم، في المواجهة لشرِّهم، لطغيانهم، لعدوانهم، لمؤامراتهم، لمخططاتهم، لأجندتهم الشيطانية، العدوانية، الظالمة، هو موقفٌ قرآني، موقفٌ أصيل بكل ما تعنيه الكلمة، موقف حق نعتز به، نتشرف به.

 

• نؤكِّد أيضاً على جهوزيتنا للتصدِّي لهم- بمعونة الله تعالى وبالثقة به- في أي جولةٍ من جولات التصعيد، أو أي تطوراتٍ في إطار الوضع الراهن، ونحن على تنسيقٍ تامٍ مع إخوتنا المجاهدين في (محور الجهاد والمقاومة والقدس) تجاه ما يحدث في لبنان وفلسطين، وتجاه الإجراءات الأمريكية الظالمة والعدوانية، وما يلزم تجاه ذلك.

 

• رابعاً: نوجِّه نصيحتنا لكل القوى والجهات في منطقتنا، بأن يحذروا من التوريط الأمريكي لهم للقتال في خدمة العدو الصهيوني؛ لأن الأمريكي هو يسعى فعلاً للوصول بهم إلى هذه النقطة: إلى أن يدخلوا في معركة شاملة في خدمة اليهود الصهاينة، في خدمة إسرائيل، هذا يشكِّل خطورةً كبيرةً عليهم، لخدمة عدوٍ يستهدف الجميع في كل شيء، ونتائج ذلك عليهم هي الخسارة والعار والخزي، والعواقب الخطيرة عليهم ختامها نار جهنم، والعياذ بالله.

 

خِتَاماً نَسْألُ اللهَ “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِأن نَكُونَ مِنَ المُتوَلِينَ لَهُ، الصَّادِقِينَ فِي وَلَائِنَا وَتَوَلِّينَا لَهُ، وَفِي امتِدَادِ وَلَايَتِهِ لِرَسُوْلِهِ وَالمُؤْمِنِين، وَفِي مُقَدِّمَتِهِم أَمِيرِ المُؤْمِنِين عَلِيٌّ “عَلَيْهِ السَّلَامُ”.

 

نَسْألُ اللَّهَ “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.

 

وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى